رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

شريف عبد الرحمن سيف النصر يكتب :مصر والسير عكس التوقعات

جولة عربية

الأربعاء, 13 فبراير 2013 13:36
شريف عبد الرحمن سيف النصر يكتب :مصر والسير عكس التوقعات

•  (في ضوء الحالة العامة من القلق التي يستشعرها الكثير من المصريين خوفا على ثورتهم وهي تواجه نخبة لا هم لها سوى الحيلولة بين البلاد وبين استعادة هويتها الحضارية، لا بأس من شحذ الهمم من خلال التذكير ببعض التحديات التاريخية المماثلة التي اجتازتها مصر، والتي أظهرت بشكل لا لبس فيه إلى أن مصر كانت ولا تزال بلد يسير دوما عكس التوقعات. فحين كان يبدو للجميع أن الهوية المصرية سوف تنسحق تماما أمام تحد ما، كانت سرعان ما تعتدل من جديد، وتستعيد شخصيتها الحضارية التي يمثل الإسلام قلبها النابض.

والأمثلة التاريخية على ذلك كثيرة ولكننا نستأنس فقط بمحطتين فاصلتين شهدت مصر فيهما تحديين مسّا هويتها الحضارية وطابعها الإسلامي، في الأولى جرت محاولة لاقتلاع مصر من جذورها الحضارية السنية لصالح مذهب جديد، وفي الثانية جرت محاولة لتحويل مصر باتجاه الصبغة القومية وذلك على حساب الرابطة الإسلامية.
فخلال فترة الحكم الفاطمي الشيعي، قامت النخبة الوافدة من بلاد المغرب، والتي نسبت نفسها إلى آل البيت، بمجموعة من الخطوات الممنهجة للقضاء على الهوية الإسلامية الوسطية المميزة لمصر، فكان أن اتخذت القاهرة مقرا لحكم الدولة الجديدة وعاصمة لها، وأنشأت العديد من المؤسسات اللازمة لتنفيذ عملية التحول من المذهب السني إلى المذهب الشيعي، مثل الجامع الأزهر والذي تحول فيما بعد إلى جامعة يقوم الفقهاء فيها بنشر التشريع الشيعي بالأساس، ودار الحكمة التي أنشئت لنفس الغرض.
كما تم أيضا تغيير صيغة الأذان الذي يطرق أسماع المصريين يوميا من الصيغة السنية إلى الصيغة الشيعية، ووضعت مقولات المذهب الغازي على النقود التي كان يستخدمها المصريون، وتم تفضيل معتنقي المذهب الجديد بتعيينهم فى الوظائف الهامة فى الدولة، واستحدثت الحفلات والطقوس التي تغلب عليها البهجة لربط المصريين بالمذهب الجديد، وأخيرا وليس آخرا أغدقت الأموال على الشعراء لكي يؤدوا دورا إعلاميا، يرتكز على مدح مذهب المنتصرين ومحاصرة عقول

