رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

محمد السعيد ادريس يكتب :مصر و"إسرائيل" تحديات متجددة

جولة عربية

الأحد, 28 أكتوبر 2012 11:09
محمد السعيد ادريس يكتب :مصر وإسرائيل تحديات متجددة

على الرغم من تزايد حدة الصراع السياسي بين القوى المدنية و»الإخوان المسلمين« في مصر على ملفات داخلية ساخنة أبرزها الدستور الجديد وجمعيته التأسيسية الحالية، والأوضاع الاقتصادية المتردية، فإن ملف العلاقات المصرية  »الإسرائيلية«، فرض نفسه عنوة رغم كل محاولات التعتيم الرسمية سواء بالنسبة إلى الدعوة الشعبية المتصاعدة لإسقاط معاهدة السلام مع الكيان الصهيوني، أو على الأقل مراجعتها وتعديل ملحقها العسكري، أو بالنسبة إلى الخطاب المثير للجدل الموجه من الرئيس المصري محمد مرسي إلى شمعون بيريز رئيس الكيان الصهيوني لاعتماد السفير المصري الجديد في تل أبيب، وما تضمنه هذا الخطاب من عبارات أثارت غضب واشمئزاز كثير من المصريين من نوع: »عزيزي« و»صديقي العظيم« و»من صديقكم الوفي« و»الرغبة في اطراد علاقات المحبة التي تربط لحسن الحظ بين بلدينا« و»إن كان لي الشرف بأن أعرب لفخامتكم عما أتمناه لشخصكم من السعادة ولبلادكم من الرغد« .

في الحالتين حاولت الرئاسة المصرية الالتزام بسياسة »احتواء الأزمات« إما بإنكار وجودها، وإما بالتعتيم عليها . فبالنسبة إلى المطالب الشعبية بإسقاط معاهدة السلام مع الكيان الصهيوني باعتبارها »معاهدة إذعان« فرضها الرئيس المصري الأسبق على الشعب المصري، ودعوة مساعد الرئيس للشؤون العربية إلى ضرورة تعديل تلك المعاهدة بما يمكّن مصر من سيادتها الكاملة غير المنقوصة أو المجروحة على سيناء، كان رد المتحدث باسم الرئاسة هو نفي وجود أي نية لتعديل المعاهدة بعد رد الفعل »الإسرائيلي« القوي الرافض لهذا التوجه المصري، وبالنسبة إلى الخطاب الودي المفعم بمشاعر دافئة من الرئيس المصري إلى رئيس الكيان، كان تعليق الرئاسة، بعد إنكار هزلي لصحة ذلك الخطاب، أنه مجرد صيغة دبلوماسية بروتوكولية، وأن خطابات وزارة الخارجية لترشيح السفراء الجدد موحدة وليس بها تمييز لأحد، وأن الصيغة التي تمت كتابة الخطاب بها هي المتبعة في جميع الخطابات الدبلوماسية .

سياسة الاحتواء هذه لم تستطع إنهاء مشكلات متفجرة سوف تتحول إلى أزمات حقيقية بين مصر و»إسرائيل«، خصوصاً أن الطرف الآخر استفزازي ويتمادى يوماً بعد يوم في انتهاج سياسات تهديدية مباشرة لمصر، فضلاً عن التمادي في العدوان على مصالح الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة، ما يضع الرئيس المصري في حرج شديد ومعه حزب

»الإخوان المسلمين« الذي يحكم باسمه .

فقد رفض بنيامين نتنياهو رئيس حكومة الكيان ووزير خارجيته أفيغدور ليبرمان أي دعوة لفتح ملف معاهدة السلام مع مصر رفضاً قاطعاً، وعللا ذلك بأن أي إجراء من هذا النوع سوف يحول دون توقيع اتفاقيات سلام أخرى مع دول عربية، لكن تعليق موشيه يعلون نائب رئيس الحكومة على هذا التوجه المصري غير الرسمي حتى الآن كان الأكثر إساءة واستفزازية، فقد كشف أن مصر طلبت من »إسرائيل« تعديل المعاهدة، وأن »إسرائيل« ردت بأن هذا الأمر غير وارد . وقال خلال ندوة بالنادي التجاري والصناعي في تل أبيب، إن »المصريين فهموا أنه يجب قبول الموقف »الإسرائيلي« من أجل عدم فقدان المساعدات الأمريكية« . ربط استمرار مصر على التزامها بتلك المعاهدة بالمساعدات الأمريكية بقدر ما يسيء إلى مصر، يؤكد أمرين: الأول أن المعاهدة بالفعل معاهدة إذعان ولا تعبّر عن قبول أو رضا مصري، والثاني، أن نهاية هذه المعاهدة قد اقتربت نظراً لتنامي تيار الاستقلال الوطني المدافع عن السيادة المصرية والمطالب بالحد من سياسة الاعتماد على المساعدات الخارجية لدعم الاقتصاد المصري، والبحث عن سياسات بديلة لا تهدر الكرامة الوطنية .

