بشير عبد الفتاح يكتب : أميركا وحلفاؤها وفضائح التجسس

جولة عربية

الجمعة, 15 نوفمبر 2013 11:29
بشير عبد الفتاح يكتب : أميركا وحلفاؤها وفضائح التجسس

جاءت ردود الفعل الدولية والمحلية التي تمخضت عنها فضيحة التجسس الأميركية سلبية، والتي كان بطلها إدوارد سنودن، المستشار السابق لوكالة الأمن القومي الأميركية

الذي هرب من أميركا في مايو (أيار) الماضي وسرب لصحيفة «الغارديان» البريطانية وثائق تؤكد وجود برنامج تجسس دولي لدى الوكالة يقوم بالتنصت على الاتصالات الهاتفية والبريد الإلكتروني الخاص بـ35 من زعماء العالم أبرزهم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، والرئيس المكسيكي إنريكي بينيانييتو، وسابقه فيليبي كالديرون، فضلا عن مليارات الاتصالات الهاتفية والرسائل النصية لمواطنين كثر حول العالم بما في ذلك دول حليفة لواشنطن.
فأميركيا، أبدت المؤسسات السياسية كالبيت الأبيض ووزارة الخارجية والكونغرس استياءها من استفحال النشاط التجسسي للأجهزة الأمنية والاستخباراتية إلى حد تجاوز الأعراف والقوانين الخاصة باحترام الحريات والخصوصية. ودوليا، هرعت دول كثيرة حول العالم نحو التعبير عن غضبها البالغ جراء التجسس الأميركي على حاكميها ومحكوميها في آن. ولم تتردد دول أوروبية حليفة لواشنطن في إعلان سخطها ومطالبة إدارة أوباما بالتوقيع على اتفاق صارم يضمن احترام الخصوصية. وبدوره، أكد وفد البرلمان الأوروبي الذي قصد واشنطن للتباحث بشأن الأزمة أن ثقة الأوروبيين بالحليف الأميركي قد اهتزت، حتى إن نائبة رئيس المفوضية الأوروبية فيفيان ردينغ لم تتورع عن مطالبة الولايات المتحدة بالتحرك بصورة عاجلة لترميم تلك الثقة المهترئة.
وإضافة إلى هذا الغضب العالمي، الذي وصفته وسائل إعلام غربية بأنه «مفتعل» و«تحت السيطرة»، كما أوردت صحيفة «فاينانشيال تايمز» البريطانية، هناك انقسام في وجهات النظر الأميركية حول ما إذا كان هذا الغضب حقيقيا أم مجرد حيلة أم ورقة مساومة يستخدمها أولئك الحلفاء لتغيير شروط التعاون الاستخباراتي مع واشنطن، قد لا يستتبع بالضرورة تأزما حقيقيا في علاقات واشنطن مع ضحايا الأنشطة التجسسية الأميركية المتغولة.
فمن جهة، تتسم علاقات واشنطن مع تلك الدول بتشابك مصلحي معقد إلى حد يصل بها إلى مستوى التحالف أو الشراكة الاستراتيجية، التي تطوي بين ثناياها من المغانم الكبرى بين طرفيها ما يخول هذه العلاقات استيعاب أي نتوءات، حيث نجحت في تجاوز أزمات لم تكن أقل وطأة فيما مضى كأزمة السجون السرية، التي تمخضت قبل سنوات عن توقيف وكالة الاستخبارات الأميركية مشتبهين يقطنون تلك الدول في أنشطة إرهابية وترحيلهم، سرا وقسرا ومن دون تحقيقات أو محاكمات، إلى معتقل غوانتانامو.
ومن جهة أخرى، لم تكن واشنطن بأنشطتها التجسسية بدعا من دول العالم، حيث تورطت دول كثيرة، من بينها حلفاء وأصدقاء لواشنطن، في أنشطة مشابهة حول العالم بل وداخل الولايات المتحدة ذاتها، ولعل ذلك ما دفع بحلفاء واشنطن لتفهم النشاط التجسسي الأميركي عليهم منذ زمن، إذ اكتفوا فقط بتقنينه أو تنظيمه على النحو الذي يراعي الخصوصية الفردية ويتلاشى مراقبة الزعماء.
وفي شهادته أمام جلسة استماع بلجنة الاستخبارات في مجلس النواب الأميركي، أكد مدير وكالة الأمن القومي الجنرال كيث ألكسندر، أن الوكالة لم تتجسس على مسؤولين أو مواطنين أوروبيين وإنما تلقت المعلومات من التسجيلات الهاتفية التي قامت أجهزة الاستخبارات الأوروبية بتسليمها إياها، لافتا إلى أن الوكالة الأميركية تتقاسم وتتبادل معلوماتها مع الحلفاء الأوروبيين الأعضاء في حلف شمال الأطلسي، توخيا لتحقيق الأمن الجماعي ودعم العمليات العسكرية المشتركة ضد البؤر الإرهابية المنتشرة في ربوع العالم.
غير أن المأزق الحقيقي بالنسبة لحلفاء واشنطن لا يكمن في عمليات التجسس الأميركية بحد ذاتها بقدر ما

