رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

سليمان جودة يكتب :الصحيح في القاهرة وتونس.. والأصح منه!

جولة عربية

الخميس, 14 فبراير 2013 13:31
سليمان جودة يكتب :الصحيح في القاهرة وتونس.. والأصح منه!

كان الباجي قائد السبسي، رئيس وزراء تونس السابق، قد خص «الشرق الأوسط» بتصريح قال فيه إن حزب «حركة نداء تونس»، الذي يرأسه هو، سوف يدخل في تحالف مع حزبين آخرين، تحت مسمى «الاتحاد من أجل تونس».

لاحقا، زاد عدد الأحزاب المشاركة في الاتحاد إلى خمسة أحزاب، وقيل إنه سوف يسعى بأحزابه الخمسة إلى مواجهة الأحزاب الثلاثة (الترويكا) الحاكمة في تونس اليوم، وعلى رأسها حركة النهضة الإسلامية، من أجل إحداث توازن في الحياة السياسية التونسية بوجه عام، وهو أمر يجعل هذا الاتحاد، في إجماله، أقرب ما يكون إلى جبهة الإنقاذ الوطني في القاهرة، التي تسعى بدورها إلى مواجهة جماعة الإخوان، بشكل خاص، وأحزاب التيار الإسلامي المتحالفة معها، بصفة عامة!
غير أن الشيء الأهم، الذي كشف عنه الباجي عند إطلاق تصريحه إياه، هو أن حركة النهضة عاجزة عن إدارة أمور البلاد، بما يجعلنا أمام شكوى تكاد تكون طبق الأصل مما يتردد في مصر، هذه الأيام، وقبل هذه الأيام، إزاء مدى قدرة جماعة الإخوان الحاكمة على إدارة أمور الدولة المصرية، وتسيير مجالات العمل فيها بصورة طبيعية!
يتبين لك، إذن، أنك أمام فكر حاكم يكاد يكون واحدا في البلدين، ثم يتبين لك أيضا أن ما يؤرق الناس هنا، في القاهرة، هو ذاته ما يضج منه التونسيون، هناك في تونس العاصمة!
وحين تتأمل القصة أكثر سوف يتضح لك أن التيار الإسلامي في العاصمتين يكاد يعترف بعجزه عن إدارة أمور الناس، غير أنه، في اللحظة ذاتها، لا يترك فرصة مواتية إلا ويؤكد فيها على أن عجزه هذا ليس راجعا إلى قلة حيلته، ولا إلى فقر في فكره، ولا إلى جفاف في عقله، بقدر ما هو راجع إلى شيئين أساسيين: أولهما أن الاعتصامات، والاحتجاجات،

والمظاهرات، على امتداد الدولة، لا تعطيه الفرصة الكافية التي يستطيع من خلالها أن يبدي براعته في إدارة الأمور العامة، ولذلك فهو من وجهة نظره معذور، كما أنه يلح في طلب الفرصة! هذه واحدة.. أما الشيء الثاني فهو أن التركة الموروثة عن مبارك في مصر، ثم عن زين العابدين بن علي في تونس، ثقيلة للغاية، ولا يمكن معها لأحد أن ينجز عملا حقيقيا على الأرض!
ولا بد أن طرح الأعذار، بهذه الطريقة، يجعلك تسأل عن الموضوع بشكل مختلف، على النحو التالي: لو افترضنا أن الاعتصامات توقفت في الحال، ومعها تراجعت الاحتجاجات إلى الصفر، وأصيبت المظاهرات بالسكتة المفاجئة، هل في إمكان التيار الإسلامي الحاكم، وقتها، أن يدير أمور البلاد على نحو ما ينبغي فعلا؟! سوف يسارع واحد ويقول: نعم.. أعطونا الفرصة، وانتظروا!
جزئيا، قد يكون هذا صحيحا، ليبقى الأصح منه أن المشكلة لم تكن أبدا في اعتصامات معطلة، ولا في احتجاجات مكبلة، ولا في مظاهرات معوقة للتيار الإسلامي عما يريد فعله، ولن تكون، لأننا لو نذكر جيدا فإن الأجواء العامة وقت انتخاب الدكتور محمد مرسي رئيسا في شهر يونيو (حزيران) الماضي كانت مرحبة ومتعاطفة، وكانت تدعوه إلى أن يتقدم ويطرح رؤيته ويعمل، وكان المختلفون معه ومع تياره، وكذلك الذين انتخبوه ليس حبا فيه ولكن رفضا للمرشح المنافس، يساندونه ويتمنون نجاحه الذي هو عند تحققه نجاح لبلد قبل أن يكون نجاحا لشخص.
حدث هذا، وكان واضحا بما لا ينفع معه إنكار، ثم ما لبث المتابعون
للشؤون العامة، في مصر بالذات، أن تبينوا أن الجماعة التي رشحت مرسي رئيسا تفتقر تماما إلى وجود كوادر في داخلها لإدارة البلد، وكانت ولا تزال تفتقر إلى مسألة أهم من الكوادر القادرة، وهي «الرؤية» التي تميز بطبيعتها بين حاكم يمتلكها فيأخذ الحكم على أنه وسيلة لتحقيق مصالح الناس، وحاكم آخر يفتقدها فيظل الحكم عنده غاية في حد ذاته، لا وسيلة تنهض بها الأمة التي شاءت لها الأقدار أن يكون على رأس القيادة فيها.
هذه هي المشكلة التي تتكشف يوما بعد يوم، لأن افتقار أي حزب حاكم إلى كوادر ذات كفاءة يمكن التغلب عليه بالاستعانة بكوادر وطنية مستقلة، لا علاقة لها بهذا الحزب أو ذاك. فإذا كنت أنت، كحزب حاكم، تجد عندك كوادرك، أو حتى تجدها عند غيرك، فماذا سوف تفعل بها إذا لم تكن عندك «الرؤية» المسبقة الجاهزة التي توظف مثل هذه الكوادر في مشروع قومي عام ينتشل البلد من عثرته؟! ولا نريد من أحد أن يقول لنا إن الرؤية موجودة وإنهم ينتظرون هدوء الأوضاع لتقديمها. لا، لا يصح أن يقال هذا أبدا، لأن «الرؤية» من هذا النوع لا يمكن أولا أن تظل سرا هكذا، ولأنها ثانيا لو كانت جاهزة وتم طرحها منذ اليوم الأول في الحكم في العاصمتين لكان الشارع أهدأ بكثير الآن، لأنه عندئذ كان سوف يهدأ في مقابل ثمن يراه يدنو أمام عينيه. إذ معنى الرؤية في نهاية المطاف أن يكون رعايا الحاكم على يقين بأنه يملك حلا جذريا لمشكلاتهم، من خلال مدى زمني له بداية وله أيضا نهاية، وبالتالي فالأمل يبدو مجسما أمام الأعين، في هذه الحالة، مهما كان بعيدا!
الرؤية تتوافر عندما يعلن الحاكم، في أول أيامه، أنه يريد أن يصل ببلاده إلى هدف محدد، ثم يعلن كذلك عن الأدوات العملية التي سوف يصل بها إلى هذا الهدف، تحت سقف زمني معلوم ابتداء، وبما أن ذلك غير متوافر في القاهرة ولا في تونس فإنك تكاد تشك في أن هناك بين التيار الإسلامي الحاكم في العاصمتين من يغذي الاحتجاجات، والاعتصامات، والمظاهرات، بطريق غير مباشر، لتبقى جميعا بمثابة «شماعة» يمكن تعليق الفشل عليها، عند الضرورة، وحين تحين لحظة الحساب!