رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

سعد بن طفلة العجمي يكتب: لماذا اصطدم الإخوان بالشعب المصري؟

جولة عربية

الجمعة, 05 يوليو 2013 11:46
سعد بن طفلة العجمي يكتب: لماذا اصطدم الإخوان بالشعب المصري؟سعد بن طفلة العجمي
بقلم: سعد بن طفلة العجمي

كتبت قبل أكثر من سنة أتوقع أن يصطدم الإخوان المسلمون بالشعب المصري وأن تقوم ثورة ثانية تزيحهم، وكان رأيي أن الإخوان بعد وصولهم يقفون على مفترق طرق: إما أن يتحولوا لحزب سياسي مدني يحتوي الجميع ويقبل التعددية ويحترم الحريات العامة، وإما أن يمسك بكل زمام السلطة ويغير قواعد اللعبة ليمسك بتلابيبها منفردا ضمانا للاستمرار على عرش أكبر وأهم دولة عربية، وكنت أتوقع أن يتبنى الإخوان الخيار الثاني فيثور الشعب ضدهم ثانية- وهو ما جرى.

لكن- والحق يقال- لم أكن أتوقع أن يكون نهمهم للسلطة بهذه الدرجة، وكنت أظنهم أكثر حصافة وقدرة على تمديد فترة حكمهم قبل أن يكتشف الشعب المصري حقيقتهم ويثور عليهم بهذه السرعة.
لم يدرك الإخوان المسلمون وهم بنشوة انتصار انتخاب الشعب المصري لهم الحالة الثورية المستمرة التي لم تنطفئ جذوتها بانتخاب أول رئيس مصري في التاريخ، وعملوا بما كانوا يؤمنون به وهو باختصار: الديمقراطية وصندوق الانتخابات هو تفويض من الشعب لنا بسلطة مطلقة، وهو إيمان كافة القوى الدينية السياسية بإيران وعراق المالكي بل وحتى بتركيا التي حاول أردوغان "عثمنتها" فتراجع أمام ضغط جماهير "تقسيم".
فأزاح الإخوان أول من أزاحوا الطنطاوي الذي سلمهم السلطة، وأقالوا النائب العام، واصطدموا بمجلس الشعب حتى حله القضاء، ودخلوا في صراع مع القضاء، وحاولوا الانقضاض على مؤسسة الأزهر، ولاحقوا الإعلام المخالف لهم، واصطفوا مع المتطرفين، وأصدروا "فرمانات" الإعلان الدستوري الشمولي، وصاغوا دستورهم بانفراد إلغائي، وخوفوا المسيحيين، وتوعدوا القوميين واليسار والعلمانيين الذين نجحوا بأصواتهم ضد شفيق بنسبة بسيطة، وتجاهلوا مطالب الشباب، واستخدموا لغة وشعارات دينية تكفر من لا

