رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

محمد السعيد إدريس يكتب: الاغتيالات السياسية ومأزق “الإخوان”

جولة عربية

الجمعة, 02 أغسطس 2013 13:33
محمد السعيد إدريس يكتب: الاغتيالات السياسية ومأزق “الإخوان” محمد السعيد إدريس
بقلم: محمد السعيد إدريس

شغل البعض، ممن يعتقدون أن تنظيم الإخوان المسلمين تعرض في الأسابيع الأخيرة لضربات قاصمة موجعة، وأن الإخوان مجبرون على البحث عن أفضل الخيارات للخروج من المأزق الذي هم فيه الآن، ولكن الإخوان، أو أبرز قياداتهم يعتقدون أن المعركة لم تحسم بعد، وأن عليهم الآن تحسين ظروف تفاوض سيفرض عليهم حتماً وذلك باللجوء إلى العديد من التكتيكات والمبادرات المتلاحقة التي بدأت تظهر على السطح .

من أهم وأبرز هذه التكتيكات محاولة كسب مزيد من الأرض في منطقتي التواجد الأساسيتين بالقاهرة الكبرى في ميدان رابعة العدوية “هي مدينة نصر بالقاهرة” وفي ميدان نهضة مصر “محيط جامعة القاهرة- بالجيزة” وذلك بالتمدد في كل الاتجاهات والشوارع المطلة على الميدانين ومحاولة السيطرة على أية مؤسسات عسكرية أو حكومية تقع في نطاق هذه المناطق . أعمال الشغب والعنف التي وقعت الأسبوع الماضي بين ميليشيات الإخوان وقوات الأمن كان هدفها مزدوجاً . الأول هو توسيع مناطق النفوذ والسيطرة من أجل تقوية أوراق المساومة، والثاني تعمد الصدام الدموي وتعمد وقوع ضحايا للمتاجرة بهم إعلامياً عربياً ودولياً بهدف استدعاء التدخل الخارجي وتدويل الأزمة بعد أن فشل مسعاهم لفرض الخيار السوري إلى الأزمة المصرية عن طريق إحداث انشقاق ولو صوري في صفوف الجيش المصري . رفض تسليم المصابين إلا بعد تصويرهم ما أدى إلى وفاة كثير منهم من دون أن يمثل ذلك أي ضرر أو اهتزاز ضمير عند من يقودونهم، وجاهزية مصوري قناة الجزيرة لتصوير مشاهد الصدام على الهواء مباشرة وتوزيع المشاهد على قنوات تلفزيونية عالمية مستخدمة السيارتين التابعتين للتلفزيون المصري اللتين جرى السطو عليهما من ميليشيات الإخوان لهذا الغرض يؤكد جدية هذا الاستنتاج .

أما أبرز المبادرات فقد تمثلت في مبادرة حملت اسم مبادرة المسار الديمقراطي في مواجهة الانقلاب العسكري، التي عرضت في مؤتمر صحفي عقده عدد من الكتاب والمثقفين المصريين المحسوبين على تيار الإسلام السياسي في مقدمتهم المستشار طارق البشرى والدكتور محمد عمارة والكاتب الصحفي فهمي هويدي والدكتور سيف الدين عبدالفتاح وغيرهم، وتولى تلاوة هذه المبادرة المحامي الدكتور محمد سليم العوا . هذه المبادرة دعت إلى إلغاء أي وجود لخريطة الطريق التي طرحها القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول عبدالفتاح السيسي مساء الثالث من يوليو/تموز التي تضمنت عزل الرئيس السابق محمد مرسي وتجميد العمل بدستور عام 2012 وتعيين رئيس المحكمة الدستورية العليا رئيساً مؤقتاً وتشكيل حكومة كفاءات ولجنة وطنية وطنية لتعديل الدستور ثم إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية جديدة خلال مرحلة انتقالية تمتد مابين ستة وثمانية شهور . مبادرة سليم العوا ورفاقه أكدت إلغاء أي وجود

لخريطة الطريق هذه التي استفتي عليها الشعب المصري استفتاء مباشراً في الميادين لحظة إعلانها بأغلبية وصلت إلى 35 مليون مصري كحد أدنى في حين أن مجمل القوة التصويتية للشعب المصري لا تزيد كثيراً على 50 مليون صوت من إجمالي عدد المصريين البالغ الآن مايقرب من 83 مليوناً .

