رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

مصطفى الفقي يكتب :أفكارٌ من خارج الصندوق

جولة عربية

الثلاثاء, 30 أبريل 2013 14:27
مصطفى الفقي يكتب :أفكارٌ من خارج الصندوق	مصطفى الفقي

محصورون نحن في صندوق مغلق، وقد قالت بعض الكتابات الأجنبية إن مصر كالفيل الضخم الحبيس في حجرة ضيقة، ونحن نهدف من السطور

المقبلة أن نؤكد أننا بحاجة إلى رؤى جديدة وأفكار غير تقليدية للخروج من المأزق المقيت الذي حشرنا أنفسنا فيه، فأصبحنا بالفعل أسرى لأفكارٍ عفا عليها الزمن، وتصرفات روتينية، وتصورات عاجزة تعكس فقر الخيال وعدم القدرة على تحديد ملامح الدولة العصرية الحديثة التي يجب أن نتجه نحوها .

وقد يقول قائل إن التفكير النمطي هو ميراثٌ مصري لبلدٍ عريق يتمسك بالتقاليد ويصنع الأعراف ويعشق النبش في الماضي ويكون الرد الفوري أن الدنيا قد تغيرت تماماً والعالم يتطور بسرعة مذهلة، كما أن مصر ذاتها قد دخلت غرفة العمليات الجراحية وتحتاج إلى علاج أمراضها وبتر فسادها وإنعاش دورها، ولن يتحقق ذلك بالتأكيد في ظل الأوضاع السياسية الحالية، حيث الصراع المحتدم على السلطة مع الرغبة الدفينة في الاستحواذ واتباع أساليب العزل والإقصاء مع التعميم المخل الذي يطيح الكفاءات، ويعصف بالخبرات في بلد يبدو أشد ما يكون حاجة إلى عقول كل أبنائه وقدرات جميع مواطنيه، وهنا يتعين علينا أن نطرح الملاحظات التالية:

* أولاً: يتحدث الكثيرون عن “النموذج التركي” وبريقه، خصوصاً مع وصول التيار الإسلامي إلى الحكم في مصر، وقد توهمنا  خطأ أو صواباً  أن وجود حزب “العدالة والتنمية” في السلطة بالدولة التركية هو كفيل بإعطاء المقارنة مشروعيتها بالتوازي مع حزب “الحرية والعدالة” في مصر، وواقع الأمر مختلف إلى حد كبير، فالمزاج التركي أوروبي النزعة مختلف النظرة، والإسلام هناك مخزونٌ حضاري أكثر منه نموذجاً سياسياً، وأنا ممن يعتقدون أن تطبيق هذا النمط التركي شيء رائع ولكني أظنه صعب التحقيق، فالمزاج المصري مختلف والدين متجذر لدينا على نحو غير مألوف في العالم المعاصر، لذلك فإنني أستبعد فكرياً ذلك النموذج “الأناضولي” وأتجه إلى ما أراه أقرب للنموذج المصري وأعني به “التجربة الهندية” التي عايشتها شخصياً أربع سنوات، وأظنها

شديدة القرب من الواقع المصري . فالتشابه بين الشعبين كبير مع تقارب في مستوى المعيشة، وتماثل في الضغوط اليومية إلى جانب مخزون ثقافي ضخم وركام هائل من التقاليد الموروثة والقيم العتيقة، فضلاً عن أن “الهندوسية” - الديانة السائدة في الهند - تمثل ما يقارب نسبة المسلمين في مصر بينما تقترب نسبة المسلمين هناك من نسبة الأقباط لدينا، وأنا لا أخفي صراحة إعجابي “بالتجربة الهندية” لدولة هي أكبر ديمقراطيات العالم التي استطاعت أن تقفز في العقود الأخيرة لتصبح دولة اكتفاء ذاتي من الحبوب الغذائية ودولة فضاء، بل ودولة نووية أيضاً، وواحدة من الدول العشر الصناعية الكبرى، بل وزادت على ذلك أن وضعت على قمتها عدداً من الرؤساء المسلمين أذكر منهم “ذاكر حسين” و”فخر الدين علي أحمد” و”مولانا عبد الكلام” ونائب رئيس الجمهورية “محمد هدايت” وقائد الطيران “الجنرال لطيف”، بل قد يدهش البعض حين يعلم أن رئيس الحكومة يوجه كلمة إلى الشعب الهندي في “المولد النبوي الشريف” مجاملة للأقلية المسلمة رغم العداء مع الجارة باكستان التي قسم ميلادها شبه القارة الهندية لأسباب دينية . ولقد كنت أحلم ومازلت -  وليس كل الحلم وهماً -  بنظام برلماني في مصر على النسق الهندي يصبح فيه رئيس الدولة هو الأول في “البروتوكول”، ولكن رئيس الحكومة هو الأول سياسياً . إن هذا النظام يؤدي إلى التوازن السياسي الحقيقي ويضع على قمة الدولة رئيساً يملك شكلياً ولا يحكم فعلياً، وعلى رأس الحكومة خبير متميز لا يملك ولكنه يحكم، ونحن نلاحظ أن نظم الحكم البرلماني في العالم كله هي أكثر استقراراً من النظم الرئاسية وأكثر احتراماً من النظم اللاديمقراطية بالمرة
والتي تتأرجح بين النظامين ولا تحقق أهداف أحدهم .

