رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

عاطف الغمري يكتب: تفكيك الدولة

جولة عربية

الأربعاء, 01 مايو 2013 11:40
عاطف الغمري يكتب: تفكيك الدولةعاطف الغمري
بقلم: عاطف الغمري

الهجمة المنظمة التي شهدتها مصر في الأيام الماضية، جاءت ضمن خطوات متتابعة تظهر شكلاً من أشكال محاولات خلخلة مؤسسات الدولة، التي ظهرت في تصريحات لقيادات تنظيم الإخوان، من وقت إلى آخر، كلها تشكك في مختلف مؤسسات الدولة، بدءاً من الجيش، والشرطة، إلى المحكمة الدستورية، والصحافة، ووسائل الإعلام، بطريقة ترمي إلى هز ثقة الناس بالدولة . وكأن المقصود هدم الدولة ذاتها .

إن ما يثير في هذه الموجات المتصلة، يرجع إلى ما يصدر عن قادتهم، من تصريحات تعلي من شأن التنظيم، بلغة تصفه وكأنه يعلو على أي كيانات أخرى تراها عيونهم، وتدركها عقولهم، بما يوحى بأن التنظيم عندهم هو الوطن والعقيدة . كما يرجع الشك أيضاً إلى ارتباط التنظيم بكيان أوسع مدى، تنتشر فروعه في أكثر من 70 دولة، وهو تنظيم دولي ينضوي تحته أفراد من جنسيات أجنبية، لن يكون لهم بالطبع ولاء للوطن - مصر .

وعادة لا تنتعش الأحلام التي تتجاوز الوطن، وتسبقه في الأولويات، إلا في حالة كونه وطناً ضعيفاً، حتى يمكن أن تبذر في تربته أفكار غريبة عليه .

هذا النوع من التفكير، هو وليد التقوقع الطويل زمنياً ونفسياً، في كهف من العزلة الذي اعتادوا أن يجالسوا بعضهم في ظلمته، يتكلمون، ويناقشون، ويرتبون أمورهم، في عالم من السرية، والعزلة المعيشية، عن المسار العام والكلي للشعب المنتشر في أرجاء البلاد، وفي ظروف تجعل الشعب يتغير، بتأثيرات العصر والزمن المتغير، بينما الذين قبعوا في عزلتهم الأيديولوجية، كانوا في عزلة عن المحيط الأوسع لعالم خارجي، يتطور بسرعة إيقاع عصر ثورة المعلومات .

وهو عصر سارعت فيه دول صغيرة إلى البحث عن مفاتيح النظام الدولي المقبل، وتبتدع أفكاراً وسياسات، تتيح لها أن تكون في مقدمة صناع

التفوق والنجاح، وهو ما تحقق لدول في آسيا، وأمريكا اللاتينية، بدأت منذ التحولات التاريخية في النظام الدولي، بعد سقوط الأنظمة الشمولية في أوروبا الشرقية العام ،1989 فامتلكت مفاتيح الدخول إلى النظام الدولى الجديد، وأن تصبح شريكاً فاعلاً فيه .

كانت العزلة عن عصر أصبح فيه حجم تدفق المعلومات، عاملاً دافعاً لتحصيل المعرفة السياسية والاقتصادية الخلاقة، في فترة لا تتجاوز بضع سنوات، بينما كان الإلمام بها في عصر الثورة الصناعية التي انتهى زمنها العام ،1991 يستغرق عشرات السنين .

ونتيجة للانغلاق على الذات تفكيراً وسلوكاً، فقد حدث عندما أتاحت لهم ظروف استثنائية بعد ثورة، يناير ،2011 الإمساك بزمام السلطة، أن ظهر عجزهم وفشلهم في إدارة الدولة، فلجأوا إلى إلقاء اللوم على غيرهم، وترديد القول إن هؤلاء الآخرين يحرّضون على الفوضى التي تفوق قدرة النظام على حل المشكلات . وهم بهذا يتجاهلون حقيقة أن عزلتهم النفسية التي لم تفارق تفكيرهم، قد حالت دون خروجهم إلى العالم الأوسع، وفهم أدواته، فكان أن قيدوا بأنفسهم، قدرتهم على المعرفة بكيفية إدارة دولة، وواصلوا ترديد الإتهامات بوجود مؤامرة تستهدفهم، ولم تكن أشباح المؤامرة قد فارقتهم فبقيت جزءاً من تراثهم الذهني، منذ كانت السلطات تلاحقهم وتترصدهم .

