رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

صالح القلاب يكتب "لعبة أمم جديدة" تربحها إيران وروسيا الاتحادية!

جولة عربية

الخميس, 03 أكتوبر 2013 15:22
صالح القلاب يكتب لعبة أمم جديدة تربحها إيران وروسيا الاتحادية!صالح القلاب


هناك مؤشرات واضحة على أن هذه المنطقة (الشرق الأوسط) بدأت تعيش «لعبة أمم جديدة» تشبه إلى حد ما لعبة الأمم القديمة، التي ضمنها ضابط الـ«سي آي إيه» الأميركي مايلز كوبلاند كتابا اختار هذا العنوان اسما له، وهذا لا علاقة له إطلاقا بمقال نشرته الـ«نيويورك تايمز» الأميركية في عدد يوم الأحد الماضي، تحدث فيه صاحبه عن تصورات وأوهام لا وجود ولا حقيقة لها على أرض الواقع، وهي مجرد تخيلات مبنية على افتراضات من نسج خيال لا صلة له بما في الدول العربية التي ذكرها، ولا فيه ولو الحد الأدنى من الصحة.

الآن وفي ضوء ما يجري في سوريا وفي العراق وفي السودان أيضا، وقبل هذا ما كان جرى في تونس ومصر وليبيا واليمن، وكذلك في ضوء هذا الصراع المحتدم أساسا بين الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية الذي تشارك فيه بعض دول الاتحاد الأوروبي الرئيسة ومعها الصين، فإن وضع الشرق الأوسط بكل دوله الرئيسة والثانوية فيه الكثير مما كانت عليه المنطقة في عقد خمسينات القرن الماضي وقبل ذلك، حيث كان الاستعمار القديم، بريطانيا وفرنسا، قد بدأ يحزم حقائبه للرحيل عن هذه المنطقة، وكان التنافس بين الاتحاد السوفياتي وأميركا قد وصل إلى ذروته لملء الفراغ ولوراثة الدول الراحلة والمغادرة والحلول محلها وجودا وهيمنة وسيطرة سياسية واقتصادية وكل شيء.
وكما هو عليه الوضع الآن فإن هذا الشرق الأوسط، الذي بقي على مدى تاريخ طويل ساحة تطاحن دولي بين الإمبراطوريات القديمة، قد عاش في القرن الماضي قبل الحرب العالمية الأولى وبعدها وقبل الحرب العالمية الثانية وبعدها أيضا مرحلة قلاقل وحروب ومؤامرات وانقلابات عسكرية؛ أولها انقلاب حسني الزعيم في سوريا في عام 1949، وقد أطلق عليها مايلز كوبلاند، الذي كان مديرا لمحطة الـ«سي آي إيه» في دمشق وكان دائم التنقل بين العاصمة السورية وبيروت والقاهرة، اسم «لعبة الأمم»، وحقيقة فإننا في هذه المنطقة غير المستقرة نواجه لعبة أمم جديدة.
والفرق بين لعبة الأمم القديمة، التي تحدث عنها مايلز كوبلاند في كتابه الذي يحمل هذا العنوان اسما ووصفها وصفا دقيقا على اعتبار أنه أحد لاعبي هذه اللعبة وأنه شاهد فعلي على تلك المرحلة من التاريخ، هو أن الولايات المتحدة أخذت تحل محل بريطانيا بالنسبة لوضعها في خمسينات القرن الماضي وفي أن مكانتها الدولية بدأت في الاضمحلال والتراجع، وأن روسيا الاتحادية بدأت تأخذ دور أميركا الذي كان صاعدا بعد الحرب العالمية

