رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

باسل أمين عقل يكتب :موقف أميركي سافر وتخاذل عربي معهود

جولة عربية

الثلاثاء, 16 أكتوبر 2012 09:58
باسل أمين عقل يكتب :موقف أميركي سافر وتخاذل عربي معهود

في ما يلي ترجمة حرفية لوثيقة أميركية أرسلت قبل أيام قليلة إلى جميع دول الاتحاد الأوروبي تحمل عنوان: «التنسيق بشأن إمكانية مبادرة وضع دولة فلسطين مراقباً في الجمعية العامة للأمم المتحدة»».

«إن الولايات المتحدة وشركاءها في الرباعية لا يزالون يعملون من أجل حلّ الدولتين الذي ستتمخض عنه دولة إسرائيل اليهودية والآمنة والديموقراطية ودولة فلسطينية كوطن للشعب الفلسطيني. وسنبقى مركِّزين على عودة الأطراف إلى المفاوضات المباشرة، والاتصالات الهادئة نحو هذا الهدف لا تزال جارية.
وفي الوقت عينه، نحن نستمر في حضّ كلا الطرفين على تجنب الأعمال الأحادية الجانب، وهذه تشمل الجهود من قبل الفلسطينيين للدفع من أجل قرار في الجمعية العامة للأمم المتحدة لمنح «فلسطين» وضع دولة مراقب غير عضو.
إن مثل هذا القرار سوف تكون له نتائج ذات دلالات سلبية على عملية السلام نفسها، وعلى نظام الأمم المتحدة، وكذلك القدرة على الحفاظ على دعمنا المالي الكبير للسلطة الفلسطينية. إن قراراً للجمعية العامة حول وضع الدولة الفلسطينية قد يفتح الباب أيضاً للمشاركة الفلسطينية كدولة في المحافل الدولية الأخرى، بما في ذلك محكمة الجنايات الدولية، فضلاً عن مجموعة من هيئات الأمم المتحدة المتخصصة. إن وضع الدولة بالنسبة للفلسطينيين يمكنه أن يتحقق عبر المفاوضات المباشرة مع الإسرائيليين فقط.
إننا نعتقد أن حكوماتكم تفهم ما هو قيد البحث هنا، وهي مثلنا تريد أن تتجنب تصادماً في الجمعية العامة القادمة للأمم المتحدة.
ونحن نأمل في استعدادكم لدعم جهودنا، بما في ذلك محادثاتكم مع الحكومات الأخرى، ومع الفلسطينيين بصورة مباشرة. التصويت على الوضع القانوني مباشرة في الجمعية العامة للأمم المتحدة سيكون إلى حدٍّ بعيد غير مفيد.
إننا نقدِّر معرفة موقف حكوماتكم من هذه القضية، وسنكون أيضاً مهتمين بمعرفة ما إذا كان قد تم الاتصال بكم حول هذه المسألة من قبل الممثلين الفلسطينيين».
إن القراءة المتأنية لهذه الوثيقة تكشف ما يلي:
أولاً: أن الإدارة الأميركية تحرض دول الاتحاد الأوروبي على معارضة المسعى الفلسطيني للحصول على وضع دولة مراقب غير عضو.
ثانياً: أن الإدارة الأميركية، التي تعلم أن التحرك الفلسطيني لن يبدأ إلا بعد انتهاء الانتخابات الأميركية –تجنباً لأي إحراج قد يسببه للإدارة الأميركية في سنة انتخابية-، تعتقد أن التحرك الفلسطيني ضار بعملية السلام وبنظام الأمم المتحدة، وعمل أحادي الجانب لا يراعي الضرورات السياسية الأميركية والإسرائيلية.
ثالثاً: أن الإدارة الأميركية تهدد بوقف الدعم المالي للسلطة الفلسطينية إذا توجهت إلى الجمعية العامة للحصول على دولة مراقب غير عضو.
رابعاً: أن الإدارة الأميركية قلقة من إمكان نجاح المسعى الفلسطيني، لأنه سيؤدي إلى اعتبار إسرائيل دولة محتلة، ويفتح المحافل الدولية الأخرى أمام الفلسطينيين، بما في ذلك محكمة الجنايات الدولية، حيث تمكن محاكمة إسرائيل على تصرفاتها، بما في ذلك إقامة المستوطنات والقضاء على الطابع العربي للقدس الشرقية.
