نبيل عمر يكتب :دفاع عن القرآن

جولة عربية

الثلاثاء, 21 مايو 2013 13:24
نبيل عمر يكتب :دفاع عن القرآن

إذا كان الطريق إلى جهنم مفروشا دائما بالنيات الطيبة كما يقولون، فإن الطريق إلى الجنة مسكون أحيانا بالأبالسة!

وبعض البشر، وفي بعض الأحيان كثير منهم، يسلكون- دون قصد- طريق الجنة بأساليب "توقظ" الشيطان من مرقده، ليبذر بين الناس وسواس الفتنة والحروب الدينية، وهم يتصورون أنهم بهذا "السلوك" يحجزون مقعدا مسبقا في النعيم! ومن بين هؤلاء بشر يتركون دينهم وينشغلون بدين الآخر، وهمهم الأول هو البحث عن المثالب والعيوب والنواقص والنواقض فيه، كي يقفوا في البرية ويصرخون: نحن الأخيار، نحن الأفضل الأقرب إلى الله، أما الآخرون فهم الأشرار المُبْعَدون..
ويخيل لي أحيانا أن هؤلاء يظنون أن الجنة ضيقة المساحة، ولن تتسع إلا لهم فقط دون خلق الله، وعليهم أن يقدموا أوراق اعتمادهم على وجه السرعة، وفي الغالب لا تقتصر هذه الأوراق على الإيمان والورع والتقوى والعمل الطيب وإعمار الأرض، وإنما تمتد إلى "الطعن" في الأديان الأخرى، وأحيانا تسفيهها! والدين الإسلامي من الأديان التي تتعرض إلى حملات شرسة مستمرة، فيها كثير من الوقاحة، خاصة كلما وقعت واقعة ارتكبها "مسلم" جاهل بدينه..
وفي الأسابيع الماضية دارت عجلة التشوية بأقصى طاقاتها، ولم يكن هذا جديدا، فهو تكرار سخيف وممل لحملات مشابهة، سواء في الشرق "بيزنطة" أو في الغرب، باسم البحث العلمي ومناهج التحليل.. حملات بدأت منذ أكثر من ألف سنة، بل تحديدا في القرن السابع الميلادي، بانتقادات "يوحنا الدمشقي" وأثيميوس زيجابينوس في مؤلفه "العقيدة الشاملة"، ولم تتوقف هذه الحملات، واستهدفت بالدرجة الأولي كتاب الله القرآن، باعتباره

حجر الأساس في الإسلام وعموده الصلد، شارك فيها رجال دين وأباطرة ومفكرون وفلاسفة وكتاب وسياسيون..
وطبعا صارت أكثر قسوة وحدة في الألفية الثالثة، بحكم التراكم التاريخي وظهور جماعات العنف المنتسبة ظلما وعدوانا إلى الدين الحنيف، باسم الجهاد.
والمدهش أن عددا كبيرا من المنتقدين المحدثين، يرددون تصورات وهمية سبق تفنيدها، عما أسموه "الأخطاء النحوية في القرآن"، وبدا من كتابتهم وتعاملهم مع السور القرآنية والآيات وتبويبها، أنهم يتحدثون عن أشياء يجهلونها جهلا تاما، فصاروا مثل جماعة من العميان نصبوا أنفسهم دليلا للمبصرين في عملية تسلق جبل حاد التضاريس..
وهذه الأخطاء التي وقع فيها أغلب المنتقدين، لها أسباب إضافية، غير العداوة والكراهية..
أولا؛ إن اللغة العربية عصية عليهم، لا يفهمون مدلولاتها الفنية والأدبية على نحو صحيح، فيستخرجون من العبارات التي يقرؤونها "معاني" لا علاقة لها بالنصوص التي يتعاملون معها أو يستشهدون بها، وأغلب المصادر التي يعتمدون عليها مجروحة أو ناقصة أو جزئية، حتى لو كانت عربية، وقد نقلت من مصدر إلى مصدر عن طريق "العنعنات"، أي عن فلان وعن فلان.. دون أي محاولة لإعادة النظر في صلاحيتها الفكرية والفنية والعلمية، واعتبروا ما جاء فيها "حقائق" لا يأتيها الباطل وغير قابلة للمناقشة!
ثانيا؛ كان هدف البعض منهم التبشير، والمبشر (أي مبشر أو داعية) بطبعه صاحب موقف مسبق
يعمل طول الوقت على إثبات صوابه، وينحاز ضد الدين الآخر، وتغلب عليه العاطفة قبل العقل! ومؤخرا قرأت كتاب "دفاع عن القرآن ضد منتقديه" للفيلسوف الشهير الدكتور عبد الرحمن بدوي، وهو تحفة فكرية بحق، لا يفند فيه فقط ما يقوله المنتقدون بشتى الوسائل، وإنما يجتهد اجتهادا رائعا في شرح وتفسير معان تضيف للفكر الديني أبعادا قد لا يراها المسلمون التقليديون، الذين ينقلون عن السلف نقل مسطرة دون تمحيص أو إعمال فكر، فتأتي أعمالهم ساذجة وأحيانا بعيدة إلى حد ما عن "مفاهيم" أكثر إنسانية ورحابة!
وأكثر ما استوقفني في كتاب الدكتور عبد الرحمن بدوي، هو تفسيره لعبارة "النبي الأمي"، فهو يعدد الآيات التي ورد فيها هذا الوصف، سواء مفردا أو جمعا، وكذلك التفسيرات الشائعة المعتمدة على "لسان العرب"، ثم يجول مع عشرات المستشرقين الذين استخدموا اللفظ بمعنى "جهل القراءة أو الكتابة أو الاثنين معا"، أو بمعنى "وثني"، على أساس أن النبي جاء برسالته بين أمة وثنية: ((هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم)).
ثم يقدم تفسيرا بديعا، ويقول إن الرسالة المحمدية مرسلة للناس كافة، دون تفرقة بسبب الجنس أو اللون أو القومية أو الحدود أو اللغة، وليس لأمة العرب فقط، وبالتالي فكلمة أمي مشتقة من كلمة أمم، جمع أمة، وكما يوضح علم الصرف فإن نسبة أي كلمة تجري على المفرد وليس الجمع، فلا يقال أممي وإنما يقال أمي، بمعنى عالمي وصالح وموجه لكل الأمم.
فالنبي الأمي هو النبي المرسل والموجه إلى كل الأمم، وأميين التي وردت أربع مرات في القرآن الكريم، تعني البشر أجمعين، من مختلف الأمم أو كل الأمم.
إن كتاب الدكتور بدوي ليس مجرد كتاب في نقد الذين هاجموا القرآن وتفنيد ما قالوه، وإنما هو طريقة في التفكير نحن الأحوج إليها، لنضع أيدينا على مفاهيم أتصور أنها أكثر صحة ومنطقا مما نعول عليه من تفسيرات الأقدمين.
نقلا عن صحيفة البيان الاماراتية