يتفق معهم. وتخلى عنهم الجميع، بمن في ذلك حلفاوهم السلفيون الذين تخلوا عنهم بطريقة براجماتية في الساعات الأخيرة حين أدركوا أنهم غارقون لا محالة. باختصار، فقد استعدى الإخوان المسلمون كافة قطاعات الشعب ليخرج جميعا يوم 30 يونيو، وليجد الإخوان أنفسهم في مواجهة مصر بأكملها.
ورغم استعدائهم لكافة قطاعات الشعب المصري بنهجهم المحموم لأخونة الدولة، فهم لم يطرحوا رؤية اقتصادية لبلد يعاني من الفقر والبطالة وعلى حافة الانهيار الاقتصادي.
ظن الإخوان خطأ أن صندوق الانتخاب وحده يكفي لمنحهم صلاحية مطلقة وبأن الصندوق أهم من جماهير الشعب المصري التي خرجت بمسيرات لم يشهد لها التاريخ البشري حجما-حسب بعض المراقبين، وهذا بحد ذاته يعكس سذاجة وسطحية سياسية في فهم التحولات الديمقراطية وبناء الدولة المدنية الديمقراطية، فما الصندوق سوى واحد من قنوات الشرعية التي كان أهمها التوافق على دستور مدني ديمقراطي للبلاد، وبناء المؤسسات واحترام سلطة القضاء وتعزيز استقلاليته.
المشهد على مدى الأيام الماضية كان باختصار: الإخوان في مواجهة مصر، وهو ما لم يستوعبه الدكتور محمد مرسي، ولم تكن تريد أن تصدقه قيادات الإخوان التقليدية، فلم يستمعوا لنصائح الناصحين، وتجاهلوا تحذيرات الجيش التي استمرت على مدى أيام، مددت لثمان وأربعين ساعة ثم لساعات، وراحوا يرددون ببلادة: الشرعية الدستورية ولا شيء غيرها.
بل راحوا يصفون كل من يقف ضد مرسي بأنه ضد الشرعية وفلول النظام السابق وتدخلات خارجية- والأشد
والأنكى- مؤامرة على الإسلام والمسلمين رغم وقوف واشنطن المساند لبقاء الإخوان حتى اللحظة الأخيرة.
وصل الاحتقان مداه، وبدأ الدم يسيل، وشلت المظاهرات الحالة العامة للبلاد، ودخلت البلاد في نفق غير معروف النتائج، الشعب في مواجهة الإخوان، فتدخل الجيش بضغط من الشعب الثائر- تماما مثلما تدخل بإزاحة الرئيس السابق حسني مبارك قبل عامين ونصف العام ثم تسليم السلطة بعد ذلك بسنة ونصف للإخوان، وأعلن بيانا أضفى عليه شرعية ذكية من السلف والأزهر ووزارة الداخلية والكنيسة والقوى المدنية والشبابية بنقل السلطة لحاكم مدني قضائي يهيئ خارطة طريق يشارك بها الجميع لانتخابات جديدة.
لم أكن أتمنى أن تتم إزاحة الدكتور محمد مرسي بتدخل الجيش، ولكن الوضع وصل إلى طريق مسدود: رئيس يتمسك بشرعية صندوق لم يعد أحد يؤمن بها سوى حزبه، وشعب يريد خلع رئيس أوصله، فأضاع البوصلة. فكان بيانا هادئا يفتح الطريق لعهد جديد على أمل ألا يضطر المصريون لثورة ثالثة.
لا يمكن لمتابع واع أن يظن أن مشاكل مصر قد انتهت بإزاحة الدكتور مرسي، فهي أعقد من ذلك بكثير، ولا أظن أن "الدين السياسي" وحده هو سبب مشاكل مصر، ولكن الأكيد أن الاستفراد بالسلطة والثروة والقرار كانت العلة الرئيسية التي عانت منها مصر طيلة عقود وحاول الإخوان تمديدها بحجة الصندوق وبشعارات الإسلام. فبداية الطريق نحو بناء مصر جديدة تكون بإشراك الجميع في قرار ومستقبل وحياة مصر - بما في ذلك الإخوان المسلمين.
على مصر القادمة ألا تستثني أحدا أبدا، وأن لا تستهدف القوى الدينية السياسية، وعلى رأسهم الإخوان المسلمون الذين يعدون رقما هاما في المشهد الحزبي السياسي المصري رغم إزاحتهم بثورة شعبية، وألا يقبلوا أية انتهاكات ضدهم أو تضييق عليهم للتعبير عن آرائهم والمشاركة في صناعة مصير مصر المستقبل. وعلى القوى المدنية المصرية أن ترقب أية انتهاكات يقوم بها العسكر، وألا يقبلوا بمماطلة تطيل من بقائهم في المشهد السياسي تحت أية ذريعة، وإلا فكأنك يابوزيد ما غزيت، وعندها قد نشهد ثورة مصر الثالثة.
نقلا عن صحيفة الشرق الاوسط