خامساً: أن الإدارة الأميركية لم تكتف بتحريض الأوروبيين على معارضة التوجه الفلسطيني، ولكنها أيضاً تحثهم على تأليب الحكومات الأخرى ضد الفلسطينيين والسعي للتأثير على الفلسطينيين أنفسهم حتى يغيروا رأيهم.
سادساً: أن الإدارة الأميركية تطلب أيضاً من الأوروبيين إبلاغها موقفهم من هذه القضية. إنها لا تضغط فقط ولكنها تريد معرفة نتائج ضغطها.
سابعاً: أن الإدارة الأميركية –وهذا أنكى من كل ما سبق– تتجسس على الشعب الفلسطيني وتحصي خطواته وتريد من الأوروبيين إبلاغها إذا تم الاتصال بهم من قبل الممثلين الفلسطينيين.
ثامناً: أن الإدارة الأميركية تستعمل في معاملاتها الرسمية تعبير «دولة إسرائيل اليهودية»، وهو ما درج عليه الرئيس أوباما في العامين الأخيرين، تودداً لإسرائيل ومحاباة لها وضماناً لفترة رئاسة ثانية. وهذا تحول ملفت للنظر من جانب إدارة أوباما (أبو حسين).
للوهلة الأولى، يظن الواحد منا أن تلك وثيقة إسرائيلية، وهي فعلاً كذلك. لقد تسربت محتويات هذه الوثيقة قبل أيام قليلة إلى الصحافة العالمية والعربية، التي نشرت مقتطفات منها. وانتظر كاتب هذه الأسطر أياماً قبل أن يُقْدِم على كتابة مقاله هذا، أملاً في ظهور رد فعل عربي يستنكر هذا الموقف الأميركي الموغل في عدائه لاماني الشعب الفلسطيني ويشجبه. كانت التوقعات أن نرى موقفاً للجامعة العربية أو لجنة متابعة مبادرة السلام العربية أو وزراء الخارجية العرب أو حتى رؤساء الدول العربية. ولكن لا حياة لمن تنادي، فحين يكون الأمر متعلقاً بالولايات المتحدة يتصرف بعض المسؤولين العرب، حتى لا أقول جميعهم، وكأن على رؤوسهم الطير: انصياع كامل للإرادة الأميركية، من دون أي اعتراض، أو حتى تنهيدة أو همهمة أو نحنحة. ومع أحداث الربيع العربي، انكفأ معظم الدول العربية على ذاته، وانشغلت هذه الدول بأمورها الداخلية، والأمنية منها خصوصاً، ففقدت القضية الفلسطينية نتيجة لذلك عمقها العربي الذي لا غنى لها عنه، وتُرك الشعب الفلسطيني يواجه أعتى تحالف في التاريخ الحديث (الصهيوني الأميركي) وحده، وتراجعت القضية الفلسطينية بالنسبة لأولويات الدول العربية، واستقرت في ذيل القائمة. وكمثال بسيط للتدليل على قولنا، فإن جميع الدول العربية لا تدفع المستحقات المالية المتوجبة عليها للسلطة الفلسطينية، باستثناء المملكة العربية السعودية، ويعاني 160 ألف موظف فلسطيني وعائلاتهم وأطفالهم الجوع والفاقة والحرمان.
أعود إلى الموقف الأميركي فأقول إن عداء الإدارات الأميركية المتعاقبة للشعب الفلسطيني وانحيازها لإسرائيل أمر بديهي، ومن الطقوس الملازمة للصراع العربي الإسرائيلي منذ عام 1948، واذا كانت بريطانيا قد أصدرت وعد بلفور وشجعت الهجرة اليهودية إلى فلسطين، فإن الولايات المتحدة الأميركية منذ انتقال مركز الثقل الصهيوني من لندن إلى واشنطن بعد الحرب العالمية الثانية، رعت قيام إسرائيل وفرضتها ودعمتها وسلحتها وكرستها، على من أنها كانت وما زالت دولة معتدية تهدد أمن المنطقة كلها،

فالعدو الحقيقي للشعب الفلسطيني هو الإدارات الأميركية جميعها قبل حكومات إسرائيل، والولايات المتحدة هي ظل إسرائيل والوجه الآخر لها، فكيف يستقيم الظل والعود أعوج.
