على سالم يكتب:القدس.. مشاهد دموية من التاريخ

جولة عربية

الأحد, 19 مايو 2013 11:30
على سالم يكتب:القدس.. مشاهد دموية من التاريخعلي سالم
بقلم: علي سالم

أقل من أربعمائة شخص وقفوا هاتفين أمام إدارة الأزهر طالبين الذهاب إلى القدس بالملايين، هذا العدد القليل أزعج بعض المعلقين الذين طالبوا قبلها بإلحاح بأن يكون الراغبون في الذهاب إلى القدس بالملايين، عدم تلبية الدعوة على النحو المطلوب، جعلهم يعيدون تذكير المصريين بأن ما تفعله بهم الجماعات الفلسطينية المسماة بالجهادية من قتل وخطف للجنود المصريين في سيناء، يجب ألا ينسيهم أن القضية الفلسطينية هي القضية المركزية للعرب جميعا. طبعا، قتل الجنود المصريين وخطفهم أمر شنيع، ولكنه لا يشكل قضية مركزية.

المشهد استدعى في ذهني عدة مشاهد من الحروب الصليبية، تلك الحروب الدموية التي اشترك فيها كما يقول ول ديورانت: «وانضم آلاف من المتشردين إلى القائمين بهذه الرحلة، وأقبل كثيرون من الأتقياء المخلصين ليخلصوا الأراضي التي ولد بها المسيح ومات، منهم رجال سئموا الفقر الذي كانوا يعانونه، ومنهم المغامرون التواقون إلى الاندفاع في مغامرات جريئة في بلاد الشرق، ومنهم الأبناء الصغار الذين يرجون أن تكون لهم إقطاعيات في تلك البلاد، ومنهم التجار الذين يبحثون عن أسواق لبضائعهم، والفرسان الذين غادر أرضهم أرقاؤها فأصبح لا عمل لهم، ومنهم ذوو النفوس الضعيفة الذين يخشون أن يرميهم الناس بالجبن وخور العزيمة».
ليكن المشهد الأول هو سقوط القدس بعد حروب طويلة طاحنة، «النساء كن يقتلن طعنا بالسيوف والحراب، والأطفال الرضع يختطفون بأرجلهم من أثداء أمهاتهم ويقذف بهم من فوق الأسوار أو تهشم رؤوسهم بدقها بالعمد، وذبح السبعون ألفا من المسلمين الذين بقوا في المدينة، أما اليهود الذين بقوا أحياء فقد سيقوا إلى كنيس لهم، وأشعلت فيهم النار وهم أحياء. واحتشد المنتصرون في كنيسة الضريح المقدس، وأخذ كل منهم يعانق الآخر ابتهاجا بالنصر، وبتحرير المدينة، ويحمدون الرحمن الرحيم على ما نالوه من فوز». وأنتقل بسرعة عابرا الزمن لأنقل لك مشهدا عند تحريرها واستردادها بعد معركة حطين 1187م، تقدم صلاح الدين بثبات إلى القدس، وبعد أن اقترب منها، خرج إليه أعيانها يعرضون عليه الصلح. فقال لهم إنه يعتقد كما يعتقدون هم أن هذه المدينة بيت الله، وأنه لا يرضيه أن يحاصرها

