رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

نبيل عمر يكتب : القتل بين المتعة والغضب

جولة عربية

الثلاثاء, 01 أكتوبر 2013 15:49
نبيل عمر يكتب :   القتل بين المتعة  والغضبنبيل عمر

 

لا ينمحي من عقلي أبداً حوار مذهل في مشهد سينمائي بديع من فيلم" 8 ملليمتر" للمخرج جويل شوماخر، حين أمسك المحقق الخاص "توم ويليس" الذي لعب دوره النجم "نيكولاس كيدج" بالقاتل الشرس، ونظر إلى عينيه الفارغتين متسائلاً عن أسباب فتكه بضحاياه من الفتيات وهو يغتصبهن، فقال له القاتل وابتسامة سُخرية على شفتيه: لم تضربني أمي صغيراً، ولم تحبسني في الدولاب لتلتقي بعشيقها، أنا أتلذذ بصراخ الضحايا وأحب رؤية الدم! كان هذا هو مشهد النهاية، ليخرج المتفرج من صالة العرض حائراً في فهم الطبيعة البشرية.

ومنذ وقوع جريمة "آرون اليكسيس" بإطلاق النار عشوائياً في مقر البحرية الأميركية في واشنطن وقتله 13 أمريكياً، ومذبحة المركز التجاري في كينيا على يد جماعة جهادية صومالية وراح ضحيتها 60 قتيلا، لا تكف وسائل الإعلام عن البحث والتنقيب عن الأسباب والدوافع، لكنها تفعل ذلك وهي متأرجحة بين الاستهجان الحاد والاستغراب الساذج، كما لو أن العالم صحا فجأة على العنف في حياته، فوجده أرقا وقلقا ومخاوف وشيطانا يهدد أمن الناس في أربعة أرجاء المعمورة.
وعموما لا يخلو مجتمع من جرائم " قتل جماعي"، صحيح أن العنف مثل أي كائن يعيش وينمو إذا توافرت له بيئة فاسدة وأسباب دائمة، وعلى العكس يخبو ويتقلص ويعيش على التنفس الصناعي لو حرمناه من هذه البيئة، لكنه لا يموت أبداً، لأن العنف جزء من طبيعة البشر. فمَن علّم قابيل أن يقتل أخاه دون أن يري دشا أو أفلام رعب أو بلطجة أو غلاء

معيشة أو عقداً نفسية أو تحريضاً من أصدقاء السوء؟!
ويقول عالم النفس الأميركي الشهير ماسلو، إن أخطر الضغوط على الإنسان هو ما يمثل تهديدا لتلبية حاجاته الأساسية خاصة البيولوجية؛ الطعام والشراب والمأوى والجنس، وإذا تعرضت لخطر حقيقي قد يتحول الإنسان إلى وحش لا يأبه بقوانين وأعراف المجتمع.
لكن بالطبع ثمة أسباب خاصة بكل مجتمع، وتفسير ذاتي يتعلق ببنيته وعلاقاته وثقافته ونظامه السياسي وهياكله الاقتصادية ودور العدالة الاجتماعية فيه.. وعموما هذا النوع من القتل الجماعي ليس شائعا في المجتمعات العربية بنفس الدرجة التي عليها في المجتمع الأميركي مثلًا، ولا يعني هذا أننا براء منه، ولو راجعنا ملفاتنا في السنوات الأخيرة سنعثر بالقطع على جرائم قتل جماعي متزايدة، كما حدث في مصر في مذبحة استاد بورسعيد التي قتل فيها 72 مشجعا كرويا، وكما يحدث في سوريا والعراق ولبنان، بأشكال وأسباب مختلفة.
وعموما.. أي عملية قتل جماعي هي حالة فريدة، خاصة بصاحبها وظروفه النفسية والعصبية والاجتماعية ودوافعه.
وإذا عدنا إلى أكبر مذبحة في تاريخ الولايات المتحدة، على سبيل المثال، فسنجد أنها حدثت في عام 1927، ونفذها أندرو كاهو، لأسباب تبدو غير منطقية.. فأندرو كان عضواً في مجلس إدارة مدرسة باث في مدينة ميتشغان، وانتابته حالة غضب عارم من قانون أصدرته الولاية، يفرض ضريبة مبان لتمويل
إنشاءات جديدة في المدرسة، فأخذ قنبلة معه إلى المدرسة في صباح اليوم التالي وفجرها وسط الطلبة والمدرسين والإدارة، فقتل 45 شخصا هو منهم بالطبع و أصاب 58 آخرين.
منتهى الجنون ومنتهى العبث، في وقت لم تكن حرب فيتنام قد اشتعلت، ولا سمع العالم عن مذابحها، ولا أخذت أفلام العنف هذا الحيز من الدموية والشيوع. أي تبدو جريمة بلا دوافع شخصية ضاغطة، مثل الجرائم التي يرتكبها أشخاص يتصورون أنفسهم ملائكة منتقمين، فيتلبسهم دور المخلص الذي سينقذ البشرية من الشر والضلال والظلم، أو مبعوث السماء لإنزال العقاب بكل من خانوا عهد الله وأغرقوا أنفسهم في الرذيلة، فيقتلون فتيات ليل أو سيدات منحرفات، باسم الدفاع عن الفضيلة! وقد أنتجت السينما عشرات الأفلام بعضها واقعي تماما مثل سفاح بوسطن وقاتل تكساس، وبعضها فانتازيا من الواقع مثل فيلم "7" أو "سڤن" الذي لعب بطولته مورغان فريمان وبراد بيت، وظلا يطاردان قاتلاً من هذا النوع دون جدوى.. وهذه حالة بغضاء مصحوبة بتطرف ديني!
والسؤال الذي يفرض نفسه: هل ثمة سمات مشتركة بين القتلة تفيدنا في التفسير؟!
علماء الجريمة يقولون إن بعض الناس يحملون جينات غير طبيعية، وعندما يكبرون يصبحون خطراً شديداً على المجتمع، لكن ليس جميعهم من مرتكبي العنف، وأيضا هناك من يعانون نشاطا مفرطا في بعض أنحاء المخ، وهم يميلون إلى الجرائم العنيفة لكن البعض لا يفعلها. وليست هناك قاعدة صارمة تحدد كيف يتحول المضطرب جينياً أو صاحب النشاط الكبير في دماغه إلى العنف ضد الآخرين، لكن من المؤكد أنه يحتاج إلى عناصر تتراكم وتزيد من فرص طفو العنيف المخبوء في الأعماق.
وعموما.. يمكن وصف مرتكبي عمليات القتل الجماعي بأنهم تعساء ومجروحون عاطفياً، ومكتئبون ومنعزلون ومصابون بجنون الشك والارتياب، ويظنون أن العالم بأسره ضدهم!
لكن يبقى سؤال صعب في عملية قتل قابيل لأخيه هابيل؛ من أين أتاه الاضطراب في الجينات؟! وهل كان تعيساً وحيداً؟!
نقلا عن صحيفة البيان