رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

مصطفى رجب يكتب :بالتربية لا بالقانون !! (1)

جولة عربية

الجمعة, 05 أبريل 2013 13:48
مصطفى رجب  يكتب :بالتربية لا بالقانون !! (1)

زفت إلينا القنوات الفضائية تقارير دولية حديثة تؤكد أن مصر تحظى بمكانة دولية رفيعة فهي – وحدها – تختص بالثلث أي بنحو 30% من ضحايا الطرق على مستوى العالم!! ولعل هذا التميز يعوضنا عن الهزائم النكراء في بقية ميادين الحياة، وخروجنا من المنافسات الدولية في أي مضمار.

والغريب أن حكومتنا الإلكترونية توظف كل كوارثنا لجباية الأموال، فكل تشريع يصدر يندر أن يكون وراءه هدف إلا (تنفيض) جيوب المطحونين، ومن أبشع ما صدر هذا العام قانون المرور، فمنذ صدوره تزايدت حوادث الطرق وتضاعفت أعداد الضحايا.
والحل في قضايا المرور والتحرش والنشل والتثبيت والسطو وغيرها من جرائم الشارع لا يكون أبداً بالتشريع، بل يكون بالتربية، والتهذيب، ووجود القدوات الصالحة في كل المواقع
ولقد أنزل الله تعالى كتابه العزيز ليكون هاديا للمؤمنين، ودستورا شاملا لحياتهم، ونبراسا يسترشدون بنور هديه فيستقيم سلوكهم وفق الشرع الحنيف، ولذلك لم يفرط ربنا عز جاهه في شيء كما قال تعالى: {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ } [الأنعام /38 ]
وإذا جهد العلماء –بشتى تخصصاتهم – في تدبر القرآن الكريم فسيجدون لكل مشكلة حلا، ولكل أزمة سبيلا، ولكل مأزق مخرجا. والتربويون على وجه الخصوص مطالبون أكثر من غيرهم بتدبر القرآن، والنظر في أسراره، بحكم كونهم معنيين بدراسة السلوك البشري، ومحاولة إقامته على أرشد السبل وأقومها.
والمرور في الأصل ليس مشكلة بذاته، لكن ما اكتنف حياة الناس من تسارع، وتنافس، وحب للغلبة، ورغبة في التفاخر والتظاهر، وما تعانيه الطرق من ازدحام وتكدس، وتقصير المختصين في توفير أماكن للوقوف، وانعدام التربية الأسرية السلوكية أو ضعفها، واختلاط التشريعات الخاصة بالمشاة والسائقين وإشارات المرور.. إلخ، كل تلك المؤثرات جعلت من عملية " المرور" مشكلة نراها جديرة بالبحث والتحليل في ضوء معطيات الكتاب العزيز.
آداب سير المشاة:
لقد نبهنا القرآن الكريم إلى أن للسير في الطرق آدابا وأحكاما يجب مراعاتها منها:
1- الاعتدال والتمهل:
قال تعالى:{وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ }

