رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

رغيد الصلح يكتب : متى تحمي المنطقة العربية نفسها من التحديات؟

جولة عربية

الخميس, 07 نوفمبر 2013 15:16
رغيد الصلح  يكتب : متى تحمي المنطقة العربية نفسها من التحديات؟رغيد الصلح

تتابع واشنطن وطهران، كما تتابع عواصم عربية عديدة المفاوضات التي تبدأ اليوم بين ايران وبين الدول الست باهتمام وترقب. في واشنطن سياسيون وشخصيات نافذة، مثل شلدون ادلسون،

المعادي بقوة لباراك اوباما، يمارسون ضغطاً على الإدارة الأميركية كي تعود عن التفاوض مع طهران، وتستبدل السلاح الديبلوماسي في مخاطبتها بالسلاح العسكري. وفي طهران وبين الجماعات الإيرانية التي تتابع هذه المفاوضات، تبدو العناصر المتشددة اكثر اهتماماً بإبداء الموقف تجاهها والأعلى صوتاً في تحديد أفقها. فالتظاهرات الحاشدة التي نظمت بمناسبة ذكرى اقتحام الطلاب السفارة الأميركية عام 1979 لا تهدف الى مجرد احياء ذكرى ذلك الحدث فحسب، وإنما ترمي أيضاً، كما يقول العديد من المراقبين، الى الضغط على المفاوض الإيراني في جنيف بحيث لا يتخطى الحدود المسموح بها في التفاوض حول البرنامج النووي الإيراني.
لقد رسمت هذه الحدود بدقة عام 2003 عندما امر المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية العاملين في البرنامج النووي الإيراني بالتوقف عن تطوير الجانب العسكري منه، ولكن في نفس الوقت ابقي هذا الجانب جاهزاً بحيث يمكن معاودة تطويره إذا ما ارتأت القيادة الإيرانية موجباً لذلك. ويقدر الأميركيون انه اذا اتخذت القيادة الإيرانية مثل هذا القرار، فإن ايران تحتاج الى عام واحد فقط لكي تنتج قنبلة نووية. وتبدو هنا النقطة الرئيسة التي سوف تتمحور حولها المفاوضات اليوم. فالوفد الأميركي سوف يحاول دفع طهران الى اتخاذ قرار نهائي بالتخلي عن إنتاج السلاح النووي، بينما يسعى الجانب الإيراني الى الاحتفاظ بحريته في الانتقال من تطوير برنامجه النووي السلمي الى العمل على إنتاج القنبلة.
تستهلك هذه المفاوضات الجانب الأبرز من اهتمام واشنطن وطهران، ومن المرجح الا تنتهي بسرعة وهذا ما يفسح المجال امام تهدئة لغة الحرب والمجابهات العسكرية بين الجانبين. وإذ تتزامن هذه التهدئة مع تراجع في احتمال لجوء واشنطن إلى الخيار العسكري في التعامل مع دمشق، تتزايد الأحاديث حول تسوية شاملة بين واشنطن، من جهة، وبين ايران وحلفائها الإقليميين يجري في إطارها تفكيك الألغام التي تهدد مصالح الجانبين. وتصل هذه الأحاديث الى حدود التكهن بتحويل تجربة الكوندومينيوم العراقي الى نموذج يطبق في المنطقة بحيث تتعاون واشنطن وطهران على تدبر أمورها.
من الطبيعي ان تثير هذه الاحتمالات القلق في الأوساط العربية التي تخشى ان تتم «الصفقة» الأميركية-الإيرانية على حسابها. والحقيقة ان لهذا القلق، في حسابات العلاقات الإقليمية والدولية، ما يبرره. ولا يزيل