الأهم من ذلك أن »إسرائيل« لم ولن تتوقف عن سياسات التصعيد والإحراج للرئاسة المصرية، فالتهديد بشن حرب على سوريا في ضربة إجهاضية استباقية للحيلولة دون وصول الأسلحة الكيماوية السورية إلى حزب الله في حالة سقوط النظام، والاستعداد لشن حرب قريبة ضد قطاع غزة على لسان قائد الجبهة العسكرية الجنوبية، والرفض الصريح لشراء مصر غواصتين ألمانيتين، مجرد مؤشرات إلى تلك النوايا، وفضلاً عن ذلك هي رسائل إحراج للرئاسة المصرية، بل وإعلان مبكر للتحدي على نحو ما جاء في تفسير نتنياهو لتوجه تنفيذ عملية عسكرية ضد سوريا .

الاستفزازات »الإسرائيلية« لمصر وللرئاسة المصرية تجاوزت التهديدات العسكرية المباشرة وخاصة المطالبة بإعادة احتلال سيناء، إلى التهديدات

الشاملة، وأمامنا تهديدان مباشران، الأول التوجه لتحريك قضية »أملاك اليهود« الذين تركوا مصر، والتهديد بنقل هذه القضية إلى الأمم المتحدة . هذا التهديد يرمي إلى فرض قيود على القرار الوطني المصري إزاء قضيتين، الأولى هي قضية التطلع المصري إلى تعديل معاهدة السلام، والثانية إجبار مصر على أن تنأى بنفسها عن دعم حق العودة للاجئين الفلسطينيين، خصوصاً أن فتح ملف أملاك اليهود الذين تركوا مصر جاء متزامناً مع حملة: »أنا لاجئ يهودي« التي يقودها نائب وزير الخارجية الصهيوني داني أيالون وهدفها إيجاد صلة وثيقة بين »من يسمون باللاجئين الفلسطينيين« على حد تعبيره، وبين من يسميهم ب»اللاجئين اليهود« .

أما التهديد الثاني وهو المرجّح بالتصعيد وفرض مناخ الأزمة بين مصر والكيان، فيتعلق بالحدود البحرية لمصر مع الكيان الصهيوني وعدد من دول الجوار المطلة على البحر المتوسط .

فعلى غير المتوقع كشف الرئيس اليوناني كارلوس باباليوس خلال زيارته إلى مصر محاولات »إسرائيل« الاستيلاء على احتياطات البترول والغاز داخل المنطقة الاقتصادية المصرية في البحر المتوسط . وقال في برنامج تلفزيوني إن »تلك الحقول مهمة لمصر، وإنه جاء إلى مصر من أجل منع استيلاء »إسرائيل« عليها«، وزاد على ذلك بأن »لليونان مصلحة مباشرة في التصدي لمحاولات »إسرائيل« الاستيلاء على ثروات البحر المتوسط«، مؤكداً أن »حقول النفط تقع في الحدود الإقليمية المصرية، وعلى الدولة المصرية أن تهتم بها لأنها مفيدة لها« .

ما قاله الرئيس اليوناني، وتلميحاته لحرصه على الدفع بمصر إلى التنسيق مع اليونان لمواجهة الاعتداءات »الإسرائيلية« على مصالح اقتصادية مشتركة لمصر واليونان، جاءت متزامنة مع تحذيرات مهمة لخبير مصري يعمل مستشاراً للهيئة الفيدرالية الأمريكية للاتصالات هو الدكتور نايل الشافعي اتهم فيها ثلاث دول بالسعي إلى الاستيلاء على الاحتياطي المصري في منطقة البحر المتوسط الذي يقدر بمئات المليارات من الدولارات . فقد أوضح أن حقلي الغاز الملاصقين لمنطقة »لفياثان« الذي اكتشفته »إسرائيل« العام ،2010 و»أفروديت« الذي اكتشفته قبرص في العام ،2011 باحتياطات تقدر قيمتها ب200 مليار دولار، يقعان في المياه الإقليمية الخالصة لمصر شرقي البحر المتوسط، وأكد هذا الخبير أن »إسرائيل« تعمل داخل حدود مصر، واستولت على منطقة تنقيب غاز بمساندة قبرصية معتمدة على رسم الحدود البحرية بين قبرص ومصر بشكل خاطئ .

وأوضح أن مصر أمام تحديات هائلة مقبلة مع الكيان الصهيوني، وأن قبرص واليونان طرفان مشاركان في تطلعات تستهدف مصالح وطنية مصرية، ولن يكون في مقدور الرئيس المصري أن يواصل سياسة احتواء الأزمات والتعتيم عليها لسبب رئيس هو أن »إسرائيل« لا تريد التعتيم، وتستعد لحروب استباقية وفرض هيمنتها الإقليمية بالعدوان المباشر على مصالح مصرية، ولن يكون الرئيس المصري مبرّأ من أية سياسات تهدر هذه المصالح إما بالصمت وإما بالتخاذل .