رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

سليمان جودة يكتب : روحاني الذي يحب السلام

جولة عربية

الاثنين, 30 سبتمبر 2013 13:26
سليمان جودة يكتب : روحاني الذي يحب السلام

نقلت «الشرق الأوسط» يوم الأربعاء الماضي، عن الرئيس الإيراني حسن روحاني، أنه قال قبل مغادرة طهران إلى نيويورك لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، ما يلي: سنقدم وجه إيران الحقيقي المحب للسلام.

والحقيقة، أن هذه ليست المرة الأولى التي يبدي فيها روحاني، هذا المعنى، في تصريحاته، فقد قالها منذ أن صار رئيسا، ولا يزال يقولها كلما جاءته فرصة مناسبة للكلام.

والحقيقة أيضا، أن أي متأمل لعبارة الرجل، سوف يكتشف أن الرئيس الإيراني يبدو خلالها، وكأنه يقول، إن هناك وجها آخر، غير حقيقي لإيران، وغير محب للسلام بالتالي، وإنه، أي ذلك الوجه القديم، لم يكن وجه بلاده الذي يجب أن تخرج به على العالم.

ولن يكون متأمل الكلام، في حاجة إلى جهد كبير، لكي يدرك، أن المقصود بالوجه القديم، هو ما كان يفعله ويقدمه الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، على مدى ثماني سنوات قضاها في الحكم.

وسوف يكون علينا، عند هذه النقطة، أن ننتقل إلى نقطة أخرى وراءها، لنسأل بصدق، عما إذا كان وجه نجاد الذي عرفناه به، هو وجهه فعلا، أم أنه وجه المرشد علي خامنئي؟!

وبمعنى آخر.. هل كان نجاد يمارس سياسة وضعها هو، من دماغه، أم أنه كان ينفذ خطوطا عريضة أقرها واعتمدها مرشد الثورة الإيرانية؟!.. وبمعنى ثالث أوضح: من بالضبط يحكم في طهران.. المرشد أم الرئيس؟! ثم ما هي المساحة المسموح فيها بالحركة لرئيس الدولة، أيا كان اسمه، وأيا كان توجهه؟!

هي كلها أسئلة بلا جواب واضح، ولا بد أن يُجاب عنها، بأمانة، حتى نستطيع عندها، أن نرى ما إذا كانت هذه العبارة التي أطلقها روحاني، وهو في طريقه

إلى نيويورك، مجرد شعار مرفوع، أم أنها تنطوي على مضمون حقيقي ومختلف؟!

إذا سُئلت عن رأيي، فسوف أقول إن روحاني، إلى الآن، لا يختلف عن نجاد في شيء، لسببين أساسيين، أولهما أن رئيسهما واحد، وهو المرشد، وما لم يتغير الأصل، فلن يطرأ شيء على الفرع، فخامئني الذي عرفناه أيام نجاد، هو نفسه الذي نراه في هذه الأيام، وليس هناك شيء تغير في جوهر أفكاره، بحيث ينعكس بدوره، على رئيس البلاد، وأما السبب الثاني فهو أن الأمر الفاصل في سياسة الدول، ليس بما تقول، ولكن بما تفعل، فإذا ذهبنا لنفتش في أفعال روحاني، منذ تولي المسؤولية، عما يسعف كلامه، ويجعل له رصيدا على الأرض، فلن نجد شيئا له قيمة.

وربما يسأل سائل هنا، عن نوع أو شكل هذا الفعل، الذي ننتظره منه، لنصدق كلامه عن وجه إيران الحقيقي المحب للسلام، فسوف أقول على الفور، إنه كان في حاجة، قبل أن يطلق عبارته هذه، إلى أن يعلن أن بلاده قررت أن تكف يدها عن دعم الرئيس السوري ضد شعبه، وعن الزج بحزب الله ليكون طرفا في الصراع الدائر في سوريا، وليبق حركة مقاومة خالصة ضد إسرائيل، وعن ممارسة العبث على أرض اليمن، وعن إثارة الشغب على أرض البحرين، وعن.. وعن.. إلى آخر ما تمارسه إيران في المنطقة ويبدو مكشوفا، وعاريا، أمام كل ذي عينين.

لو أن هذا حدث، من جانبه، كرئيس إيراني جديد، يرغب في أن يؤسس لمسار سياسي جديد في عاصمة بلاده، لكان علينا، عندئذ، أن نصدقه فيما يقول عن وجه إيران المختلف الذي يحمله، ويبشر به، ويطرح نفسه من خلاله.

وبما أنه لم يسوق، منذ جاء، سوى الكلام المنمق، فإن تصديقه من جانب سامعيه، يبدو صعبا للغاية، ثم يبدو لنا ما هو أهم، وهو أننا في غياب فعل مختلف من روحاني، سوف نكتشف إذا طال هذا الغياب، أننا بالكاد أمام رئيس مضى، كان يتجهم وهو يعرض سياسة بلاده، ثم رئيس حضر، يبتسم باتساع وجهه، وهو يعرض السياسة نفسها!.

وإذا كان أوباما قد قال وهو يخطب أمام الجمعية العامة، إنه اعتمد الدبلوماسية طريقا في التعامل مع إيران، وإنه كلف وزير خارجيته كيري للتفاوض معها، حتى آخر الطريق، فلا يملك أي عاقل يسمع هذه النغمة إلا أن يتساءل: تفاوض على ماذا، ومن أجل ماذا؟!

إنني أريد أن أنعش الذاكرة في هذا المقام، بحكاية امرأة اسمها «دنلوب» في الأساطير اليونانية القديمة، فقد كان الذين يخطبون ودها، ويريدون الزواج بها، كثيرين، ولم تكن ترغب في أي واحد فيهم، وكانت تريد أن تصرفهم عن طريقها بإحسان، فلجأت إلى حيلة ظريفة.. كانت حيلتها أنها جاءت بثوب تنسجه، وكان كلما طرق بابها عريس جديد أفهمته أنها سوف تقبل به، حين تفرغ من نسج الثوب الذي في يدها، وكانت تفك ليلا، ما تنسجه نهارا.. وهكذا.. كان عليهم أن ينتظروا للأبد، وكانت هي، في الوقت نفسه، تفعل ما تفعله انتظارا لعريس آخر تماما، تعرفه، وتريده، وتنتظره!

هذا، فيما يظهر، ما تطبقه طهران، وهذا أيضا ما تعرف واشنطن أن تفاوضها مع إيران، لن يصل إلا إليه، ولذلك، فليس علينا أن ننخدع بكلام يقال، وأن نتطلع دوما إلى المرشد، لا إلى الرئيس، لأن الثاني ينفذ مشيئة الأول، وهي مشيئة لا تزال على حالها أيام نجاد لم تتغير!.

الرهان يكون دائما على صاحب السياسة، لا على منفذها، وهو ما يجب أن يفهمه الساسة في إيران، إذا ما خاطبوا العالم من حولهم.