أو يهاجمها، وعرض على أهلها أن تكون لهم الحرية الكاملة في تحصينها، وأن يزرعوا ما حولها من الأرض إلى ما بعد أسوارها بخمسة عشر ميلا دون أن يقف أحد في سبيلهم، ووعدهم بأن يسد كل ما ينقصهم من المال والطعام إلى يوم «عيد العنصرة»، غير أنهم رفضوا عرضه فهاجم المدينة واستولى عليها بسهولة، وقرر عليهم فدية، وطلب العادل أخوه أن يهدى إليه ألف عبد من الفقراء العاجزين عن دفع الفدية، وعندما أجابه إلى طلبه أعتقهم جميعا.
وانتهت الحروب الصليبية وانتهت معها القرون الوسطى، وانشغل الناس بالتفكير لماذا لم ينصرنا الله ونحن على حق، لا بد أن فينا خطأ ما.. ما هو؟ لا بد أننا أرسلنا في هذه الحملات بشرا خاطئين ارتكبوا كثيرا من الذنوب، حسنا لتكن حملتنا القادمة من الأطفال، الأطفال ملائكة أطهار. سيحررون القدس حتما. وفي عام 1212، قال شاب ألماني اسمه نيكولاس، إن الله قد أمره أن يقود حملة صليبية مكونة من الأطفال، عارضه رجال الدين وغيرهم، ولكن فكرته انتشرت كالنار في الهشيم، وحاول الآباء منع أطفالهم من الاستجابة لدعوته بغير جدوى، ولعلهم قد سرهم أن ينجوا من استبداد البيت إلى حرية الطريق. ثلاثون ألف طفل ساروا بإزاء نهر الراين وفوق جبال الألب، غير أنهم عجزوا عن الوصول إلى القدس بعد أن أهلك الجوع والذئاب عددا كبيرا منهم.
لنترك الآن أطفال ألمانيا، ولنتجه إلى فرنسا التي كان أطفالها أسوأ حظا، فقد قال غلام اسمه ستيفن يعمل راعي غنم، إن المسيح ظهر له وهو يرعى غنمه وأمره أن يقود حملة من الأطفال إلى فلسطين، وأمره الملك فيليب أن يعود إلى غنمه، غير أن دعوته استجاب لها عشرون ألف طفل، واجتازوا فرنسا إلى مرسيليا، ولن يكونوا في حاجة إلى سفن تنقلهم إلى فلسطين،
سينشق البحر ويذهبون إلى هناك سيرا على الأقدام، غير أن البحر لم ينشق، سيدنا موسى فقط هو القادر على ذلك، ولكن أصحاب القلوب الرحيمة كثيرون، اثنان من أصحاب المراكب الكبيرة عرضا عليهم أن ينقلاهم إلى فلسطين بغير مقابل يدفعونه. ازدحم الأطفال في سبعة مراكب أقلعت بهم وهم ينشدون أناشيد النصر، وتحطم اثنان وغرق كل من كانوا فيهما، وجيء بالباقين إلى تونس ومصر حيث بيعوا في أسواق الرقيق.
هذه هي مشكلة الشعار الديني عندما يرفعه بعض الناس بدافع من الرغبة في السيطرة على الآخرين وسوقهم إلى حتوفهم. ابدأ باعتناق بعض هذه الشعارات الوهمية وسينتهي بك الأمر حتما لتكون عبدا رقيقا.
في العصر الحديث، لا حاجة بنا لمؤرخين، فقد عشنا أحداثه؛ تمكن الملك عبد الله، ملك الأردن، بجيشه المدرب جيدا من الاحتفاظ بالضفة الغربية والقدس الشرقية بعد هزيمة كل الجيوش العربية، وكانت تلك هي جريمته الوحيدة التي وصمته بالخيانة طوال حكمه، من لم يهزم معنا فليس منا، غير أننا تمكنا من إصلاح خطئه في يونيو (حزيران) 1967، وذلك عندما فقدنا الضفة والقدس الشرقية. أما الشخص الثاني الذي عوقب بعد الملك عبد الله في هذه التراجيديا التي لا يريد أحد وضع نهاية لها، فهو محمد أنور السادات الذي انتزع أرض سيناء كما انتزع، بالحرب والتفاوض، السلام من أكثر الحكومات الإسرائيلية تشددا، هو أيضا وجهت له تهمة أنه أفقد المصريين السيادة على سيناء، ترى ماذا في عقولنا يدفعنا لتمجيد المهزومين والخاسرين.
والآن، خبر جميل، اتفق الطرفان الحاكمان للشعب الفلسطيني على أن يقيموا حكومة موحدة خلال تسعين يوما.. فقط. الحمد لله، فقد كان من الممكن أن تكون المدة تسعين سنة. أي مراقب للأحداث يستطيع أن يرى بوضوح أن الطرفين أكثر إخلاصا لمشاكلهما، وإلا لكانوا وصلوا لحكومة موحدة في عدة أيام. حكومة موحدة تبدأ على الفور التفاوض للوصول إلى دولة فلسطينية. نستطيع أن نهتف إلى الأبد (رايحين يا فلسطين.. على القدس بالملايين)، وهو الهتاف الذي يثبت لكل سكان الأرض أننا لسنا جادين، نحن فقط مستمتعون بالهتاف ومستمتعون بخسارة كل قضايانا. غير أن المزيد من ضياع الوقت في خلافاتنا بعضنا مع بعض، يجعلنا نخسر كل يوم احترام العالم لنا.
بنقاش وتفاوض جادين مع الإسرائيليين والعالم كله، نستطيع أن نطلب أن تكون القدس عاصمة لشعبين ودولتين، هذا هو رأي عدد كبير من المثقفين الإسرائيليين وعلى رأسهم الروائي عاموس عوز، ولن يكون من الصعب العودة لكل مفردات التفاوض بين صلاح الدين والصليبيين، لأن الهدف في كل الأحوال أن يعيش سكان هذه المنطقة في سلام، لست أرى الطريق إليه مستحيلا.
نقلا عن صحيفة الشرق الاوسط