رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

عبد المنعم سعيد يكتب :لمن تدق الأجراس؟!

جولة عربية

الأربعاء, 30 يناير 2013 15:33
عبد المنعم سعيد يكتب :لمن تدق الأجراس؟!عبد المنعم سعيد

الفائدة الأساسية للبيروقراطية أنها تبقي على التقاليد والمواعيد والأعراف قائمة حتى ولو بدا أن الأوقات والأزمنة قد تغيرت، وفي ذلك عائد غير قليل؛

لأنها تبقي على «قائمة الأعمال» التي تم وضعها في أوقات غير عاصفة، وفي منطقتنا المتقلبة دوما لا يمكن العمل جريا وراء آخر المتغيرات؛ لأن هذه ذاتها قد تؤثر فيما يعد ثوابت لا يمكن تجاهلها. وحتى لا يبدو الكلام عائما، أو غير مفهوم، فإن قضية التنمية كانت وستظل في المستقبل المنظور قائمة على «الأجندة» العربية، لا يمكن تجاهلها أو غض البصر عنها، ومع ذلك فإن الحديث عنها في وقت تتقلب فيه الأوضاع العربية بسرعة البرق والرياح العاصفة يبدو ترفا من نوع أو آخر، حيث يظهر أن إطفاء الحرائق ربما تكون له الأولوية على خطط البناء الجديد.
وفي العالم العربي فإن الحرائق كثيرة، بعضها ساطع دخانا ولهبا كما هو الحال في سوريا، وبعضها الآخر يظهر في دخان ما بعد الحريق، حيث لا يعرف أحد عما إذا كان الحريق قد انتهى أو أنه بسبيله لمعاودة الالتهاب والشرر مرة أخرى كما يظهر في دول «الربيع العربي» التي يقال إنها تعيش آلام المرحلة الانتقالية.
وبعضها الثالث لا يزال يشعر بقلق عما إذا كان الحريق سوف يمتد من العالم الافتراضي إلى العالم الفعلي، أو أن بعضا من الإصلاح ربما يكون فيه الشفاء وتعود الأيام إلى سيرتها الطيبة الأولى.
كان ذلك كله حاضرا ساعة أن ظهر في المحطات الفضائية والإذاعات والصحف العربية أن قمة اقتصادية عربية تجري بالرياض وتعد امتدادا لتلك القمة التي عقدت في الكويت في شهر يناير (كانون الثاني) 2009، ثم في ذات الشهر بمدينة شرم الشيخ في 2011 قبل أيام قليلة من نشوب الثورة المصرية، وبينما كانت الثورة في تونس مستعرة.
حضرت هذه القمة الأخيرة ككاتب وصحافي، وكانت الأذهان كلها بعيدة تنتظر ما سوف يجري لبركان على وشك الانفجار، وعندما ذكّر عمرو موسى جمع القادة بأن ما يجري ليس «وعكة ثورية»، لم