ولعله من المناسب أن نذكر في هذا المجال أن إذاعة «كول إسرائيل» قالت إن رئيس الحكومة الإسرائيلي السابق أرييل شارون قال لشمعون بيريز في 3 تشرين الأول (أكتوبر) 2001، وخلال اجتماع لمجلس الوزراء: «في كل مرة نقوم بشيء ما تقول لي إن أميركا سترد بهذا وذاك. أريد أن أقول شيئاً واضحاً جداً: لا تقلق من الضغط الأميركي على إسرائيل، فنحن -أي الشعب الإسرائيلي- نتحكم بأميركا، والأميركيون يدركون ذلك». ولعلي أضيف أن السيناتور ويليام فولبرايت، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي لمدة خمسة عشر عاماً، قال في كتابه «ثمن الإمبراطورية» الصادر عام 1989: «المشكلة الأساسية هي أننا فقدنا حرية الحركة في الشرق الأوسط، وأصبحنا ملتزمين بسياسات لا تخدم مصالحنا القومية ولا قضية السلام في الشرق الأوسط، لأن منظمة «آيباك» أصبحت تتحكم بنظامنا الانتخابي، فتقرر من يسقط في الانتخابات ومن ينجح... ومن بين جميع شعوب الشرق الأوسط، يقع الظلم الأكبر على الشعب الفلسطيني، وتصحيح هذا الظلم إلى الدرجة التي يمكن تصحيحها هو المسألة الأساسية المطلوبة في تلك المنطقة».
وللتدليل على العمى السياسي الأميركي حين يكون الأمر متعلقاً بالشعب الفلسطيني، الذي ترغب واشنطن على ما يبدو في دفنه حياً، يلاحظ القارئ أن الفقرة الأولى من المذكرة الأميركية تشير إلى «اتصالات هادئة» تجريها واشنطن مع الأطراف من أجل العودة إلى المفاوضات المباشرة التي ثبت عقمها وعبثيتها بسبب اختلال جسيم في ميزان القوى لا يعطي الفلسطينيين سوى الفتات.
ومن أجل شرح تلك «الاتصالات الهادئة»، استأذنت الرئيس أبو مازن في أن أنقل بعض ما قاله لي مؤخراً في عمان خلال جلسة ثنائية، وقد كان كريماً ووافق. قال الرئيس: قبل فترة ليست بعيدة، زارني موفد أميركي وأبلغني رسالة مفادها أنه بالنظر إلى أن هذه سنة انتخابية في أميركا، وحتى لا يحدث ما يشوش على الرئيس حملته، فان الإدارة الأميركية تطلب مني عدم الذهاب إلى الأمم المتحدة لتقديم طلب عضو مراقب، وعدم المضي في المصالحة الفلسطينية. ويكمل الرئيس: ولما سألت الموفد ماذا تريدني الإدارة الأميركية أن افعل إذاً؟ أجاب الموفد Take a pause، أي توقف عن الحركة، وعندها قلت للموفد: إن المصالحة الفلسطينية أمر داخلي ولا شأن لأحد به، وهي معطلة أصلاً بسبب توقيف لجنة الانتخابات في غزة عن عملها. أما الذهاب إلى الجمعية العامة، فهذا قرار فلسطيني لا عودة عنه. ثم أردف الرئيس قائلاً للموفد: إذا كان الأمر كذلك، وهو مرفوض من جانبنا، فهل يتوقف جارنا نتانياهو عن الحركة ويوقف نشاطه الاستيطاني؟
وتعقيباً على هذه الواقعة، وهي ليست الأولى من نوعها، قال الرئيس لكاتب هذه السطور: إنني أرى تململاً في أوساط جماهيرنا الفلسطينية سوف يتطور في تقديري إلى حراك شعبي. ولست أزعم أنني قادر على السيطرة على هذا الحراك إذا تفاقم، وسوف يتفاقم. إن استمرار الاحتلال الإسرائيلي، مقروناً بالانحياز الأميركي الأعمى، وصل حداً مقلقاً ومعقداً وخطيراً، والأخطر منه أن يستمر هذا الوضع القائم داخلياً وإقليمياً ودولياً مع انسداد كل آفاق التسوية.
