رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

هاشم صالح يكتب :هل ستنتهي الفتنة الكبرى بعد مائة عام؟

جولة عربية

الثلاثاء, 30 أكتوبر 2012 14:14
هاشم صالح يكتب :هل ستنتهي الفتنة الكبرى بعد مائة عام؟

وجه بعض القادة الروحيين والسياسيين اللبنانيين نداءات متلاحقة تحذر من مخاطر الوقوع في فخ الفتنة الطائفية، وبالأخص المذهبية. ولا يملك المرء إلا أن يرحب بذلك بعد أن عصفت رياح التعصب والانفعالات الهائجة بمعظم العقول.

ولكن المشكلة هي أن جذور الطائفية والمذهبية أكثر تعقيدا وترسخا في أعماق التاريخ، أو قل في أعماق العقليات الجماعية، أيا كانت إسلامية أم مسيحية، شيعية أم سنية. وبالتالي فأخشى ما يخشاه المرء هو ألا تكفي هذه الدعوات الطيبة لإطفاء الحرائق المشتعلة، أو النيران المتقدة تحت الرماد.
أيا كان من أمر، فإن هذه المعضلة الكبرى من اختصاص المفكرين بالدرجة الأولى لا السياسيين. متى سندرك أن السياسيين لا يستطيعون - حتى لو أرادوا - أن يحلوا المشكلة الطائفية أو المذهبية في العالم العربي؟ وحدهم المفكرون الكبار قادرون على تسليط الأضواء الكاشفة على الجذور العميقة لهذه الظاهرة السرطانية بغية معالجتها يوما ما. نيتشه كان يقول ما معناه: المفكرون هم أطباء الحضارات المريضة. ونحن مرضى حتى النخاع بالطائفية والمذهبية. والأنكى من هذا هو أننا لا نعترف بذلك بل نكابر ونزايد، رافضين الاستفادة من تجربة الأمم المتمدنة المتحضرة. المسألة ليست سياسية بالدرجة الأولى وإلا لهان الأمر. وإنما هي فكرية عقائدية لاهوتية: أي قدس الأقداس! وبالتالي فلا يكفي القول: يا أخي نحن شعب واحد، يا أخي هذه مشكلة مفتعلة خلقها الاستعمار لتمزيقنا، إلخ.. هذا كلام فارغ لا معنى له. كل هذه «الآيديولوجيا العربية الرثة» أصبحت خارج قوس، وينبغي أن ترمى في مزبلة التاريخ.
لنأخذ ألمانيا التي مزقتها الصراعات المذهبية كمثال. لقد لزم أن ينزل إلى الساحة الفكرية – الدينية كبار الفلاسفة لكي يغيروا المعادلة ويقلبوا المعطيات لصالح قوى التقدم والأفق الوطني اللاطائفي الرحب الذي تتسع أحضانه للجميع.. لو أنهم بقوا محصورين داخل اللاهوت القديم بكل فتاواه التكفيرية المرعبة لما تمكنوا من حل المشكل العويص. كان ينبغي أن يواجهوا رجال الدين على أرضيتهم الخاصة بالذات ويزحزحوهم عنها شبرا شبرا حتى استطاعوا التغلب عليهم