الثانية والذي بلغ ذروة صعوده في عام 1956 عندما اتخذ دوايت أيزنهاور ذلك الموقف الشجاع، الذي يحتاج بعضا منه الآن باراك أوباما، بإحباط العدوان الثلاثي، الإسرائيلي - الفرنسي - البريطاني، الذي كان عنوانه: أولا إسقاط نظام الرئيس جمال عبد الناصر، وثانيا احتلال قناة السويس والسيطرة على هذا الممر الدولي المهم الذي يربط منابع النفط بالغرب الأوروبي والذي يشكل ضرورة قصوى للأساطيل البحرية المتنقلة بين البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر وبحر العرب وصولا إلى مضيق هرمز في ثغر الخليج العربي.
كانت الولايات المتحدة الخارجة من الانتصار الذي حققته في الحرب العالمية الثانية، والذي من دونها ما كان يمكن تحقيقه، بحاجة إلى كنس الاستعمار القديم من هذا الشرق الأوسط، الذي بسبب «النفط» وبسبب موقعه وممراته المائية، قد ازدادت أهميته الاستراتيجية، وهذا استدعى إجراء ترتيبات جديدة فيه ليبقى بعيدا عن تأثيرات ونفوذ الاتحاد السوفياتي الذي كان بدوره يسعى للوصول إلى المياه الدافئة وليكون له أكثر من موطئ قدم في هذه المنطقة الاستراتيجية المهمة.
في عام 1949 فاجأت بريطانيا الولايات المتحدة بأنها تنوي الانسحاب انسحابا نهائيا من تركيا واليونان، وهذا دفع واشنطن، تحت ضغط مخاوفها من أن يبادر الاتحاد السوفياتي إلى ملء الفراغ، إلى الإسراع للهيمنة على سوريا ذات الموقع الاستراتيجي في ذلك الحين والآن، فكان انقلاب حسني الزعيم الشهير في هذا العام المشار إليه آنفا، وكانت سلسلة الانقلابات العسكرية التي تلاحقت منذ نهايات أربعينات القرن الماضي وحتى انقلاب حافظ الأسد «الحركة التصحيحية» في عام 1970 الذي ساد انطباع في ذلك الحين بأنه أخذ سوريا نحو الغرب والولايات المتحدة ونحو منظومة الدول العربية المعتدلة، بينما هي (أي سوريا) كانت قبل ذلك وبخاصة منذ الثالث والعشرين من فبراير (شباط) عام 1966 تحت حكم المجموعة الأكثر نزقا يساريا وثوريا، وتعد نقطة ارتكاز متقدمة للنفوذ العسكري والسياسي للاتحاد السوفياتي وللصين (الشعبية) أيضا في هذه المنطقة الشرق أوسطية الملتهبة.
كانت هذه المنطقة في خمسينات وستينات القرن الماضي وسبعيناته أيضا ساحة تصفية حسابات بين اللاعبين الكبار في العالم، وهؤلاء هم بالأساس الاتحاد السوفياتي من
جهة والولايات المتحدة من جهة أخرى، وكانت تصفية الحسابات هذه التي أطلق عليها مايلز كوبلاند اسم «لعبة الأمم» قد أزالت أنظمة سابقة وأقامت مكانها أنظمة جديدة، وكانت في إطارها قد جرت كل تلك الانقلابات العسكرية التي تلاحقت في سوريا وفي العراق وفي اليمن وفي السودان، وأيضا كل القلاقل ومحاولات الانقلابات العسكرية التي شهدتها دول عربية أخرى.
ولهذا فقد اضطرت الولايات المتحدة إلى التدخل المباشر لتغيير أنظمة وإضعاف بعض الأنظمة الأخرى، وقد أسهمت في إلحاق الهزيمة بالاتحاد السوفياتي في أفغانستان، كما كان الاتحاد السوفياتي قد أسهم في إلحاق تلك الهزيمة التاريخية بها في فيتنام، وهكذا، إلى أن انهار الاتحاد السوفياتي في بدايات تسعينات القرن الماضي وانهارت معه المنظومة الاشتراكية وفقدت روسيا أوروبا الشرقية كلها، كما فقدت بعض الجمهوريات الإسلامية في آسيا الصغرى، وبالتالي فقدت نفوذها السابق في المعادلة الدولية كلها، وأصبح تأثيرها محدودا في مجلس الأمن الدولي وفي الأمم المتحدة وفي كل التكتلات العالمية المؤثرة.
لكن فشل الولايات المتحدة في أفغانستان، وفشلها اللاحق في العراق، وفشلها الذريع بأن أصبحت «إدارتها» هذه الإدارة المترددة والضعيفة التي على رأسها باراك أوباما، قد أفسح المجال لروسيا بقيادتها «القيصرية» الجديدة إلى استغلال هذا الضعف الأميركي الذي انعكس على دول الاتحاد الأوروبي كلها، الرئيسة والثانوية، والتحرك بسرعة لقطف ثمار هذه المرحلة التاريخية باستغلال الأزمة السورية حتى النخاع الشوكي، كما يقال، والتحالف مع الصين ومع إيران وفرض نفسها على المعادلة الدولية كلها وبكل قوة، وكل هذا مقابل تراجع الأميركيين المخزي والمزري الذي ترافق مع إظهار رغبتهم في الانكماش والعودة إلى سياسة ما وراء البحار ومغادرة الساحة الدولية نهائيا والانشغال بشؤونهم الداخلية الاقتصادية وغير الاقتصادية.
وهكذا فإن كل هذا يعني حقيقة وفعلا أن هناك لعبة أمم جديدة، وأن المنتصر فيها حتى الآن هو روسيا الاتحادية التي سجلت لمصلحتها في صراع الأزمة السورية، حتى الآن أيضا، نقاطا كثيرة، وذلك في حين أن الولايات المتحدة اتخذت وضع بريطانيا في لعبة الأمم القديمة، وهذا يعني أنها قد تخرج قريبا من هذه المنطقة الاستراتيجية نهائيا إن لم تبادر إلى وقفة شجاعة وسريعة مع الذات وإن لم يُعْطَ الرئيس باراك أوباما حقنة «شجاعة» منشطة قبل فوات الأوان تجعله يلتقط أنفاسه ويستبدل بكل هذا التردد وكل هذه الميوعة مواقف تنسجم مع مصالح بلد لا يزال له الكثير من المصالح المهمة في هذه المنطقة الشرق أوسطية.
إن على الذين يصنعون السياسات الأميركية الاستراتيجية أن يدركوا أنه إذا بقي بشار الأسد في موقعه لولاية جديدة، مدتها ستة أعوام بداية من يوليو (تموز) العام المقبل، فإن الإيرانيين الذين «يتمسكنون» الآن سوف يفرضون مشروعهم التمددي على هذه المنطقة كلها، وربما سوف يمتلكون السلاح النووي الذي سيبقون يعملون جاهدين للحصول عليه، وبالتالي فإن روسيا ستسترد مكانة الاتحاد السوفياتي وفوق هذا مكانة روسيا القيصرية، وعندها فإن لعبة الأمم ستستمر، وهذه اللعبة ستشمل بعض حلفاء أميركا في هذا الشرق الأوسط الذي من المؤكد أنه سيبقى يحتفظ بأهميته السابقة والحالية ولسنوات طويلة.
نقلا عن صحيفة الشرق الاوسط