رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

خيري منصور يكتب : النيل الضاحك الباكي

جولة عربية

الثلاثاء, 07 مايو 2013 19:20
خيري منصور  يكتب : النيل الضاحك الباكي

عشية رحيل الزعيم عبدالناصر كُتبت ونُشرت مئات المقالات والمراثي .

ومنها ماكتبه نزار قباني: “قتلناك يا آخر الأنبياء”، وإن كان محمود درويش قد سارع إلى تقديم مفهوم مغاير حين قال للزعيم: “لست نبياً ولكن ظلك أخضر” . وما أثار هذه التداعيات لديّ ليس مناسبة مولد أو رحيل عبدالناصر، بل ما كتبه الشاعر أحمد عبدالمعطي حجازي الأدرى بشجون الكنانة من سواه وهو:

“أيامنا قادمات

وسوف نبكي طويلا” .

ومنذ تلك الظهيرة السوداء التي شارك فيها حتى النيل والنخيل في الجنازة التي سُميت جنازة العصر، والبكاء لا ينقطع، فهل صدقت نبوءة الشاعر الذي لم تفقده المدينة عديمة القلب فطرته الريفية، أو هي أسباب البكاء التي تكررت وحولت البكاء إلى النحيب؟

لقد عُرفت مصر بقدرة فائقة على السخرية وتحويل الألم إلى ضحك، وهذا ما عبّر عنه مثل شعبي قديم في مصر هو “صناعة الشربات من الفسيخ” على ما بين الاثنين من تناقض الملوحة والمرارة من جهة،

والعذوبة والحلاوة من جهة أخرى .

لقد بكت مصر كثيراً، لكنها أيضاً ضحكت كثيراً لأن للتاريخ فيها محطات من طراز عجيب دفع شاعراً شعبياً إلى القول إنّ هذا العجب يتلخص في أن زراعة القمح تتم بصعوبة بينما ينمو القرع بسهولة . فالبلاد التي احتشد تسعون مليوناً من أبنائها على أربعة في المئة فقط من مساحتها وهي ضفاف النيل، كان لابد لها أن تزدحم . وأن تنوء بحمولتها، وتهاجر، رغم أن المصريين كانوا من أكثر الشعوب عزوفاً عن الهجرة ولديهم ما يسميه علماء النفس “الهوم سك” بشكل بالغ القوة .

كانت مصر تجتذب المهاجرين ولا تهاجر، حدث ذلك على امتداد التاريخ، وإن كانت تجربة الهجرة الشامية في القرن التاسع عشر هي النموذج الحي، لأنها ارتبطت برواد مسرح وصحافة وفنون . وما

كان لهؤلاء  الرواد الشوام أن ينجزوا ما أنجزوا لولا وجود التربة الخصبة والرافعة والمجال الحيوي الذي يستوعب تطلعاتهم وأشواقهم ومواهبهم .

إن ما تعجّ به مصر من تناقضات هو سر التنوع والغنى، بل المهد النموذجي للدراما بكل مستوياتها وحقولها، فهي بالغة الثراء وفقيرة، وكثيفة السكان بالقياس الديموغرافي، لكنها تعيش على أقل من واحد من عشرين من مساحتها الشاسعة، وحين قال المؤرخ اليوناني هيردوتس، “إنها هبة النيل”، لم يذهب بعيداً، لأنها من دونه ظمأ وجفاف، فالسماء لا تمطر غير بضع مرات في العام، ومن تناقضاتها التي تتعايش على نحو يثير الجدية والوقار والسخرية والهزل، لأن فيها متسعاً لكل شيء، لهذا يخطىء من يقرأها من زاوية واحدة فقط . فإذا أراد رؤية الجامعات والعلم قال إن كل أهلها علماء، وان رأى المساجد والقاهرة وحدها تسمى مدينة الألف مئذنة، قال إن كل سكانها متفرغون للعبادة، وإن شاهد الليل واللهو قال شيئاً مضاداً .

وقراءة المشهد المصري الآن من سطحه السياسي فقط بها اختزال مُخلّ، لهذا فهي قد تفاجئ من ودّعوها أو ظنوا أنها انكفأت بما لا يسرّ غير ذوي القربى من عرب باقين على قيد الهوية والشجن
نقلا عن صحيفة الخليج  .