لم تكتف مبادرة العوا بذلك لكنها طالبت بعودة الرئيس المعزول إلى موقعه الرئيس، علما بأن من أعدوا هذه المبادرة وتحمسوا وروجوا لها على علم كامل بأن الرئيس المعزول تقرر حبسه 15 يوماً على ذمة التحقيق في القضايا المنسوبة إليه ومطلوب نقله من مكان تواجده إلى سجن طرة، وطالبوا بأن يقوم الرئيس بتفويض رئيس وزراء توافقي “أي رئيس وزراء جديد غير الرئيس الحالي الدكتور حازم الببلاوي” بصلاحيات كاملة، والعودة للعمل بدستور 2012 المجمد، وأن تشرف الحكومة على انتخاب مجلس النواب خلال ستين يوماً “مايعني عودة مباشرة لمجلس الشورى الذي جرى حله طبقاً لخريطة الطريق التي ارتضاها الشعب” وبعد تشكيل مجلس النواب يتم تشكيل حكومة دائمة “وفقاً لنتائج انتخابات مجلس النواب” وبعدها تتم الدعوة إلى انتخابات رئاسية مبكرة، مايعني الإصرار على التعامل مع كل ما حدث من حراك ثوري وتفجير ثورة تصحيحية جديدة يوم 30 يونيو/حزيران لثورة 25 يناير/كانون الثاني باعتباره انقلاباً عسكرياً يجب إسقاطه تماماً، وهذا ما أكده المستشار طارق البشرى بقوله “إن إرادة الانقلاب العسكري لابد أن تنكسر” وإن العودة إلى دستور 2012 هي الأساس للخروج من المأزق الحالي .

هذه المبادرة وتلك التحركات توحي بأنها ليست لمجرد تحسين شروط التفاوض، ولا تتضمن أي معنى لمراجعة حقيقية لدور وأداء جماعة الإخوان، لكن الأهم هو أنه إذا كان أمام الإخوان الآن ثلاثة خيارات أو مسارات للمستقبل بعد نكبتهم الحالية في مصر التي أخذت تمتد إلى فروع التنظيم في دول عربية أخرى خاصة في تونس وليبيا وحتماً ستصل إلى الأردن وسوريا ومنها إلى تركيا، فإنهم أقرب إلى التمسك بأسوأ هذه الخيارات أو السيناريوهات وهو “خيار الثبات في المكان” من دون تدبر خياري التراجع للخلف أو التقدم للأمام . التراجع للخلف من خلال التراجع والاعتراف بالخطأ وانحسار الدور والعودة اختيارياً إلى الدور الدعوي دون السياسي، أما التقدم للأمام فيكون عبر طرح رؤى جديدة

للمشاركة السياسية عن طريق حل الجماعة والتحول إلى حزب سياسي يخضع لشروط القوانين التي تنظم تأسيس وعمل الأحزاب السياسية .

هذا النوع من التفكير هو الذي يدفع وسيدفع الإخوان إلى مزيد من ارتكاب الجرائم، جرائم القتل والخطف والتعذيب حتى الموت وإلقاء الجثث خارج مناطق التمركز في ميداني رابعة العدوية والنهضة، لكن ما هو أسوأ من ذلك هو انتشار عدوى القتل والتعذيب إلى فروع الإخوان خارج مصر، واللجوء إلى الاستقواء بالخارج واستدعاء التدخل الخارجي في تجربة شبيهة بما حدث من مشاركة للإخوان في جريمة استدعاء التدخل الأمريكي- البريطاني في العراق، واستجداء التدخل العسكري الخارجي في سوريا، ما يجعلهم أدوات وعملاء لأعداء الوطن في الخارج من دون اهتمام أو اكتراث لما تعنيه الوطنية الحقة والدفاع عن حرمة الأوطان واستقلالها وكرامتها .