المصريين به في كل مكان.
ولكن كل هذه الخطوات لم تصمد أمام رسوخ الطابع الحضاري للإسلام في مصر، فتم الكر عليها بالإبطال، وعاد التسنن والإسلام الوسطي ليصبغ حياة المصريين من جديد. وبعد أن كانت مصر قاب قوسين من أن تكون معقلاً من معاقل التشدد المذهبي، تحولت المؤسسات التي أنشأت لحرف البلاد باتجاه المذهب الجديد إلى منارات لنشر الإسلام الوسطي وتأكيد الوجه الحضاري المتميز لها.
أما التحدي الثاني الذي شهدته الهوية المصرية فقد تمثل في محاولة نخبة وافدة (هذه المرة من بلاد الشام) إحلال القومية اللسانية محل التوجه الحضاري الإسلامي لها. فمنذ السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر وفد على مصر عدد من دعاة القومية العروبية ليستقروا بها، وكان هؤلاء في معظمهم من المسيحيين الشوام، ولقد حاول هؤلاء أن يحلوا فكرة الانتماء للسان العربي محل الانتماء للرابطة الإسلامية التي كانت متجذرة في نفوس وعقول المصريين. وعمدت هذه النخبة إلى تحاشي الحديث عن الماضي الإسلامي لصالح الحديث عن الحاضر العربي، ونالت اللغة العربية كل عنايتهم، ورغم ذلك فقد كانت طموحاتهم سياسية أكثر منها أدبية، وكانت موجهة ضد الحكم العثماني، وذلك بهدف تفكيك حاضرة الخلافة إلى عدد من الكيانات القومية.
استقبلت مصر هذه الدعوات، التي اكتسبت إلى صفها العديد من رموز النخبة السياسية، بالقلق. ففي مواجهة الهجمة الغربية على دول المشرق، كان التمسك بالرابطة الإسلامية هو رد الفعل الطبيعي والمنطقي، وبالفعل وقف العديد من رواد الحركة الوطنية المصرية مثل مصطفى كامل ومحمد فريد في مواجهة هذه الدعوات، وكان مصطفى كامل تحديدا يرى فى الإسلام الشعلة التي ينبغي أن تذكى الشخصية المصرية
الحائرة بين أيدلوجيات الغرب وأن يهيء لها الدعائم الأصلية التي تنقصها.
وقد ظلت مصر ملتزمة بالتوجه الحضاري الإسلامي حتى بعد أن تخلت عنه تركيا نفسها، وتحديدا بعد القطيعة التي جرت بين حاضرة العالم الإسلامي وبين الإسلام، إثر إلغاء الخلافة وإعلان العلمانية كمذهب رسمي للدولة في تركيا. ولكن يبقى القول إن مصر رغم رفضها للحركة القومية، فإنها قد لعبت دورا لا تخطئه العين في نهضة اللغة والثقافة العربيتين.
التحدي الذي تشهده مصر هذه الأيام يمثل المحطة الثالثة ضمن محطات كثيرة لعرقلة توجهها الحضاري الإسلامي، فبعيدا عن التفاصيل السياسية المربكة، يمكن القول أن حاملي لواء الهجمة التي تشهدها مصر حاليا هم من صفوف النخبة المتغربة التي تحاول صبغ البلاد بصبغتها، والانحراف بها عن توجهها الحضاري الإسلامي. ففي أعقاب ثورة شعبية سلمية، أتيح للمصريين بعدها أن يمارسوا الاختيار الحر لتحديد هويتهم الحقيقية، وظهر أنهم يميلون لاستعادة شخصيتهم الحضارية المصبوغة بالدين مرة أخرى، ثارت ثائرة النخبة العلمانية، التي تتخفى خلف شعارات الدولة المدنية، وبدأت جهودها الممنهجة للحيلولة دون هذه الصحوة، ووضعت في سبيلها كل العراقيل الممكنة، بما فيها ما يمكن أن يدفع بالبلاد إلى حافة الهاوية؛ من مثل استعداء الخارج، تحطيم سمعة الاقتصاد الوطني، إثارة بواعث الفتنة الطائفية، تأجيج العنف الشعبي، وربما مباركة الاقتتال الداخلي بين أبناء الوطن الواحد.
ولكن ما تقوم به هذه النخبة في مصر من احتجاجات مشوبة بالعنف لا يمكن أن ترقى إلى مستوى الثورة الحقيقية، فالمشهد السياسي على ما به من عثرات ليس مشهدا استبداديا أو طغيانيا، كما كان الحال منذ عامين مضيا، الأمر الذي يوحي أن هذه النخبة تحاول الالتفاف على الإرادة الشعبية التي تبلورت لصالح الهوية الإسلامية. وما محاولة إفشال الدولة وجرها إلى العنف إلا بهدف الحيلولة دون نجاح هذا الخيار واستوائه على سوقه. فالنخبة التي تبارك هذا العنف لا تريد أي ارتباط للدولة بدينها، وتعارض أي نص يشير إلى هذه الهوية ولو تلميحا فى دستورها، وترفض أى دور لمؤسساتها الدينية فى الحياة العامة.
ولكن كما تخطت مصر تحدي المذهب وتحدى اللسان، فإنها يرجى بإذن الله أن تتجاوز تحدي الهوية. فقد تحرك قطار الوعي الحضاري في مصر، ولن يوقفه بمشيئة الله إرجاف نخبة صاخبة أو إعلام مدلس أو بقايا نظام سابق يستميتون من أجل تثبيت عجلة التاريخ عند لحظة قد تجاوزها الزمن.
نقلا عن صحيفة الشرق القطرية