رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

رغيد الصلح يكتب :أخطار عودة الحزب المهيمن في مصر

جولة عربية

الجمعة, 14 ديسمبر 2012 14:23
رغيد الصلح يكتب :أخطار عودة الحزب المهيمن في مصررغيد الصلح
بقلم:رغيد الصلح

يخوض دعاة تطبيق صيغة “الحزب المهيمن” ومناصروها صراعات قوية في أكثر من بلد عربي، وتتفاوت حدة هذه الصراعات وضراوتها بين بلد عربي وآخر.

ولكن الغاية منها واحدة: إما حماية هذه الصيغة وتثبيتها إذا كانت قائمة أصلاً، وإمّا الوصول إليها وتطبيقها حيث هي ليست موجودة . وكما هو معروف، فإن الحزب المهيمن صيغة فضفاضة تتسع لنماذج متعددة من الأحزاب الحاكمة، المشترك بينها جميعاً هو استمرارها زمناً طويلاً في الحكم، وإنها لا تعارض ولا تتعارض، بالضرورة، مع نظام التعددية الحزبية . ما عدا ذلك فإنها قد تختلف وتتباين في مواضع عديدة ومهمة . فهناك صيغة الحزب المهيمن في نظام ديمقراطي الطابع . هذا ما شهدناه ونشهده في الهند التي حكمها حزب المؤتمر الوطني لأمد طويل ومنذ ولد مع ولادة الدولة الهندية المستقلة العام 1947 قبل أن يدخل مرحلة تناوب السلطة مع أحزاب أخرى . وهناك الحزب الديمقراطي الليبرالي الياباني الذي حكم اليابان لأكثر من نصف قرن تقريباً .

إلى جانب هذه الصيغة هناك صيغة الحزب المهيمن في نظام غير ديمقراطي التي انتشرت في دول عديدة في آسيا وإفريقيا، وفي جمهوريات عربية كثيرة، منذ السبعينات تقريباً . هذه الصيغة تختلف عن نظام الحزب الواحد من حيث إنها، كما قلنا أعلاه، تأخذ بنظام التعددية الحزبية من حيث المبدأ، ولكنها تلغيه من حيث التطبيق . ومن الأمثلة التي تذكر على هذا الصعيد، ردة فعل فيليكس هوفييت بوانييه الذي ترأس جمهورية ساحل العاج منذ استقلالها العام 1960 وحتى وفاته العام 1993 . فعندما نصحه أصدقاء دوليون في مطلع التسعينات بالأخذ بنظام التعددية الحزبية، استجاب دون تردد إلى هذه النصيحة وأطلق حرية تشكيل الأحزاب على مصراعيها . وخلال فترة قصيرة فاق عددها المئة حزب . واستهلكت هذه الأحزاب طاقاتها في التصارع في ما بينها، بينما كان حزب ساحل العاج الديمقراطي المهيمن بزعامة بوانييه يمسك وحده بمفاتيح الحكم والسلطة .

تمكن ذلك الحزب كما تتمكن

جميع الأحزاب المهيمنة عادة من احتكار السوق السياسي عن طريق السيطرة على موارد الدولة وتسخير قسم كبير منها وخاصة الأمنية والمالية، لتهميش الأحزاب الأخرى، واإصائها عن مواقع القرار والتأثير، مع تهديدها دوماً بمصادرة أي حق من حقوقها الديمقراطية . عملية التهميش هذه لم تطل أحزاب المعارضة فحسب، وإنما طالت أيضاً بعض الأحزاب والحركات التي تحالفت مع الحزب المهيمن واعتبرت شريكة له في إطارات جبهوية وائتلافية .

اتبع الحزب الوطني في مصر هذه الصيغة الأخيرة في الحكم . وكان تراجعه عن توفير هامش محدود من الحريات السياسية والانتخابية لأحزاب المعارضة في آخر انتخابات عامة شهدتها مصر، من الأسباب الرئيسة لانفجار السخط العارم ضد نظام مبارك، وانهيار عهده بعد ما يفوق الثلاثة عقود من الزمن . ومن البديهي أن هذا الحدث الكبير في التاريخ المصري المعاصر، أدى إلى تفاؤل كبير ليس في مصر فحسب، وإنما في المنطقة العربية أيضاً، بسبب مكانة مصر الإقليمية، بقرب الخلاص من الصيغة المتخلفة والإقصائية التي مثلها الحزب الوطني في مصر، وبالانتقال إلى نظام تعددي حقيقي . فهل كان هذا التفاؤل في محله؟