ولو أنهم وهم في السلطة، قد تعاملوا مع الدولة، من واقع كونهم يحكمون شعباً متنوعاً، لكانوا قد مدوا أيديهم إلى أصحاب الخبرة، والتخصص، والمعرفة، ليعاونوهم في الحكم، ولكانوا قد أحرزوا نجاحاً - في حل المشكلات المتراكمة، والمضي في طريق

ينهض بالدولة فعلاً وليس قولاً .

ولما كانت المشكلة الاقتصادية تشكل الهم الأول والأساسي للبلاد، فقد كان المنطق يقضي بأن يحذوا حذو الدول الصغيرة التي انطلقت في طريق النجاح، من نقطة بداية، صارت هي قاعدة للنجاح، وهي الدعوة إلى مؤتمر اقتصادي يحضره مختلف الخبراء الاقتصاديين في الدولة، من المشهود لهم بالفكر المتنور، والرؤية الاستراتيجية، من مختلف التوجهات أياً كانت . وأن تجري بينهم مناقشات تقود إلى تشخيص علمي للوضع الاقتصادي، يعقبه تحديد الأهداف التي تمثل رؤية الدولة للحاضر والمستقبل، ثم وضع خطة استراتيجية، لحل المشكلات على المدى القصير، وتحقيق إنجازات في جميع قطاعات الدولة، على المدى المتوسط، والطويل .

لكن نقطة البداية، غابت عن النظام، وغابت كذلك نقاط مضيئة أخرى . فمثلاً كانت أمامهم مشروعات غير تقليدية، كان علماء مصريون، قد عكفوا على دراستها طوال عشرات السنين الماضية، ووضعوا لها خططاً إنتاجية زراعية، وصناعية . لكنها بقيت حبيسة الأدراج .

كان أمامهم دعوة علماء مصريين في الخارج، إلى مؤتمر يعقد في مصر، يطرحون فيه رؤيتهم لنهضة اقتصادية، لكنهم لم يفعلوا .

وأذكر أنني حضرت العام 1998 في واشنطن، ولمدة ثلاثة أيام، مؤتمراً كان عنوانه “مؤتمر العلماء المصريين في أمريكا الشمالية وكندا”، وقدم المشاركون فيه أوراق عمل، لحل مختلف المشكلات التي تواجهها مصر، حتى تستطيع أن تحقق التقدم الذي تحلم به في فترة قصيرة .

كانت أمامهم فرصة دراسة تجارب الدول الصاعدة التي كسرت في سنوات قليلة، حاجز الفقر، وأن تقفز إلى أعلى مراتب التقدم والازدهار الاقتصادي .

كان أمامهم إمكان الاستعانة، بالأقدر والأكفأ من شخصيات مصرية، لديها إلمام تام بكل ذلك، وأن توليها رئاسة الحكومة، والوزارات الاقتصادية، والخدمية . . هذا لو كانت فكرة الوطن هي التي تقود التفكير .

وكان أمامهم للدخول في عالم تحكمه المنافسة، بالتوجه بالاهتمام إلى صناعات كان لمصر فيها التفوق في سنوات مضت ثم تدهور حالها، ومنها على سبيل المثال، صناعة الغزل والنسيج . وأن تعيدها إلى عصرها الذهبي .

إن طريق النجاح ليس مغلقاً، بل هو مفتوح أمام مصر، فلديها وفرة من الموارد المادية، والبشرية، لكن النجاح يحتاج إلى فكر وإدارة، وإعلاء شأن الوطن فوق أي شيء آخر .http://41.131.26.223