رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

احمد القديدي يكتب :للأمم هندسة وراثية كما للبشر

جولة عربية

الأربعاء, 07 نوفمبر 2012 14:33
احمد القديدي يكتب :للأمم هندسة وراثية كما للبشر احمد القديدي

على ضوء الأحداث المثيرة التي هزت العالم العربي في السنوات الأخيرة وعلى خلفية التجاذبات والصراعات المهددة بالفتنة والعنف ما بعد الربيع أقرأ هذه الأيام الكتاب الأخير الذي صدر عن مؤسسة (غراسيه)

الباريسية للنشر في مطلع هذا الخريف وهو لأبرز المفكرين الفرنسيين (ألن مينك) مستشار العديد من رؤساء الجمهورية الفرنسية ومؤلف 30 كتابا في الاقتصاد المعولم والعلاقات الدولية. وهذا الكتاب يحمل عنوان (روح الأمم) L'AME DES NATIONS يستعرض فيه المفكر نظرية جديدة في العلوم السياسية وهي نظرية تقول إن للأمم هندسة جينية (أو وراثية) كما للبشر وهذه الهندسة الجينية الخاصة بكل أمة تؤهلها بإرادة منها أو من دون إرادتها إلى أن تسلك هذا المسلك التاريخي أو ذاك وإلى أن تكون ردود أفعالها بإزاء الأحداث بهذا الشكل أو ذاك حسب إملاءات خفية لجينات تشبه جينات البشر التي تهيئه لأمراض معينة وتخضعه لسلوكيات نفسية وبدنية محددة وحين تفطنت البحوث الطبية لوجود الهندسة الجينية الوراثية لدى الإنسان والحيوان والنبات عام 1974 بدأت الأبحاث تستعمل هذا المجال الجديد لتطوير الطب الوراثي (أو الجيني) لمعالجة بعض الأمراض المستعصية مثل إنتاج مادة الأنسولين وتحوير الكروموزومات وتحسين الإنتاج الحيواني والنباتي بالتعديل المثير للجدل. وقد نتجت عن هذه الاكتشافات حركات مناهضة للتعديلات الجينية ورفض الاستنساخ منذ قضية النعجة (دوللي) المعروفة ومنذ إباحة بعض الدول الأوروبية والأمريكية إنتاج وترويج حبات الذرة المعدلة جينيا للاستهلاك البشري.
أما الأمم فقد اهتدى المفكر (ألن مينك) إلى تفسير مساراتها التاريخية بوجود هندسة وراثية تتشكل

من التفاعل بين تركيبتها السكانية ونوعية أنظمة الحكم فيها وعلاقاتها مع محيطها الإقليمي وبيئتها الجغرافية فيصنف الأمة البريطانية في خانة الأمم المحاطة بالبحر (أي أنها جزيرة) وحاجتها للتوسع بالتجارة والحرب واحتلال أمم أخرى بعيدة عنها وأكثر عددا وأعرق حضارة (كالهند) وبناء على هذه العناصر يقول (ألن مينك) إن تاريخ بريطانيا الاستعماري هو نتاج طبيعي لهذه الهندسة الوراثية. ويؤكد المؤلف أن سياسات بريطانيا اليوم تستمد ثوابتها من كونها أمة عظيمة يطمس الواقع الجديد عظمتها تدريجيا لكنها تحرك العملاق الأمريكي بذكاء ودهاء فهي تعتبر نفسها أم الولايات المتحدة. أما ألمانيا فهي أمة- شعب ترتكز على اللغة وحق الدم (ومع النازية الهتلرية حق العرق العنصري) تطورت منذ المستشار (جيرهارد شرويدر) إلى استعمال حق الأرض في منح الجنسية الألمانية وتطور تاريخ هذه الأمة من الإمبراطورية البروسية المجرية إلى الوحدة بين جزئي ألمانيا منذ انهيار الشيوعية وجدار برلين عام 1989. وتفرض ألمانيا اليوم غلبتها على كل دول الاتحاد الأوروبي بل تعتبر برلين هي قاطرة الاتحاد وصاحبة القرارات الاقتصادية الحاسمة فيه. أما إيطاليا فهي الأمة التي عانت من ثقل تاريخها الإمبراطوري الروماني ومن خوفها من التمزق والتشرذم إلى دويلات جهوية وعرقية لا تزال مخاطرها ماثلة إلى اليوم كما أن إيطاليا كانت فاشية مع زعيمها
الذي لوح بوحدتها وهو (موسوليني) في مرحلة الحرب العالمية الثانية. وإسبانيا أمة تأسست على القوة البحرية بأسطولها (الأرمادا التي لا تغلب) وعلى أطلال ماضيها الإسلامي الذي تغلغل في كل مفاصلها الاجتماعية والثقافية من لغة وعادات ومعالم أثرية إلى اليوم وقد هيأتها جيناتها لتقود في الماضي محاكم التفتيش ضد المسلمين واليهود كرد فعل ضد دورها الإسلامي لمدة سبعة قرون ثم إنها استسلمت للنازية ودكتاتورية الجنرال (فرانكو) إلى أن هبت عليها رياح الديمقراطية فغيرت من لباسها وانخرطت في الاتحاد الأوروبي باقتصاد السوق الحرة والمبادئ الديمقراطية.
بالطبع لن أستطيع تلخيص كل أبعاد هذا الكتاب القيم في مقالي الموجز هذا لأنه يشمل أيضا فرنسا وأمريكا والغرب عموما لكنه لا يتطرق لا إلى الصين ولا اليابان وقليلا ما تعرض لروسيا لأنها الجزء الأكبر من القارة الأوروبية رغم نصفها الآسيوي. والذي يهمني ككاتب عربي هو تطبيق نظريات (ألن مينك) على العالم العربي وهنا أتوجه لعلمائنا المختصين وخبرائنا المتميزين حتى يقولوا لنا ما هي الهندسة الوراثية للعرب إذا ما اعترفوا أن لأمة الضاد خصوصيات وراثية وإلى أي مصير تقودنا وكيف على ضوئها نفسر تخلفنا وانقساماتنا وبلاوينا وأيضا ثوراتنا وطموحاتنا في زمن الربيع الصعب الذي أبطأت أزهاره وتعطلت ثماره لعلنا نفقه أزماتنا وندرك هندستنا الوراثية كسائر الأمم. لكن الأكيد عندي وأنا أرصد تحولاتنا منذ نصف قرن هو أننا نحمل أثقال تاريخنا الحضاري المجيد والطويل أسفارا وأوزارا على أعناقنا فتتحول هذه الأثقال بسبب هزالنا الثقافي الراهن إلى أعباء ننوء تحتها ونستغيث من ثقل الأمانة التي نحملها ونحن عاجزون عن بلوغ نهاية الطريق بحملنا فلا نحن قادرون على حطه من ظهورنا ولا نحن مخولون لإعارته لسوانا يحمله عنا. ولا أقدر عن التعبير عن حالنا العربية العجيبة هذه من عبارة قالها الممثل المصري الراحل يوسف وهبي في أحد أفلامه القديمة وهي عبارة: يا للهول!

نقلا عن صحيفة الشرق القطرية