هذه المبررات ولا يقلل منها ان تنجح واشنطن في إقناع طهران - على صعوبة ذلك - بالتخلي عن التسلح النووي. فقوة ايران وصعودها الإقليمي لا يتوقفان على امتلاكها السلاح النووي. ان السلاح التقليدي وحده يكفي ايران لكي تمارس نفوذاً واسعاً في الدول المجاورة لها بخاصة في ظل الاختلال في موازين القوى بين الدول العربية والدول والكيانات غير العربية في المنطقة. فضلاً عن ذلك فإن ايران تستطيع الاعتماد على طاقاتها الاقتصادية وعلى «القوة الناعمة» وغير الناعمة أحياناً كي تعزز نفوذها في دول الجوار، وتدعم تدخلها في هذه الدول اذا ما رأت حاجة الى مثل هذا التدخل.
تأخذ بعض الأوساط العربية على واشنطن انها، لفرط تركيزها على السلاح النووي الإيراني النووي، تتجاهل ما يمثله الصعود الإيراني من تحديات إقليمية حتى ولو لم تمتلك طهران السلاح النووي. ويتجه بعض الناقدين لسياسة واشنطن الى تحميل إدارة اوباما، بصورة خاصة، مسؤولية هذا التجاهل. وبالمقارنة بين إدارة اوباما وبين الإدارات التي قادها الحزب الجمهوري، يرى هؤلاء النقاد ان الجمهوريين لم يترددوا في دخول الحرب عندما تعرضت مصالح الأصدقاء والحلفاء الى الأخطار. فإذا صحت هذه الانتقادات والمقارنات، هل يعني ذلك أن عودة الجمهوريين الى البيت الأبيض وإلى حكم الولايات المتحدة سوف تساعد على احتواء التحدي الإيراني؟
من الأرجح ألا تتحقق مثل هذه التوقعات لأكثر من سبب. ولعل اهم الأسباب هو انتشار النزعة السلامية في العالم الأطلسي. ففي الولايات المتحدة كان الانطباع ان هذه النزعة منتشرة في الحزب الديموقراطي وحده مما فسر فوز باراك اوباما، المعارض لحرب العراق، بزعامة الحزب وبالرئاسة الأميركية. الأهم من ذلك ان هذه النزعة اخترقت الحزب الجمهوري نفسه واجتذبت بعض وجوهه البارزة مثل راند بول المتأثر بالأفكار الليبرتارية التي تدعو الى التقليل من نشر القواعد الأميركية في الخارج ومن التدخل في الدول الأخرى، وساره بالين التي انحازت الى صف الجمهوريين «الانعزاليين» الذين يريدون تقليص دور الولايات المتحدة في الخارج بحيث قالت تعقيباً على الدعوة الى التدخل في المنطقة العربية، «دعوا الله يتكفل
بأمورهم» (أي العرب). فضلاً عن هذا وذاك نلاحظ الآن ان هذه النزعة انتشرت على نطاق واسع تجاوز الحزبين الرئيسين حيث فاقت نسبة معارضي التدخل في سورية السبعين بالمئة من الأميركيين.
وهذه الظاهرة المستجدة في الولايات المتحدة تبدو أعمق جذوراً وأكثر انتشاراً في أوروبا. ان الحكومات الأوروبية قد تدعو الى اتخاذ تدابير قاسية ضد الخصوم وضد من تعتبره خارجاً عن الشرعية الدولية، ولكنها تتردد كثيراً في اتخاذ اي عمل من شأنه ان يزج بقواتها المسلحة خارج بلادها وفي التزامات بعيدة المدى. وبين دول اوروبا، فإن ألمانيا هي الأكثر قدرة، اقتصادياً على الأقل، على انتهاج سياسة التدخل في الخارج. ولكن المستشارة الألمانية انغيلا ميركل أعلنت بصورة غير قابلة للشك أنها ضد تدخل بلادها في النزاعات الخارجية.
يقارن بعضهم بين النزعة السلامية المنتشرة اليوم في العالم الأطلسي، من جهة، وبين النزعة المشابهة التي انتشرت على النطاق ألأطلسي في مرحلة ما بين الحربين العالميتين. تعبيراً عن هذه النزعة وتأطيراً لها أسس المنتصرون عصبة الأمم، وإلى جانب العصبة تأسست العديد من المنظمات الدولية المدنية التي سعت الى نبذ الحروب مثل «الرابطة الأممية لمعارضي الحرب». ان هذه المقارنة تدل على أن النزعة كانت عميقة في أوروبا والولايات المتحدة التي لم تدخل الحرب الا بعد ان تعرضت الى عدوان مباشر، وأن تلك النزعة استمرت زمناً قبل ان تنفجر الحرب عام 1939. هل يعني ذلك ان عزوف واشنطن عن احتواء طهران قد لا يستمر الى ما لا نهاية وأن الظروف قد تتغير بحيث تلجأ واشنطن الى استبدال سياستها تجاه المنطقة العربية؟
ان هذا التحول وارد طالما انه لا شيء مستحيلاً او مستبعداً في السياسة الدولية. ولكن أخذاً في الاعتبار المعطيات المشار إليها أعلاة، فمن الأرجح ان تستمر السياسة الأميركية على حالها فترة غير قصيرة. ومن الأرجح ألا يحدث تبديل جذري في هذه السياسة إذا فاز الحزب الجمهوري أو إذا فاز ديموقراطيون محافظون بالرئاسة الأميركية في المستقبل. هذا يعني ان الأسباب التي تدعو بعض الأوساط العربية الى نقد السياسة الأميركية تجاه المنطقة سوف تستمر، فهل هناك من سبيل إلى معالجة المخاوف التي تثيرها هذه السياسة؟
ان السبيل الأفضل الى معالجة هذه المخاوف هو ضمان حماية المنطقة وتعزيز امنها وسلامتها من طريق تمتين التعاون بين دولها وبناء منظومة أمنية عربية. كان المأمول أن يتحول مجلس السلم والأمن العربي الى نواة لهذه المنظومة، ولكن هذا المجلس الذي تأسس كي يلعب دوراً مهماً في حل الإشكاليات الأمنية بين الدول العربية ولكي يستبق الصراعات العربية سقط ضحية هذه الصراع عندما أعلنت الأمانة العامة للجامعة قبل ثلاث سنوات ان المجلس لن ينعقد حيث ان جدول أعمال وزراء الخارجية العرب «مزدحم بالبنود والمهمات» وأنهم بالتالي لا وقت لديهم للسلم والأمن العربيين.
وإلى أن يقيض لوزراء الخارجية العرب الوقت الكافي للاهتمام بهذه القضايا، فإن المنطقة سوف تبقى عرضة للتحديات والأخطار، وعلاقاتها مع الجيران سوف تبقى في مهب الرياح.

نقلا عن صحيفة الحياة