يخشى مصريون كثيرون من وجود اتجاه في القيادة المصرية الحالية إلى الحفاظ على نظام الحزب المهيمن مع إدخال بعض التعديلات الثانوية عليه . أصحاب هذا الرأي يقدمون أكثر من دليل على صواب وجهة نظرهم هذه . فالاستفتاءات الكثيرة التي جرت في مصر حتى هذا التاريخ تؤكد أن جماعة الإخوان المسلمين هم أكبر الجماعات السياسية وأقدرها على تعبئة الطاقات البشرية والمالية . وهذه الاستفتاءات تبيح للإخوان المسلمين أن يتمتعوا بموقع مرموق في التحالفات السياسية وفي المنابر المجتمعية والهياكل الإدارية والتنظيمية وفي صنع القرارات والسياسات

والاستراتيجيات المصيرية .

هذا ما يعترف ويقّر به ناقدو الإخوان ومعارضوهم . ولكن هذه الاستفتاءات والامتحانات الانتخابية والتعبوية، لا تبرر للإخوان سعيهم، كما يقول الناقدون، إلى تهميش القوى والأحزاب الأخرى، وخاصة أن بين هؤلاء من لعب دور المبادر في إطلاق شرارة الثورة المصرية، وسبق الإخوان في النزول إلى الشارع وفتح الطريق أمام الأحداث التي قادت إلى إسقاط نظام مبارك . ويعتقد الناقدون أن الرغبة غير المعلنة التي تتملك بعض الأجواء داخل الجماعة عبرت عن نفسها في المراحل الثلاث الآتية:

* أولاً، في الإمساك بالمناصب الرئيسة في الدولة وهي رئاسة الجمهورية ورئاسة البرلمان ورئاسة مجلس الوزراء . هذا رغم أن الإخوان كانوا قد وعدوا بعدم سلوك هذا الطريق، وأوحوا بأنهم سيقتفون آثار حركة النهضة في تونس .

* ثانياً، التعيينات في القضاء والإعلام حيث اجتهد الإخوان إلى إدخال عدد كبير من المناصرين والمتعاطفين معهم في مؤسسات القضاء والإعلام .

* ثالثاً، في عملية صياغة الدستور الجديد . فخلافاً للأعراف الدولية المتبعة في هذه العملية التي تؤكد، كما جاء في وثيقة إرشادية لمنظمة الأمم المتحدة، أهمية إجراء مشاورات واسعة على منهج وضع الدستور وفي تشكيل هيئة تمثيلية لصياغته تضم معبرين عن أبرز التيارات الفكرية والسياسية في البلاد، ويتحقق فيها توافق وطني واسع يتبلور في تبني الدستور من قبل أكثرية وازنة لا تقل عن ثلاثة أرباع الأعضاء في هذه الهيئة، وتكوين سكرتاريا لهذه الهيئة تقيم صلة مستمرة بينها وبين الرأي العام ومنظمات المجتمع المدني، وخلافاً لهذه الأعراف الدولية، سعى التيار الإسلامي، كما يقول الناقدون، إلى إرضاخ عملية صياغة الدستور لأولوياته، وإلى إحاطة هذه العملية بالسرية بدلاً من اعتماد الشفافية في العمل كما قال أستاذ القانون الدستوري في مصر د . محمد نور فرحات .

إذا صحت هذه الانتقادات وإذا كان الإخوان يسيرون على طريق تجديد نظام الحزب المهيمن، فإنهم يرتكبون خطأ كبيراً بحق مصر وبحق أنفسهم . ولكن إذا صحت أيضاً هذه التوقعات، فإنهم لا يتحملون وحدهم مسؤولية العودة إلى هذا النظام . فبعض هذه المسؤولية يقع على عاتق الأحزاب والمنظمات السياسية الأخرى التي لم تتمكن حتى الآن من تكوين البديل أو الشريك الفاعل والقوي للإخوان، والتي تكاد تكرر نموذج أحزاب ساحل العاج من حيث كثرة عددها وضآلة أثرها . أمام هذا الاحتمال تبرز أهمية “جبهة الإنقاذ الوطني”، كعنصر توازن في الحياة السياسية المصرية، ومن ثم كصمام أمان للديمقراطية وللتعددية الحزبية في مصر .
نقلا عن صحيفة الخليج