رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

جهاد الخازن يكتب :(عن الفساد في بلادنا)

جولة عربية

الاثنين, 29 أكتوبر 2012 12:14
جهاد الخازن يكتب :(عن الفساد في بلادنا)جهاد الخازن

مؤشر الفساد العالمي يظهر ان الدول العربية الفقيرة هي بين الاكثر فساداً في بلادنا والعالم كله، وأن الدول العربية الثرية بين الاقل فساداً، باستثناء العراق الذي اصبح بعد الاحتلال الاميركي في اسفل قائمة الفساد.

عندي قصص عن الفساد في مصر ولبنان وسورية، الشهود عليها أحياء، غير انني اتجاوز اليوم مصر لأن أخبار الفساد فيها بعد الثورة شملت مبالغات ستجعل ما اعرف عن الفساد القديم في مصر يبدو كأنني احاول الدفاع عن النظام السابق، لذلك اكتفي بنموذجَيْ لبنان وسورية عن الفساد في بلادنا.
كان باسم من مجموعة اصدقاء في الجامعة، كلهم موجود الآن بين لبنان وبريطانيا وفرنسا، وعندما تخرجنا عمل معنا في «الحياة» و «الديلي ستار» في بيروت سنوات، ثم قرر ان يؤسس شركة تدير مصنعاً لإنتاج شرائط التسجيل الممغنطة، فقد كان من أسرة ثرية، وبعض اهله من المغتربين في افريقيا.
هو جاءني بعد سنة ليقترح ان نؤلّف معاً كتاباً عن الفساد في لبنان، فعندما بدأ معاملات تأسيس الشركة، ومن اول ورقة وطابع بريد حتى صدور المعاملة عن محافظ جبل لبنان (المحافظ غير متهم ابداً) دفع رشوة تراوحت بين مئات الليرات والالوف، وقد سجل كل رشوة ومن قبض وتاريخ القبض.
في النهاية، سُرِقت حاوية من ميناء بيروت تحتوي

على بعض آلات المصنع، وحول باسم المشروع الى انتاج دمى الاطفال البلاستيكية، وجاءت الحرب الاهلية فطوينا مشروع الكتاب وتشردنا في بلاد الله الواسعة.
اسامة ايضاً زميل دراسة وتجمعنا صداقة عائلية متينة بعد الزواج، وهو رجل اعمال ناجح، ومن عمله انتاج مواد اطفاء الحريق، وبيع سيارات الاطفاء في ايران والعراق. (في ايران يقول للمسؤول الحكومي الملتحي المعمم الذي يتعامل معه: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ويرد المسؤول بالعربية: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين ومن والاهم الى يوم الدين. ويسكت الملتحي لحظة ثم يسأل: كم حصتي من المشروع؟)
ذات صيف قبل بضع سنوات اتصل بي اسامة وقال انه كان عائداً براً من العراق الى لبنان من طريق سورية فأوقف في نقطة حدود سورية مع العراق، وقيل له ان هناك حكماً عليه بالسجن وغرامة مالية لأنه في الثمانينات ادخل سيارة الى سورية ولم تخرج، فقد باعها في سورية.
اتصلت باللواء هشام اختيار، رئيس المخابرات السورية، الذي قتل في تفجير 18 تموز (يوليو) في دمشق، وقلت
له ما حدث، وأكدت له ان السيارة خرجت من سورية في حينه وبيعت في لبنان بعد سنوات، وهناك اوراق البيع الرسمية والتسجيل باسم المشتري، وتعهدت بأن ادفع اي غرامة عن الصديق فوراً الى حين ان يُثبت براءته.
اللواء هشام قال ان للمخابرات مندوباً في الموقع الحدودي وسيطلب منه ان يفتش عن اسامة، إلا ان اللواء عاد اليّ بعد ساعة وقال ان اسامة غير موجود.
اتصلت بأسامة ولم يرد هاتفه المحمول، واتصلت بزوجته وشركاء عمل له منبهاً، وقضينا ساعات من القلق على مصيره، وهو اتصل بي في آخر الليل ليقول انه وجد رئيس الموقع معجباً بـ «الكزلك» الذي يحمله، والكلمة تعني نظارات، إلا ان رئيس الموقع استعملها في اشارة الى «موبايل» اسامة. وكان ان اسامة اعطاه الموبايل فنُقِل في سيارة عسكرية الى دمشق للتحقيق معه.
اسامة اهدى كلاً من المحققين في دمشق والقضاة «كزلك» او «موبايل» من آخر طراز وأغلى الموجود، وهم عجلوا بمحاكمته وطلع براءة بعد ان قدم الاوراق الرسمية التي تثبت بيع سيارته في لبنان.
باسم وجد ان كل موظف في محافظة جبل لبنان تعامل معه يتوقع رشوة ويطلبها، والشيخ في طهران ينهي البسملة والحمدلة بعبارة: كم حصتي؟ وفي سورية اسامة رشا العسكري رئيس الموقع الحدودي، ثم رشا المحققين والقضاة في دمشق.
كل شهودي أحياء، وموجودون معنا باستثناء اللواء هشام اختيار (وهو غير متهم بشيء في مقال اليوم الذي يوجد شاهد حي عليه)، فلا اقول سوى ان الفساد في بلادنا خالط الهواء والماء، والدم والعظم، كما خالط البخل اهل مرو، وفق شهادة الجاحظ.
نقلا عن صحيفة الحياة