* ثانياً: إن التناغم بين السياسة الداخلية والدور الإقليمي واحد من لزوميات سيادة الدولة وقدرتها على تقديم ذاتها للمنطقة التي تعيش فيها وللعالم الذي تتعامل معه بجدية واحترام، ونحن نظن أن السياسة الخارجية امتداد طبيعي للسياسة الداخلية، ويجب ألا يكون هناك تناقض بينهما . فالحرية في الداخل هي تاج السيادة في الخارج، كما أن علاقات الدولة بنظيراتها تضع في الاعتبار دائماً الضغوط الداخلية والآمال الشعبية، وتتحدد أحجام الدول وأوزانها بثقلها الاقتصادي قبل دورها السياسي، من هنا نظن أن تحييد دور السلطة وتغليب برنامج عمل طويل المدى لا يتأثر بالمواقف السياسية يقوم على خطط واضحة وبرامج مدروسة وسياسات واقعية تمهد لاستراتيجيات بعيدة، إن ذلك هو المدخل الطبيعي للدولة القوية الحديثة .

* ثالثاً: عندما نكون محصورين داخل الصندوق فإننا لا ندرك عاملاً خطراً يجب وضعه في الحسبان، وأعني به “صراع الأجيال”، وهو أمر يجب الالتفات إليه، وأنا على يقين من أن جزءاً كبيراً من محنة مصر الراهنة وأزمتها الحالية يكمن في غيبة الدور السياسي للشباب، ويجب أن نتأمل رموز الحكم القائم و”جبهة الإنقاذ” المعارضة لندرك أن معدلات العمر تُسقط من حساباتها بشكلٍ واضح عنصر الشباب الذي كان وقود الثورة وركيزة الميدان في الثمانية عشر يوماً الأولى لاندلاع انتفاضة “ميدان التحرير”، وهنا أحذر من مواصلة تهميش الشباب وأيضاً تهميش المرأة، وأخيراً وليس آخراً تهميش الأقباط فمبدأ “المواطنة” يعني المساواة بين مختلفين في الأعمار والأديان والنوع والثروة وغيرها من أسباب التباين بين البشر .

رابعاً: إن أعمدة الدولة المصرية هي ركائز البقاء والتواصل لدولة ظلت مستمرة على امتداد آلاف السنين بلا انقطاع وحملت مشاعل النور من دون توقف، وأضاءت المنطقة حولها لذلك فإن الحفاظ على أعمدة مصر من “قواتٍ مسلحة” و”قضاءٍ” و”شرطة” ورصيدٍ موروث من الخبرة والثقافة والتعليم هي كلها أساسات لا يمكن العبث بها أو التفريط فيها .

* خامساً: إن مؤرخ الجغرافيا جمال حمدان لم يكن هازلاً عندما تحدث عن عبقرية الزمان والمكان، بل والسكان أيضاً، في مصر، لذلك يتعين علينا أن ندرك أننا في صراع مع حركة العصر ودورة التقدم ولابد لنا أن نعي دوماً أن الحياة كالعوم ضد التيار التوقف فيه يعني العودة إلى الوراء .

هذه أفكارٌ خاطفة أسرّبها من خارج الصندوق إلى داخله طالباً الرشد في ما نقرر، والحكمة في ما نعمل، والوطنية في ما نحكم .