رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

عبد المنعم سعيد يكتب :أرجوكم.. لا تمكثوا طويلا؟!

جولة عربية

الأربعاء, 12 يونيو 2013 12:03
عبد المنعم سعيد يكتب :أرجوكم.. لا تمكثوا طويلا؟!

لوقت طويل كنت متطرفا في اعتقاد أن الدستور الأميركي أخطأ خطأ بالغا عندما جعل فترة رئيس الجمهورية في الرئاسة أربع سنوات فقط، وبعد أن جاء التعديل الثاني والعشرين في مطلع الخمسينات بأن جعل مرتين من فترات الحكم هي الحد الأقصى، بدا لي الأمر مبالغا فيه.

كان اعتقادي قائما على مراقبة الانتخابات الأميركية وفترات حكم الرؤساء، وبدا لي أن الرئيس لا يستطيع أن يحكم ويطبق برنامجه الرئاسي – وفي الولايات المتحدة هناك برنامج، كما أن البرنامج لا بد من تطبيقه - بينما هو مطارد دوما بالاستعداد للانتخابات التالية. فما كان ظاهرا، هو أن الرئيس يحكم فقط لثلاث سنوات، بعدها ليس عليه إلا أن يبدأ الاستعداد للانتخابات الرئاسية، التي يسبقها في كثير من الأحيان انتخابات تمهيدية حزبية، لا تقل عنها شراسة. ولكن الوقت مر والحكمة حلت، وبدا أن في الأمر حكمة، فقد جرت العادة طوال العقود الأربعة الماضية أن أداء الرئيس يضعف في فترته الثانية، وكثيرا ما تهبط شعبيته حتى لا يجد كثيرا من التأييد لسياساته، بل إن الفضائح غالبا لا تحدث إلا خلال الفترة الثانية. وهكذا، بدا كما لو أن ثماني سنوات من الحكم كثيرة علي رئيس.
المناسبة هنا، تلك الثورة التي بدأت حول قضية الأشجار في ميدان «تقسيم» في إسطنبول التركية، وانتهت بالمطالبة برحيل رجب طيب أردوغان رئيس الوزراء والزعيم التركي، ذائع الصيت حتى طالبت بعض جماعات الإخوان بتنصيبه خليفة على المسلمين. جاء الأمر بمثابة مفاجأة كبرى كتلك المفاجآت التي توالت خلال السنوات الثلاث الماضية والتي سقطت فيها هامات ورؤوس حكام، وحار فيها المفسرون والمحللون. وكانت هناك قائمة من الأسباب، التي كان منها الفساد المستشري، والإعلام الذي نزع الشرعية عن الرؤساء والقادة، واشتداد عود الجماعات الإسلامية المختلفة، ونمو الطبقة الوسطى التي لم تجد لها مكانا وسط ساحة مزدحمة من الأتباع، والانتخابات المزيفة، وهكذا أسباب. الآن، يمكنك إضافة سبب لا يقل عن كل ذلك أهمية،

