رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

عصام نعمان يكتب : حوار الكبار مستمر وكذلك استنزاف الصغار

جولة عربية

السبت, 22 يونيو 2013 11:54
عصام نعمان يكتب : حوار الكبار مستمر وكذلك استنزاف الصغار

انت “قمة الثماني” الكبار غير تقليدية في قيافة أقطابها كما في مضمون بيانها الختامي . الأقطاب ظهروا في ملابس غير رسمية وبلا ربطات عنق، وبوجوه باسمة لا توحي بوجود خلافات بينهم . والحال أن الخلافات موجودة وعميقة، لكن الأقطاب حرصوا، في البيان الختامي، على تظهيرها بصيغة اختلافات .

الكل بدا راضياً مما انتهت إليه القمة، خصوصاً الرئيس الأمريكي باراك أوباما والرئيس الروسي فلاديمير بوتين . أوباما أراد أن يبدد أي استنتاجات مبكرة عن تراجعه أو إخفاقه في القمة بأن أوعز إلى مسؤول رفيع المستوى في إدارته ليدلي بتعليق سريع على نتائجها بقوله، “إن تصديق القمة على مفاوضات سياسية لإنهاء الحرب في سوريا يفي بالأهداف التي سعى إليها الرئيس أوباما” .

رضا بوتين بدا أكثر وضوحاً، فقد تمكّن من إقناع محاوريه الغربيين السبعة بثلاثة مواقف: دعم عقد مؤتمر “جنيف 2” “بأسرع ما يمكن”، وتجنّب الإشارة إلى “مصير” الرئيس السوري بشار الأسد في الحاضر أو في المستقبل، وتأكيد ضرورة أن يسمح “المؤتمر الدولي بقيام حكومة انتقالية تتشكّل بالتوافق المشترك بين الحكم والمعارضة” .

غير أن المفاجأة الكبرى بل الحدث الأعظم لقمة الثماني كان إجماع الأقطاب على دعوة الحكم والمعارضة إلى “الالتزام معاً خلال مؤتمر جنيف بتدمير وإبعاد جميع التنظيمات والأفراد التابعين ل “القاعدة” من سوريا”، وتأكيدهم ضرورة الحفاظ على القوات العسكرية وأجهزة الأمن في أي ترتيب مستقبلي .

هذا الموقف يصبّ في مصلحة النظام السوري بالدرجة الأولى، كما يدعم أجنحة المعارضة غير المتعاونة مع “جبهة النصرة” وتفرعاتها المتكاثرة في سوريا . فالنظام على صدام دموي يومي مع “جبهة النصرة”، ومن مصلحته التنديد بها ومنع السلاح والعتاد عنها . كما أن اللواء سليم ادريس، رئيس أركان “الجيش السوري الحر”، يستفيد

كثيراً من هذا الموقف الذي يتطلّب، في نظره، منع السلاح والعتاد عن تنظيم “القاعدة” وتفرعاته وتخصيص تنظيمه وحلفائه به كي يكون له الحصة الكبرى في عضوية وفد المعارضة إلى مفاوضات مؤتمر “جنيف 2” .

الاتفاق على تدمير تنظيم “القاعدة” وإبعاد التنظيمات والأفراد التابعين له، لا يعني أبداً وقف تزويد قوى المعارضة السورية المسلحة بالمال والسلاح لمتابعة مقاتلة النظام . إذ إنه من الثابت أن الولايات المتحدة وحلفاءها في “الناتو”، وحلفاءها الإقليميين أيضاً، يصرّون على متابعة دعم المعارضة عسكرياً ولوجستياً بقصد تعديل ميزان القوى على الأرض بعدما بات يميل نحو الجيش السوري النظامي عقب معركة “القصير” . فالتكافؤ في ميزان القوى شرط لإطلاق مفاوضات مثمرة، في حين أن عدم التكافؤ يعني خلوص المفاوضات إلى مصلحة الطرف الأقوى على الارض .

