رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

جيهان أبوزيد تكتب:من قلب السيدة زينب تنطلق مظاهرة النساء

جولة عربية

الثلاثاء, 12 فبراير 2013 14:45
جيهان أبوزيد تكتب:من قلب السيدة زينب تنطلق مظاهرة النساءجيهان أبوزيد
بقلم: جيهان أبوزيد

المشهد المذهل كان حين تقدمت السيدة «ليلى دوس» مظاهرة نسائية هائلة انطلقت من منطقة «السيدة زينب» بالقاهرة. السيدة التي تعدت التسعين عاماً كانت تتقدم المظاهرة مدفوعة على مقعد متحرك تهتف ضد التحرش بالنساء، وضد كل فعل يهين ويؤذي المرأة، لم يُصدم الحي الشعبي المحافظ من انطلاق المظاهرة من قلبه، فنساء الحي أيضاً يعانين من التحرشات بكافة أنواعها لكنهن ورغم ذلك مازلن يذهبن للمدارس ولأعمالهن ولعربات الخضار الخشبية التي تديرها بعضهن، لكنهن وفي وسط كل ذلك ينزفن وجعاً وخوفاً.

المظاهرة خرجت إثر التحرش الواسع المتعمد الذي تجاوز التحرش واندفع في جنون ليطال المتظاهرات في الجمعة الأخيرة من الشهر الماضي. باتت مظاهرات التحرير موعداً مع التعدي على النساء حيث يقف مجموعة من الشباب والرجال لهم ملامح متقاربة يترصدون صيدهم ثم يندفعون جماعة ويلتفون حول الضحية ليعزلوها عن محيطها قبل الانقضاض عليها. وهكذا ينتهي يوم المظاهرة الكبيرة بعزاء أخلاقي وكابوس مفزع يُمرر حياة المصابات وأسرهن وكل المحيطين بهن. ينتهي يوم المظاهرة ومرارة تنتشر في حلق مصر نساءً ورجالا. ينتهي اليوم وغاز من نوع جديد ينفذ لقلوب المتظاهرين ويتركهم موجوعين.
التحرش بالنساء يكشف الغطاء عن ضعف الدولة وعن تراخيها في حفظ أمن سكانها، وفي مصر وعدد آخر من الدول العربية لا تفتقد النساء إلى قوانين تُجرم العنف ضدهن في الشوارع وفقط بل وأيضاً نفْتقد لشرطي مؤمن باحترام آدمية النساء واحترام أجسادهن.. شرطي يعتبر التعدي على النساء تعدياً على

حق من حقوق الإنسان في العيش في بيئة آمنة، وكما تصيب الإعاقة جزءاً ما بجسد الإنسان فيفقد وظيفته يتسبب التعدي على جسد الإنسان –امرأة أو رجلا- بإعاقة مزمنة تسكن قلبه وروحه وتتركه ينزف على مدى حياته. هكذا شبّه علماء النفس التعدي على الجسد عاتبين على الثقافة العربية إهمالها للعلاج النفسي والتقليل من شأنه.
التحرش بالنساء لا يضرب فقط أجساد النساء ولا قلوبهن بل يضرب في الذكور أيضاً من أهلهم ومعارفهم. التحرش بالنساء رسالة مبعوثة من أطراف خبيرة بثقافة مجتمعنا العربي.. واعية للجرح الذي يضرب في المجتمع إثر إيذاء جسد النساء. الرسالة التي بدأت أقل قسوة واكتفت بإرهاب النساء الزائرات للميدان تمادت مع الوقت حينما لم يخفت تردد النساء على الميدان ولم يقل عدد المتظاهرات. وفي يوم الجمعة وصلت إلى منتهاها حين بلغت حد الاغتصاب الوحشي.
إن الخطط الشيطانية للحد من الأصوات المعارضة ليست بجديدة وطالما وظّفتها أجهزة أمنية أخرى على مر التاريخ.. فقد صاحبت كل الحروب انتهاكات بالغة للنساء الأحياء.. ولم يخلُ صراع سياسي من الاعتداء على النساء لإذلالهن وإذلال المجتمع كله. كذلك تدفع أجساد النساء ثمن الفجوة التي تتسع كل يوم بين الفقراء والأثرياء، مع اتساع الفجوة يتسع الغضب وتتراجع القيم الأخلاقية ويسيطر الجوع
بكافة أنواعه وعلى رأسه الجوع للانتقام. وحين يرغب الضعفاء في الانتقام فالأسهل دوماً هو البحث عن كائن أضعف يبثون فيه الغضب ويفرغون فيه ما تراكم بداخلهم من عبء الانتقام. كان هذا ما حدث في الهند حين اغتصبت الطالبة الهندية على يد خمسة من الشباب الفقراء في سيارة للنقل العام في شهر ديسمبر الماضي والتي انتهت بموتها. الشباب العاطل الأمي لم يحتمل النظر لفتاة جامعية واعدة ينتظرها الاحترام من مجتمع نسي أغلب فقرائه. انقض الشباب على الإنسان الأضعف والذي تصادف أن كانت الفتاة التي وجدوا فيها فريسة سهلة للانتقام من المجتمع.. ولم يجدوا صعوبة في التعامل مع زميلها الذي كان بصحبتها والذي ضرب وقُيّد ثم قُذف به من السيارة كما قذف بها. في الأزمات يعود البشر إلى الكائن الأول بداخلهم وتتراجع القيم والأخلاق ويخفت صوت الدين ولا يستيقظ إلا الغضب والكره والحقد. لا تستيقظ إلا حماقات التفوق المدعومة إما بامتلاك السلاح أو امتلاك فكرة واهية عن تفوق الرجال عن جنس النساء.. فقط لأنهم خلقوا رجالا. الإنسان الأول الفردي الذي لم يعرف معنى العيش في جماعة لا يكترث إلا لجوعه وعطشه وغضبه. وحين ترعى الدولة الاحتياجات الأساسية لمواطنيها فإنها تؤهلهم لتنمية الإنسان بجوانبه الراقية المبدعة والخلاقة، ليصبح إنساناً كما يجدر بالإنسان أن يكون. وقد خلق الإنسان ليبني لا ليهدم. خلق الرجل ليعطي ويحنو ويعين ولهذا خلقت النساء أيضاً.. فمَن يدفع بنا ليصبح أحدنا ضحية الآخر.. مَن يدفع ببعض الرجال ليزرعون الألم والرعب في قلوب النساء وينجبن أطفالا خائفين؟
مَن ينثر في وطني وأوطان أخرى صراعاً سياسياً واقتصادياً يتصاعد منه غاز سام مُعَد خصيصاً لخنق الوطن؟
لا أعرف الرد الآن.. لكن ابنتي وأبناء جيراني وعدوني أنهم سيعرفون الرد. وسوف يلقون بحروف «الصراع» من قمة الهرم الأكبر الذي سيظل أبداً كبيراً.
نقلا عن صحيفة العرب القطرية