في نهاية المطاف. ولم يرموا بأنفسهم في أحضانهم، ولم يستسلموا لهم كما يفعل بعض أشباه المثقفين العرب اليوم. على العكس: لقد خاضوا معهم حربا ضروسا على مدار مائتي سنة متواصلة حتى انتزعوا حرية المعتقد والضمير والدولة المدنية اللاطائفية من براثنهم انتزاعا. الإخوان المسيحيون من بروتستانتيين وكاثوليكيين (وبالأخص كاثوليكيين) كانوا هم الذين يخلعون المشروعية الإلهية على المذابح الطائفية من خلال فتاوى كهنوتية تكفيرية تقدسها عامة الشعب. لقد فقدت ألمانيا ثلث سكانها وربما النصف في حرب الثلاثين عاما (1618 - 1648). على هذا المستوى من العمق ينبغي أن نموضع المسألة وإلا فلن نفهم شيئا من شيء، ولن تتزحزح الطائفية عن موقعها قيد شعرة من الآن وحتى مائة سنة قادمة. ينبغي تفكيك كل الفتاوى الفقهية القديمة التي تخلع المشروعية الإلهية على العصبيات الطائفية والمذهبية في العالم العربي والإسلامي ككل. من يتجرأ على تفكيك هذه الثوابت المعصومة في الساحة العربية الآن؟ من يتجرأ على الاقتراب منها مجرد اقتراب؟ المشكلة ليست أنه لا توجد سياسة جديدة في العالم العربي حاليا. المشكلة هي أنه لا يوجد فكر جديد قادر على دحر الفكر الطائفي والمذهبي الراسخ في العقلية الجماعية منذ مئات السنين. كيف يمكن أن توجد سياسة جديدة من دون فكر جديد؟ مصداقية الفكر الحداثي صفر تقريبا قياسا إلى الفكر المذهبي الطائفي المتغلغل ليس فقط في أوساط جماهيرنا الشعبية الطيبة المغلوبة على أمرها وإنما أيضا في أوساط الكثير من المثقفين العرب أنفسهم. الفكر القديم هو المسيطر على الفضائيات ومواقع الإنترنت والساحات العربية كلها من المحيط إلى الخليج ما عدا بعض الجزر المعزولة هنا أو هناك لبعض المثقفين النقديين. الشعب والمشايخ في جهة، والفكر النقدي الحر
في جهة أخرى. وإلا فلماذا يكتسح الأصوليون والإخوان المسلمون الانتخابات في كل مكان؟ أين من كان يصدح بصوته عاليا ضدهم الآن؟ لم نعد نسمع صوتهم. هل خوفوهم فأسكتوهم؟ كان الله في عوننا جميعا. وبالتالي فالمعالجة تبتدئ بالفكر وخوض معركة الفكر حتى التحرير الأخير. في البداية كانت الكلمة!.. ولا تقولوا لي بنية فوقية وبنية تحتية وينبغي تغيير الواقع قبل تغيير الفكر وكل هذه المقولات الصدئة للماركسوية المبتذلة. الفكر هو الذي يسبق السياسة ويعلو عليها وليس العكس. لا سياسة جديدة من دون فكر جديد مضيء ومستضيء. وهو ما ينقصنا بشكل موجع في هذه اللحظة المتأرجحة من التاريخ. أكاد أقول ليس الخبز هو الذي ينقصنا بالدرجة الأولى وإنما الفكر الوهاج الذي يشق الدياجير المظلمة كالرادار.
كتاب واحد يعزينا الآن، كتاب واحد يكفي لو ظهر! ألم يضئ كتاب سبينوزا «مقال في اللاهوت السياسي» القرن السابع عشر كله؟ ألم يوجه صفعة قوية للفكر الطائفي اليهودي – المسيحي؟ وكتاب جان جاك روسو عن التربية «إميل» ألم يضئ القرن الثامن عشر عندما قدم صورة أخرى عن الدين المسيحي بل والدين ككل؟ وهي صورة مضادة لمفهوم الأصوليين من كل الطوائف والمذاهب. ولذلك تآلبوا عليه من كل الجهات بمن فيهم طائفته الخاصة بالذات. ثم حرقوا الكتاب في عدة عواصم أوروبية ولاحقوا مؤلفه من مكان إلى مكان. ولكن ما همّه! الشيء الأساسي هو أن روسو كان قد ضرب ضربته الكبرى التي دشنت العصور الحديثة. روسو كان عبارة عن «كاميكاز فلسفي انتحاري» مثله في ذلك مثل كل المفكرين المفصليين في التاريخ. هذا وقد قطع إيمانويل كانط كل أشغاله عندما سمع بظهور الكتاب وذهب إلى المكتبة للاستفسار عنه وتأمين نسخة منه للاطلاع عليه فورا. نعم إن ظهور كتاب واحد قد يشكل حدثا في تاريخ البشرية، ولكن كتاب له معنى! هل تعتقدون بأنه لولا ظهور لايبنتز وليسنغ وكانط وفيخته وهيغل وشيلنغ وشليرماشير ونيتشه وعشرات غيرهم كان يمكن لألمانيا أن تقضي على وباء المذهبية الذي اكتسحها اكتساحا ودمرها تدميرا. المعركة إذن فكرية قبل أن تكون سياسية. وينبغي حسمها فكريا لكي تحسم سياسيا يوما ما. على هذا النحو يمكن حل مشكلة الطائفية.
القصة طويلة إذن! إنها معضلة حقيقية وليست مزحة. لقد قلّم التنوير الفلسفي – الديني أظفار «الأصوليين» تقليما وأوقفهم عند حدهم واستطاع أن يسقط مشروعيتهم الراسخة رسوخ الجبال. وقد فعل ذلك ليس عن طريق هدم الدين! وإنما عن طريق هدم تفسيرهم الطائفي والإرهابي للدين!
نقلا عن صحيفة الشرق الاوسط