استمرار تدفق السلاح على أطراف الصراع يفضي بالضرورة إلى مزيد من تقتيل البشر وتدمير الحجر وإتلاف الشجر، فما سرّ هذه الازدواجية والتعارض بين الدعوة إلى “عقد مؤتمر “جنيف 2” بأسرع ما يمكن”، والاستمرار في تزويد أطراف الصراع بمزيد من السلاح والعتاد؟ ما سر إصرار الكبار على الحوار وإصرارهم أيضاً على استنزاف الصغار؟

ثمة أسباب خمسة يمكن إيرادها في هذا السياق:

* أولها، حرص الولايات المتحدة على تحسين وضع المعارضة عسكرياً لتعزيز مركزها التفاوضي من جهة، وعلى التوفيق بين أجنحتها لضمان ذهابها بوفد موحد إلى “جنيف 2” من جهة أخرى .

* ثانيها، حرص الولايات المتحدة على إقناع حلفائها الإقليميين بجدوى ما انتهت إليه “قمة

الثماني” من أجل ضمان مشاركتهم في توحيد أجنحة المعارضة في مواجهة النظام .

* ثالثها، انشغال الولايات المتحدة بقضايا إقليمية أخرى تتطلب جهوداً وتنسيقاً مع حلفائها الإقليميين، وفي مقدمها قضية أفغانستان بعدما قامت حركة طالبان مؤخراً بافتتاح مكتب لها في الدوحة من أجل مباشرة مفاوضات مع كل من إدارة أوباما وحكومة قرضاي في كابول .

* رابعها، حرص الولايات المتحدة على التنسيق مع “إسرائيل” التي تربط بين خطر البرنامج النووي الإيراني من جهة، ومواجهة حزب الله ودوره الحالي في سوريا من جهة أخرى .

* خامسها، اطمئنان روسيا إلى أن التباطؤ في إجراءات وقف القتال مع ما يرافقها من تدابير لزيادة تسليح المعارضة لن يؤدي إلى تغيير مقلق على الأرض بالنظر إلى قدرة الجيش السوري النظامي على المواجهة، انه بدليل تمكّنه مؤخراً من توسيع رقعة سيطرته في البلاد .

من بين الأسباب الخمسة المار ذكرها، أرى أن الرابع هو أكثرها مدعاة إلى القلق . ذلك أن “إسرائيل” تخشى، بعد فوز الشيخ حسن روحاني برئاسة إيران، أن “ينخدع” الغرب باعتداله فيعقد معه تسوية على برنامج إيران النووي قد تهدد أمن الكيان الصهيوني . هذا الاحتمال قد يقود أصحاب الرؤوس الحامية إلى استباق التسوية المرتقبة فيغامرون بشن حرب ضارية على لبنان بقصد ضرب مخازن صواريخ المقاومة ومحاولة توجيه ضربةٍ شديدة إليها بغية تغيير ميزان القوى على الأرض لمصلحة القوى السياسية الصديقة للغرب .

غير أن الحرب المحتملة يلجمها عاملان أساسيان:

* أولاهما، قدرة المقاومة الصاروخية، باعتراف خبراء عسكريين “إسرائيليين”، على إلحاق تدمير وأذى شديدين بالكيان الصهيوني ما يدفع أصحاب الرؤوس الهادئة في قيادته السياسية والعسكرية إلى تفادي خيار الحرب المكلفة بالاستمرار في اعتماد خيار الحرب الناعمة الأقل تكلفة ل”إسرائيل” والأكثر تكلفة لإعدائها .

* ثانيهما، خشية الولايات المتدة من انعكاس الحرب سلباً على مصالحها في المنطقة وعلى مخططها الرامي إلى ترتيب المنطقة في المرحلة اللاحقة لانسحابها من أفغانستان، واحتواء الوضع المتفجر في كلٍ من سوريا والعراق . لذلك، يرجّح بعض الخبراء الاستراتيجيين أن تلجم إدارة أوباما “إسرائيل” فتنصاع لها هذه الأخيرة بسبب عدم قدرتها على شن الحرب رغماً عن إرادة حليفتها الرئيسة وأمها الرؤوم .
نقلا عم صحيفة الخليج