هذا كلام له مغزاه ومعناه من قائد فكر طويلاً وقرر بعقلانيته وواقعيته وجرأته تغيير النهج الفلسطيني السياسي المعادي تقليدياً للغرب، وواشنطن تحديداً، إلى نهج صديق ومساير لعل وعسى، فعلى مدى المسيرة النضالية الفلسطينية بقيت القيادات السياسية التاريخية الفلسطينية معادية للغرب، وذلك بدءاً بالحاج أمين الحسيني ومروراً بالشقيري وانتهاء بياسر عرفات (تغير في سنواته القليلة الأخيرة بعد أوسلو). وإضافة إلى ذلك، فقد عارض الرئيس أبو مازن الانتفاضة والمقاومة المسلحة وتمسك بالمفاوضات والسلام سبيلاً وهدفاً إلى درجة الملل، فماذا كانت النتيجة؟ لم يتمكن الرئيس أبو مازن من انتزاع موقف أميركي واحد يعزز ويبرر مسايرته لأميركا، التي أصبحت مأخذاً عليه ومصدراً لشماتة خصومه السياسيين المتربصين به، فقد زارته كوندوليزا رايس في رام الله أربعة عشر مرة من دون أن تحاول رفع حاجز إسرائيلي واحد. واستمر الفيتو الأميركي مسلطاً على أعناق الفلسطينيين. وزاد الدعم الأميركي العسكري لإسرائيل أضعافاً مضاعفة، واكتمل -أو كاد- تهويد القدس الشرقية، قلب الدولة الفلسطينية وعاصمتها، والتي من دونها لا يمكن أن تقوم دولة فلسطينية، واستُبعد الحديث عن حدود 67، وارتفع عدد المستوطنين في الضفة ثلاثة أضعاف منذ أوسلو ليصل إلى ثلاثمائة ألف، بينما وصل عددهم في القدس الشرقية إلى مائتي ألف، أي أن عددهم وصل إلى نصف مليون يسيطرون على أربعين بالمائة من الضفة الغربية من خلال الجدار العازل والمستوطنات والطرق الالتفافية. وتعثرت المفاوضات وتوقفت، وتراجع الرئيس أوباما عن موقفه بشأن وقف الاستيطان، ولم يعد يجرؤ على لفظ كلمة الاستيطان. ودخل تعبير الدولة اليهودية رسمياً
في أدبيات السياسة الأميركية. وتلاشت فرص حل الدولتين، وسمحت أميركا إرضاء لإسرائيل ورضوخاً لها بأن يطغى الشأن الإيراني النووي على القضية الفلسطينية بحيث لم تعد القضية المحورية في الشرق الأوسط. وفوق ذلك كله، بدأ نتانياهو انتهاج سياسة تعجيزية تشترط تارة القبول بدولة يهودية وتثير تارة أخرى أملاك اليهود في البلاد العربية، وذلك من أجل الإرباك والتمييع وإضاعة الوقت لإقامة المزيد من الوحدات الاستيطانية وابتلاع اليسير المتبقي من أراضي الضفة الغربية.
ونتيجة لهذه التراكمات الناتجة عن الرضوخ الأميركي الكامل لإملاءات إسرائيل، اكتشف الرئيس أبو مازن تحولاً جذرياً في المزاج السياسي الفلسطيني، الذي كان جانحاً بأغلبيته وهْماً وسذاجةً نحو التسوية والسلام، فما إن وقف الرئيس الفلسطيني في أيلول (سبتمبر) 2011 على منبر الأمم المتحدة وتحدى الولايات المتحدة وأعلن تصميمه على التوجه إلى مجلس الأمن لطلب العضوية الكاملة، حتى بلغت شعبيته في أوساط شعبه ذروتها في سابقة غير معهودة، وهذا يذكرني بكلام سمعته من رئيس دولة عربية ناشطة وفاعلة، إذ قال: «لقد أثبت أبو مازن أنه أشجع منا، حين صمم في أيلول 2011 على التوجه إلى مجلس الأمن، رغم معارضتنا جميعاً خطوته تلك، وكذلك أميركا». وتشاء الظروف أن تصدر مجلة «تايم» الأميركية هذا الأسبوع على غلافها صورة للرئيس الفلسطيني، مع عنوان يقول: على رغم الانتقادات من كل جانب، فإن حملة محمود عباس الهادئة والسلمية من أجل إقامة الدولة بدأت تعطي ثمارها.