يتجلى في افتضاح تفاصيل تلك العمليات أمام العالم وشعوب تلك الدول بالأساس، لا سيما بعد أن اتسع نطاقها تدريجيا ليتجاوز المراكز الحيوية لصنع القرار الاستراتيجي لديهم ويطال رؤساء الدول والحكومات فضلا عن المواطنين أنفسهم، حسبما أفادت تسريبات سنودن.
فلم يكن يخالج قادة الدول الحليفة والصديقة لواشنطن أدنى شك في قيام واشنطن بمثل هذه الأعمال وعلى هذا المستوى، بيد أن الإعلان عنها بهذه الطريقة الفاضحة ربما يضع أنظمة الحكم بتلك الدول في حرج بالغ أمام شعوبها والرأي العام العالمي، كما يفجر مخاوف هائلة بشأن إمكانية الحفاظ على سرية التسجيلات والتقارير المسربة، علاوة على احتمالات تسريب المزيد من المعلومات والتقارير الأشد حرجا وإثارة في هذا الصدد من قبل سنودن أو غيره مستقبلا، لا سيما بعد أن لمح سنودن إلى أن بحوزته وثائق تؤكد وجود تعاون استخباراتي في أنشطة تجسسية حساسة بين الأجهزة الأميركية ونظيراتها في دول تبدو في العلن معادية لواشنطن أو على خصومة معها بينما يجري التنسيق الاستخباراتي معها على قدم وساق في الخفاء، كإيران وروسيا وباكستان، كما تظهر تعاون السلطات الباكستانية مع واشنطن فيما يتصل بالعمليات التي تنفذها الطائرات من دون طيار داخل باكستان مخلفة آلاف القتلى والمصابين إضافة إلى ملايين اللاجئين والمشردين.
ومن غير الإنصاف الادعاء بأن إنكار أوباما إحاطته بكافة أنشطة بلاده التجسسية مثلما فعل الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون إبان التحقيق في فضيحة «ووتر غيت» قبل أربعة عقود خلت قد يهوي بالرئيس الحالي إلى ذات المصير الذي آل إليه سلفه، فالمقارنة ليست في محلها، لأن الأمر يتعلق هذه المرة بالأمن القومي الأميركي وبخطر الإرهاب، الذي يجمع الأميركيون أيا كانت انتماءاتهم الحزبية على ضرورة دحره بأي ثمن.
وكم كانت بليغة وموحية تصريحات المسؤولين السياسيين والاستخباراتيين الأميركيين في هذا الصدد، فبينما أكد الأولون أن تجسس بلادهم على الأعداء والأصدقاء قد أسهم بشكل فعال في تجنيب واشنطن وحلفائها ويلات سيل من العمليات الإرهابية النوعية والقاسية، شدد الآخرون على أن إعلان الرئيس أوباما عزم بلاده مراجعة استراتيجية عمل المؤسسات الأمنية والاستخباراتية الأميركية لا يمكن أن يحول دون استمرار أنشطتها التجسسية المتشعبة والعابرة للحدود.
نقلا عن صحيفة الشرق الاوسط