زيارة كاثرين آشتون مفوضة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي وقبلها زيارة ويليام بيرنز مساعد وزير الخارجية الأمريكي لمصر والحرص على لقاء قادة الإخوان والرئيس المعزول للمطالبة بالإفراج عنه، والتنديد باستخدام العنف ضد الإخوان، كلها مؤشرات دالة على خطيئة الإخوان في استدعاء التدخل الخارجي التي وصلت إلى ذروتها في الدعوة التي جاءت على لسان الشيخ يوسف القرضاوي الذي كاد يبكي وهو يتوسل كل العالم للتدخل في مصر لإنقاذ الإخوان من “بطش القتل والتنكيل” وكاد يوجّه دعوة إلى تشكيل “جبهة نصرة” جديدة في مصر على غرار جبهة النصرة في سوريا الذي كان العقل المدبر لها .

أما اللجوء إلى الاغتيالات السياسية لقادة معارضة في دول عربية على نحو ما حدث مؤخراً في تونس وليبيا فإنه مؤشر على “جنون الإخوان” وافتقاد تنظيمهم العالمي العقل الرشيد والحكمة في إدارة الأزمة والتعامل معها، لأن الاغتيالات السياسية التي وقعت في تونس وليبيا ضد قادة معارضة من جانب موالين لفروع التنظيم العالمي للإخوان في هذين البلدين فتحت أبواب جهنم أمام هذه الفروع وجددت الدعوة للثورة من أجل إسقاط نظام حكم الإخوان “حركة النهضة” في تونس وامتدت الدعوة ضد “حزب العدالة والبناء” الإخواني في ليبيا .

فاغتيال المناضل القومي الناصري محمد البراهمي أبرز مؤسسي “حركة الشعب” الناصرية في تونس، ومؤسس التيار الشعبي وعضو المجلس التأسيسي التونسي ب”طلقة نارية من قبل مسلحين على دراجة نارية في اغتيال مشابه وبسلاح مشابه لاغتيال المناضل اليساري شكري بلعيد في فبراير/شباط الماضي، دفع القوى الوطنية التونسية إلى التكتل خاصة التيار الشعبي وحزب الشعب “الناصري” وحركة تمرد والجبهة الشعبية والاتحاد من أجل تونس لتشكيل “جبهة إنقاذ وطني”، والدعوة إلى العصيان المدني وحل المجلس التأسيسي وتشكيل حكومة انقاذ وطني، واستكمال صياغة دستور ثوري في غضون ستة أشهر ما أدى بحركة النهضة إلى محاولة إلقاء التهمة على السلفيين التكفيريين ومحاولة الظهور أنها ضحية محاولات “ضرب العملية الديمقراطية”، في وقت بدت فيه تونس منقسمة عمودياً بين مؤيد ل”حركة النهضة” ومعارض لها في ظل شلل سببه الإضراب العام الذي دعا إليه الاتحاد العام التونسي للشغل احتجاجاً على اغتيال المناضل محمد البراهمي يوم الخميس 25 يوليو/تموز الماضي .

كما أدى اغتيال محام وناشط حقوقي وعدد من كبار الضباط في الجيش الليبي إلى مهاجمة متظاهرين فجر السبت الماضي مقر حزب العدالة والبناء الإخواني في مدينة بنغازي في مشهد يؤكد مدى عمق مأزق الإخوان وسياساتهم الانتحارية .
نقلا عن صحيفة الخليج