وهو أن الزمن طال كثيرا بالرئيس، وظل وجها ثابتا في الإعلام لا يتغير، وأكثر من ذلك فإنه كان على استعداد للبقاء أبد الدهر. في الحالة المصرية، ثبت أمام القضاء أن كثيرا من الأسباب التي تحدث عنها الناس لم تقف على قدمين، وسقطت قضايا الفساد الواحدة وراء الأخرى، ومن المدهش أن تزوير انتخابات 2010 الذي اتفق عليه الجميع لم يقدم أحد بسببه إلى المحاكمة. ولكن سببا لا يستطيع أحد أن يغض الطرف عنه، هو أن الرئيس قرر الترشح لمرة سادسة، وكانت الشكوك قريبة من يقين أنه سوف يورث الحكم لولده. وكان الحال كذلك مع زين العابدين بن علي، الذي غير الدستور لكي يغير شرط السن ليتلاءم مع شيخوخة الرئيس. وكان القذافي قد ورث الدولة لأولاده بالفعل، وكذلك فعل صدام حسين، وتغير الدستور في سوريا حتى يمكن لبشار الأسد أن يحكم بعد والده، وهو ما لم يستطع تحقيقه علي عبد الله صالح في اليمن. كان الانتظار الطويل في الحكم، بل واستمرار العائلة نفسها، في مجتمعات مستها العولمة وتغير العالم، وازدحمت بالشباب وصغار السن - يجعل من المستحيل أن تبق الأمور عل ما هي عليه حتى ولو في بلد ديمقراطي مثل تركيا.
الأسباب كثرت حول ما جرى في الدولة التركية، الأمور بدت في أحسن أحوالها، وظهرت تركيا كما لو كانت تضع الفكرة العثمانية موضع التطبيق، فقط من خلال النفوذ السياسي والاقتصادي والعسكري. الدولة أكثر غنى من أي وقت مضى، ومكانتها بين جماعة الدول العشرين مرموقة، واحترقت دول أوروبية كثيرة بنار الأزمة الاقتصادية، ولكن تركيا بقيت، ليس فقط صامدة، بل وشامخة أيضا. متاعب الدولة في العراق وقبرص وسوريا ومع
الأكراد تحت السيطرة، وكل ما هنالك أن جماعة من الشباب أقلقها إزالة أشجار في ميدان «تقسيم» وسط مدينة إسطنبول، فتجمعت يوم 28 مايو (أيار) الماضي. لم يمض يومان حتى نسي الجميع الأشجار وجاء الألوف وانفجرت 40 مدينة بالمظاهرات التي صدتها قوات البوليس بخراطيم المياه والقنابل المسيلة للدموع، وتوفي شخص، وجرح مئات. أصبح ميدان «تقسيم» ميدان «تحرير» آخر. وجاءت الحجج نفسها التي قيلت من قبل في دول أخرى، فتركيا كما قيل ليست مصر، تماما كما قيل من قبل إن مصر ليست تونس - كان لي شخصيا مقال بهذا العنوان! - وهكذا. والحقيقة كانت أن مصر لم تكن مثل تونس، ولا تركيا كانت مثل مصر، فكل حالة ليست مثل غيرها، ولا التاريخ يعيد نفسه، ولكن الظاهرة باقية، وهي أن العالم لم يعد بمستطاعه أن يبقى كما كان.
في الزمن الماضي، لم تكن قضية البقاء في الحكم تهم أحدا، لأن تغيير العالم كان بطيئا، أما الآن فإن التغير يجري فيه بسرعة الضوء. الأمر لاحظه بعض الشباب الذي بدأ التغيير الكبير في مصر، فخلال عامين فقط ظهرت شيخوخة الجماعة الأولى وحتى فشلها في أخذ مصر إلى تاريخ آخر، فظهرت جماعة «تمرد» التي بدأت طريقا لا ندري إلى أين يذهب. مفتاح هذه الحيرة، أننا كنا نعلم أن ظواهر ما سوف يكون لها تأثيرات مهمة، ولكننا لم نكن نعرف هذه التأثيرات، فكنا نتحدث ونكتب عن «العولمة» و«انبعاج» نسبة الشباب في التركيبة السكانية ولدينا المؤشرات والاتجاهات، ولكن لم يعد لدينا القدرة لكي نعرف ما الذي سوف يفعله التسونامي عندما يضرب الشاطئ بعنفوانه. هكذا كان الحال في المنطقة، وكان آخرها ما جرى في تركيا، فيمكن رصد الكثير من الأسباب، ولكن أهمها جميعا أن أحدا لم يعد على استعداد لتقبل رجب طيب أردوغان في فترته الثالثة، خاصة أن الشواهد كانت تقول إن الرجل لن يبقى لهذه الفترة فقط، وإنما سوف يغير النظام التركي إلى نظام رئاسي يبدأ فيه أردوغان الحكم من جديد، وإذا كانت هناك عشر سنوات الآن من حكم الرجل، فإن هناك عشر سنوات أخرى على الطريق. أردوغان لن يعجبه ذلك بالطبع، وسوف يتحدث كما فعل كل سابقيه عن المؤامرة الأجنبية والمحلية، ولكن الحقيقة هي أن الإقامة في الحكم طالت أكثر مما يتحمل الشباب أو تركيا، وآن أوان الرحيل. ويبقى أن الدرس لا يخص صاحبنا فقط، ولكنه مفيد لكل من يعتبر.
نقلا عن صحيفة الشرق الاوسط