إن التحول في المزاج السياسي الفلسطيني لم يأت من فراغ، إنه نتيجة يأس من السياسات الأميركية التي أخذت على عاتقها رعاية قضية السلام في الشرق الأوسط. الم يتعهد بيل كلينتون يوم 13/9/1993 في حديقة البيت الأبيض، رعاية تنفيذ اتفاق اوسلو وضمانه؟ فأين اوسلو؟ ألم يكن الرئيس بوش الابن أول من نادى بحل الدولتين؟ فأين الدولتان؟ ألم يقل أوباما في خطابه في الأمم المتحدة عام 2010 حرفياً: عندما نعود ونلتقي في العام المقبل نأمل أن نوقّع اتفاقية تؤدي إلى دخول عضو جديد في الأمم المتحدة، دولة فلسطين المستقلة ذات السيادة، تعيش بسلام مع إسرائيل؟ أين تلك الدولة العضو في الأمم المتحدة؟ ألم يقل أوباما في خطابه في الأمم المتحدة عام 2011: «والفلسطينيون يستحقون أن يعرفوا حدود أرض دولتهم»؟ أين هي حدود دولتهم وقد تلاشت داخل غابة المستوطنات التي تقام بدعم وموافقة أميركيين؟
ماذا يعني كل ما سبق؟ باختصار إنه يعني أنه حان وقت الربيع الفلسطيني ضد الاحتلال الإسرائيلي. وأغلب الظن أن بوادر الربيع الفلسطيني هي حالة التململ التي يتحسسها الرئيس أبو مازن، والتي يُنتظر أن تتحول إلى حراك شعبي. إن الشعب الفلسطيني بحسه ونضاله وصموده يوشك أن يأخذ زمام الأمور بيديه، بعد أن لمس زيف السياسة الأميركية وعقم أوسلو وواي ريفر وخريطة الطريق والمفاوضات المباشرة والاستكشافية وما إلى ذلك من مسميات أهدرت الوقت وأضاعت الأرض.
الربيع الفلسطيني لا يأتي بقرار رئاسي، ولكن تمليه إرادة الجماهير الفلسطينية. والربيع الفلسطيني لا يقتصر على عصيان مدني ومقاومة شعبية سلمية، بل يشمل أيضاً جميع الخيارات المتاحة للشعب الفلسطيني، ومنها حل السلطة ووقف التنسيق الأمني مع إسرائيل ووضع الأراضي الفلسطينية تحت الوصاية الدولية، وهذه خيارات لا تخلو من مخاطر المزايدة والانفلات والاندساس، ولكن لا مفر من تحمل المجازفة للخروج من عنق الزجاجة، وهذا كله يفترض ويتطلب إنهاء حالة الانقسام الفلسطيني السياسي والجغرافي، والتي تشكل عاراً على جباه كل الفلسطينيين. ألم يتفق أبو مازن وخالد مشعل على المقاومة الشعبية السلمية خلال لقاء المصالحة الذي تم في القاهرة في نيسان (ابريل) 2011؟ إن المصالحة الفلسطينية أصبحت قدراً لا بد منه، وإلاّ سيجرف الربيع الفلسطيني القادم كلاًّ من فتح وحماس.