[ لقمان / 19]
أي امش مقتصدا مشيا ليس بالبطيء المتثبط ولا بالسريع المفرط بل عدلا وسطا بين بين، وهذه الآية وردت في سياق وصية لقمان لابنه فبعد ما نهاه عن الخلق الذميم رسم له الخلق الكريم الذي ينبغي أن يستعمله فقال: "واقصد في مشيك" أي توسّط فيه. والقصد: ما بين الإسراع والبطء؛ أما ما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام من أنه كان إذا مشى أسرع، وقول عائشة في عمر رضي الله عنهما: كان إذا مشى أسرع - فإنما أرادت السرعة المرتفعة عن دبيب المتماوت، وقد مدح الله سبحانه من هذه صفته فقال تعالى:
{وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً } [الفرقان/ 63]
أي يمشون بسكينة ووقار من غير تجبر ولا استكبار، وليس المراد أنهم يمشون كالمرضى تصنعا ورياء وإنما المراد بالهون هنا السكينة والوقار كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها وعليكم السكينة فما أدركتم منها فصلوا وما فاتكم فأتموا".
وقوله تعالى: "هونا": الهون مصدر الهين وهو من السكينة والوقار. وفي التفسير: يمشون على الأرض حلماء متواضعين، يمشون في اقتصاد. والقصد والتؤدة وحسن السمت من أخلاق النبوة. وروي في صفته صلى الله عليه وسلم أنه " كان إذا زال زال تقلعا، ويخطو تكفؤا، ويمشي هونا، ذريع المشية إذا مشى كأنما ينحط من صبب". [ التقلع: رفع الرجل بقوة، والتكفؤ: الميل إلى سنن المشي وقصده. والهون: الرفق والوقار. والذريع الواسع الخطا؛ أي أن مشيه كان يرفع فيه رجله بسرعة ويمد خطوه؛ خلاف مشية المختال] كما قال القاضي عياض.
2- خفض الصوت:
ومن آداب السير أيضا خفض الصوت، ويدخل في ذلك – في رأينا – ما يلجأ إليه بعض السائقين
من إساءة استعمال زامور السيارات، وارتفاع أصوات الأغاني الصادرة من المذياع أو أجهزة التسجيل وأصوات الناس أنفسهم فإن في ذلك كله إزعاجا لسكان المنازل المتاخمة للطرق، كما أن فيه إرباكا للسائقين الآخرين، وقوله تعالى (واغضض من صوتك) أي لا تبالغ في الكلام ولا ترفع صوتك فيما لا فائدة فيه، ولا تتكلف رفع الصوت وخذ منه ما تحتاج إليه؛ فإن الجهر بأكثر من الحاجة تكلف يؤذي. والمراد بذلك كله التواضع؛ وقد قال عمر لمؤذن تكلف رفع الأذان بأكثر من طاقته: لقد خشيت أن ينشق مُرْيَطاؤك! [ والمؤذن هو أبو محذورة سمرة بن معير. والمريطاء: ما بين السرة إلى العانة.] وقوله تعالى "إن أنكر الأصوات لصوت الحمير" أي أقبحها وأوحشها؛ والحمار مثل في الذم البليغ والشتيمة، وكذلك نهاقه؛ وفي الآية دليل على قبح رفع الصوت في المخاطبة وتشبيه له بقبح أصوات الحمير؛ لأنها عالية. وفي الصحيح عن النبّي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (وإذا سمعتم نهيق الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان فإنها رأت شيطانا). وهذه الآية أدب من الله تعالى بترك الصياح في وجوه الناس تهاونا بهم، أو بترك الصياح جملة؛ وكانت العرب تفخر بجهارة الصوت الجهير وغير ذلك، فمن كان منهم أشد صوتا كان أعز، ومن كان أخفض كان أذل، حتى قال شاعرهم:
جهير الكلام جهير العطاس
جهير الرواء جهير النعم
ويعدو على الأين عدوى الظليم
ويعلو الرجال بخلق عمم
فنهى الله سبحانه وتعالى عن هذه الخلق الجاهلية بقوله: "إن أنكر الأصوات لصوت الحمير" أي لو أن شيئا يهاب لصوته لكان الحمار؛ فجعلهم في المثل سواء.
وبذلك نتأدب بأدب القرآن الكريم، ونرى في إساءة استعمال آلة التنبيه في السيارات تشبها بأخلاق الجاهلية، إذ إن الضغط على تلك الآلة باستمرار، واختيار الأنواع المزعجة منها فيه نوع استكبار واستعلاء وتفاخر وكلها من صفات الجاهلية.
3- غض البصر:
وهذا الخلق ليس بعيدا عما نحن بصدده، فالسيارات لها حكم المسكن من جهة الحرمة
فلا يحل للمشاة ولا للسائقين أن يدققوا النظر في سيارات الآخرين لئلا ينتهكوا حرماتهم ويسببوا لهم الحرج.
4- حمد الله على نعمة الطرق:
إن الله تعالى امتن على عباده بما مهد لهم من الطرق، ونحن نرى ما تعانيه الدول حاليا حين تتكلف شق طريق وتمهيده، فتنفق الأموال وقد تهدر الأرواح – كما حدث في شق قناة السويس وكان الضحايا بالآلاف –فما خلقه الله تعالى من طرق ممهدة نعمة جديرة بالشكر والحمد والامتنان، قال تعالى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى } [ طه / 53] .
نقلا عن صحيفة الحياة