يكن أحد مستريحا مما قال. الآن جاءت القمة في الرياض وقد قامت الثورات بالفعل، ورغم الوهج الذي تمتعت به على مدى العامين الماضيين فإن السؤال الملح ظل كما هو: ثم ماذا بعد؟ لقد تمت الإطاحة بعدة نظم، ولكن الأحوال لا تبدو أفضل بأي معنى، بل إنها ساءت دون معنى، ولم يأت الثوار بخلطة سحرية جديدة تخرج بلادنا من الظلمات إلى النور، وعلى العكس فإن ما أتوا به أدى إلى استنزاف ثروات قائمة واحتياطيات موجودة ومعدلات نمو متسارعة دون تحقيق ما جرى الادعاء به، وهو غياب «العدالة الاجتماعية». ولكن قمة الرياض لم يكن يمكنها تجاهل ما يجري دون تأثر بالمناخ السائد في المنطقة العربية، حيث انقسمت أعمال القمة إلى نوعين من الموضوعات: تقليدية أو جرب بحثها من قبل، وبشكل ما جرى العمل بها، وتحتاج إلى تفعيل وتنشيط، ومثال ذلك منطقة التجارة العربية الحرة التي تأخرت ثلاث سنوات والمزمع دفعها إلى الخطوة التالية، وهي التحول إلى الاتحاد الجمركي الذي يخلق حاجزا جمركيا على المنطقة العربية في مواجهة العالم الخارجي.
مثال آخر يظهر في دعم المشروعات المتوسطة والصغيرة التي يرى الجمع الاقتصادي العربي أنها مفتاح التنمية العربية الشاملة، وفي «تعزيز قدرات العمل العربي المشترك» و«تشجيع الاستثمار البيني» بين الدول العربية، و«الأمن الغذائي العربي»، و«الأمن المائي العربي»، وهكذا موضوعات.
ولكن الجديد هذه المرة أن بعضا من الموضوعات بدأت تدخل إلى قائمة العمل العربية، سواء لوضع محتوى جديد لموضوعات جرى بحثها من قبل، لكن دون محتوى مثل «البيئة والتنمية المستدامة» أو أنها جديدة ومستمدة من المناخ العام الذي فرض نفسه على المؤتمر.
وببساطة لم يعد ممكنا تجاهل أن الشباب لم يكن مفجرا للثورات العربية فقط، ولكنه
أيضا بدا حائرا بعدها، ويبحث عن دور جديد في مناخ طالت فيه أزمان الشيوخ أكثر مما كان مقدرا من قبل.
الشباب العربي من المحيط إلى الخليج لم يعد هو ذلك الشباب الذي أقام أسس النظام العربي، والدولة العربية، خلال عقد الخمسينات والستينات، وظل معنا حتى القرن الواحد والعشرين. وقضية الشباب بالتأكيد لها جانبها الاقتصادي المتمثل في البطالة وفرص العمل الغائبة، ولكن لها بعدها الجديد المرتبط بتكنولوجيات التواصل الاجتماعي والرغبة في تحقيق الذات.
والمرأة لم يعد ممكنا تجاهلها بعد تعليمها، وما بين الشباب والمرأة بات المجتمع المدني مع المؤسسات القائمة ظاهرة فاعلة في مجتمعات عربية كثيرة.
ولكن سواء كان الأمر متعلقا «بالأجندة» القديمة أو الجديدة، فإن أهمية المؤتمر هو أنه دق أجراسا كثيرة للمنشغلين بأيام «الغضب» التي تأخذ من المجتمعات كثيرا من حالتها النفسية والعصبية، ولكنها لا تضيف الكثير أو حتى توقف نزيف الموارد الواقع على مجتمعات عربية كثيرة.
وهنا تحديدا تقع معضلة المؤتمر الكبرى، فالآلية الرئيسية لتحريك الاقتصاد والمجتمع في كل دولة عربية تقوم على عناصر كلها قلقة وغير مستقرة. فالشباب المراد تحريكه لا يزال منشغلا بمناخ «الربيع» الذي لم يعد ربيعا على الإطلاق، وحتى لو كان، فقد بات محملا بكثير من العواصف الرملية الخماسينية الساخنة. والمرأة المراد مشاركتها حصلت على مكاسب هامة مؤخرا في عدد من الدول العربية، خاصة السعودية، حينما حصدت 20 في المائة من مجلس الشورى، يبدو أنها حصلت على خسائر صافية في دول «الربيع»، حيث تراجعت مكانتها في «العملية الديمقراطية» الموعودة، والأخطر مكانتها الاجتماعية، حيث تكالبت جموع السلفيين عليها، خاصة في تونس ومصر، وكلاهما شهد تاريخيا تقدما لحال المرأة كان سابقا على دول عربية أخرى.
من جانب آخر فإن مفتاح التنمية الاقتصادية والاجتماعية لدى قمة الرياض قام على ما سوف يقوم به القطاع الخاص من جهد، سواء كان معتمدا على تمويله الخاص أو الصناديق العربية التي سوف يزيد تمويلها بما مقداره 50 في المائة على الأقل. ولكن هذا القطاع معرض الآن للكثير من أعمال المطاردة السياسية والاقتصادية لا تقل عنفا عما تعرض له خلال الستينات من القرن الماضي، ووسط مناخ لا يشجع على الاستثمار نتيجة الفوضى وغياب الأمن والنظم الاقتصادية الرشيدة، وحالة الارتجاج الثوري التي تؤثر على عدد من المجتمعات العربية وتصدر بعضها إلى الخارج بفعل الجوار الجغرافي أو التأثير الافتراضي.
لقد دقت القمة الأجراس حول أهمية التنمية واللحاق بالعصر، ولكن أجراسها صمتت عما يقف ويحول دون ذلك.
نقلا نقلا عن صحيفة  الشرق الاوسط