على أنني أود أن أختم هذه الخواطر ببعض الملاحظات حول إسرائيل، فيبدو أن هناك بوادر ربيع إسرائيلي يرى في استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية خطراً على وجود إسرائيل وأمنها، وهذه البوادر تتمثل في ظهور تيار صهيوني إسرائيلي يريد إنهاء الاحتلال حفاظاً على إسرائيل، التي يراها الكاتب الإسرائيلي بيتر بينارت «من ناحية أخلاقية، سفينةً على وشك الغرق». وفي كتابه «أزمة الصهيونية» Crisis of Zionism، الصادر هذا العام والذي أثار اهتماماً عالمياً ضخماً، يقول بينارت إن غالبية الإسرائيليين يؤيدون قيام دولة فلسطينية. وبينارت يسعى إلى ذلك حماية لمستقبل إسرائيل ومستقبل يهود أميركا، وصوناً للقيم «الليبرالية الصهونية الإنسانية». والكتاب الثاني للكاتب الإسرائيلي جيرشوم جورينبرغ، وعنوانه «إعادة تكوين إسرائيل» The Unmaking of Israel، وهو أيضاً من عتاة الصهيونيين، ويعتقد أن من مصلحة إسرائيل الانسحاب من الأراضي الفلسطينية، لأنها في رأيه بدأت تفقد الأراضي التي احتلتها عام 1967، كما يرى أن المستوطنات تضر بمستقبل إسرائيل وأمنها، وأن وجودها سيحول دون تحقيق السلام. وفي رأيه أن لا مفر من أن تقوم إسرائيل بإعادة تكوين نفسها على أسس جديدة حتى تصبح مقبولة في المنطقة. والكتاب الثالث الصادر هذا العام أيضاً، هو للكاتب اليهودي نورمان فينكلشتاين، وعنوانه «معرفة الكثير» Knowing Too Much، وفيه يتحدث عن تحول ملموس في أوساط يهود أميركا بالنسبة لسياسات إسرائيل الاحتلالية والاستيطانية، والتي في رأيه سترتد عليها سلباً إذا بقيت كما هي. وهو يشير بصورة خاصة إلى الانشقاق الذي حدث داخل اللوبي الصهيوني الأميركي بظهور تنظيم شارع ج، الذي يبدي استياءه من جوانب كثيرة من تاريخ إسرائيل الحديث وسياساتها، وفي رأيه أن هذا التنظيم سينمو، وسينال تدريجياً من قوة اللوبي الصهيوني.
وخلاصة الكلام، فإن هؤلاء الكتاب، الذين يعكسون توجهاً سياسياً ناقداً وتياراً سياسياً جديداً يعي المتغيرات العالمية، يريدون القول من منطلق الحرص على إسرائيل، إنه إذا كان ثيودور هرتزل قد حلم بالدولة، وإذا كان حاييم وايزمان قد حول الحلم إلى وعد وسياسة ملموسة، وإذا كان دافيد بن غورين قد خلق الدولة على الأرض، فإنه لم يبق لبنيامين نتانياهو ومن يأتي بعده من رموز اليمين الإسرائيلي المتعصب سوى محاولة الحفاظ على بقاء الدولة من خلال التخلي عن السياسات الحالية التي ستؤدي في النهاية إلى تدمير إسرائيل.
إن إسرائيل الحالية لا تستطيع في القرن الحادي والعشرين أن تستمر في التحكم بالشعب الفلسطيني بعقلية جابوتنسكي، العائدة إلى القرن التاسع عشر، ودوام الحال من المحال، فالمستقبل أمامنا، والأرض لنا، والإرادة متوافرة، والصمود قائم، والحراك قادم. وكما قال كاتب فلسطيني مرموق بأنه إذا شاءَت إسرائيل منازعتنا على 22 في المئة مما ارتضيناه من وطننا، فسننازعها على الـ 78 في المئة المتبقية من أرض فلسطين التاريخية لنقيم دولة ديموقراطية علمانية واحدة بحقوق متساوية للجميع.
ورحم الله القائد ياسر عرفات الذي كان يضع فوق رأسه في مكتبه شطراً من بيت شعر قديم يقول: «سأصبر حتى يعجز الصبر عن صبري». وبحثت عن الشطر الثاني فوجدته يقول «وأصبر حتى يأذن الله في أمري»، أما بيت الشعر الذي يليه فيقول:
وأصبر حتى يعلم الصبر أنني
صبرت على شيء أمرّ من الصبر

نقلا عن صحيفة الحياة