رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

أحمد فودة يكتب :مرسي وورقة إيران.. وانتهاء سياسة الإحجام

جولة عربية

الثلاثاء, 16 أكتوبر 2012 09:46
أحمد فودة يكتب :مرسي وورقة إيران.. وانتهاء سياسة الإحجام

ذكرني وقوفه خلف منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة ممسكا بلوح أبيض كبير قد رسم عليه شكلا لقنبلة كاريكاتورية مؤشرا عليها بقلمه الفسفوري الأحمر، بأحد مدرسي مادة الفيزياء بالمدرسة الثانوية... إنه رئيس الوزراء الإسرائيلي بينيامين نتنياهو شارحا وجهة نظر بلاده لمندوبي 192 دولة هم عدد- التلاميذ- أقصد الأعضاء بها. وإن لم يكونوا قد استعدوا بعد لبداية حقبتهم الدراسية الجديدة بإحضار الزي المدرسي المناسب والكتب والملازم التي تطبعها إسرائيل وتسوقها بعض وسائل الإعلام العالمية، بل والعربية.

إلى هذا الحد بلغ الاستخفاف وفقدان الأوراق الحقيقية مبلغه لدى الإدارة الإسرائيلية، وكأن شعوب العالم كلها قد أصيبت بالزهايمر، فلم نعد نذكر من هم حلفاء الأمس القريب الذين تعاونوا بينهم فيما عرف حينها بفضيحة إيران كونترا.
ولمجرد التذكير، فإن ما عرف بإيران كونترا هي تلك الفضيحة التي اهتز لها وجدان الرجل الأبيض على شاطئ المحيط الأطلسي، سواء في أوروبا الغربية أو في الولايات المتحدة الأمريكية، حين علم أن زعيم واشنطن والعالم المتحضر، الرئيس الأسبق رونالد ريجان، قد عمل على إمداد إيران بزعامة الإمام الخميني، والذي لم ينفك يسمي الولايات المتحدة بالشيطان الأكبر... أقول عمل ريجان على إمدادها بصفقة أسلحة متطورة عبر إسرائيل ليشد من أزرها في مواجهة العراق أثناء حرب الخليج الأولى في ثمانينات القرن الماضي، في مقابل أموال إيرانية تم الدفع بها لمناهضة نفوذ الاتحاد السوفيتي في نيكاراجوا.
وربما تصور السيد نتنياهو أن مصر الثورة ما تزال منخدعة بتلك المشاحنات والحروب الوهمية التي تديرها إسرائيل حول إيران، أو أننا قد ارتجفت قلوبنا حول ضربة استباقية توجهها إيران إليه، أو أننا لا ندرك المصلحة الكبرى

التي تؤديها إيران للولايات المتحدة الأمريكية ببقائها مهددة لدول الخليج العربي حتى تظل متمسكة بالوجود الأمريكي العسكري على أرضها وشواطئها، مبددة ثرواتها عليه طلبا للأمان.
ربما أرادنا السيد نتنياهو أن ننسى أنه حين قرر أن يضرب مفاعلا نوويا فقد ضرب المفاعل العراقي، وحين قررت أمريكا أن تفكك دولة فقد فككت العراق ووضعت على رأسه نظاما مواليا لإيران التي سبق أن دعمتها في حرب الخليج الأولى.
ولهذا كله فإن الدبلوماسية المصرية في عصر ما بعد ثورة 25 يناير قد قررت أن تفتح الباب على مصراعيه أما إيران لتثبت أو تنفى رغبتها في أن تتسق مع واقعها الإقليمي، بل ومع ثقافتها المقاومة المؤيدة لحق الشعوب في تقرير مصيرها واختيار حكامها بملء إرادتها كما فعلت إيران نفسها في ثورتها ضد حكم الشاه، بأن وضعت أمامها قضية الشعب السوري من خلال إشراكها في الرباعية التي اقترحها الرئيس مرسي مع أخريات كالسعودية وتركيا.
وهنا يمكن أن نفهم تصريحات وزير الخارجية المصري عمرو كامل حينما قال: "قلنا للإيرانيين إما أن تكونوا جزءا من الحل أو أن تستمروا جزءا من المشكلة، وحينها ستسقطون مع نظام دمشق الساقط لا محالة".
وهو ما يعني أنه على إيران أن تجيب على السؤال: هل ستدخل من خلال الباب الذي فتحه لها الرئيس مرسي إلى علاقات إقليمية سليمة؟ أم أنها ستغلقه دون نفسها فتترك وراءها كل فضاء كانت قد
توغلت فيه خلال ثلاثة عقود مضت، احتفظ فيها مبارك بورقة إيران تحت إبطه، برهن الولايات المتحدة الأمريكية، يخرجها متى أرادت ويخفيها متى أرادت؟
إن الإحجام واللافعل الذي كان يجسده عصر مبارك هو الذي طرح مصر خارج المعادلة الإقليمية والدولية عقودا مضت، حتى أن المُراجع لبعض وثائق ويكيلكس عن لقاءات الرئيس السابق مع الأمريكيين يستشعر دون جهد أنه كان مجرد مراسل صحفي لهم في المنطقة، ينقل لهم انطباعاته وانطباعات الزعامات العربية فيها، حتى أنك تعجب من أن معظم المحادثات كانت تدور حول ما يطلبه الأمريكيون وليس بها أبداً شيئا عما تطلبه مصر. ونتيجة لذلك فقد تركت مصر بإحجامها عن أداء دورها فراغا سياسيا مهولا في العالم العربي شجع أطرافا عديدة على لعب أدوار لم تكن لها، حتى بلغ الأمر ذروته بطرح ما عرف حينها بالمنظومة الشرق أوسطية التي تعتبر فيها إسرائيل بالنسبة للعالم العربي دولة شرق أوسطية، مثلها مثل المملكة العربية السعودية مثلا.
ولعل التغير الحادث في بداية استخدام مصر لأوراقها الإقليمية فيما يخص إيران بعد ثورة 25 يناير هو ما يثير كثيرا من القلق لدى دوائر صنع القرار الأمريكي. ويحسن بنا هنا أن نسترشد بما ذكره السيد ديفيد شينكر والسيدة كريستيان لين في مقالهما في جريدة لوس أنجلوس تايمز قبيل زيارة الرئيس مرسي إلى الصين وإيران، تحت عنوان(تقارب مصر مع الصين وإيران يزعج السياسة الأمريكية) حيث قالا: إن هذه السياسة الجديدة التي تتبعها القاهرة والتي تتمثل في إعادة التقارب مع طهران هي الأوضح في محاور سياسة مرسي الخارجية. ورغم أن الفكرة بأن مصر هي حليف رئيسي للولايات المتحدة منذ فترة طويلة وأن توصيف نفسها كـ "غير منحازة" تعتبر فكرة بغيضة، إلا أنه ونظراً لتصاعد حدة التوتر بشأن برنامج إيران النووي فإن توقيت زيارة مرسي يبدو مستفزاً بشكل خاص.
وسواء اتفقنا أم اختلفنا مع تحليلهما إلا أن هذا يؤكد تحول مصر من سياسة الإحجام واللافعل إلى سياسة الإقدام والفعل المؤثر التي كنا نفتقدها في عصر ما قبل الثورة
نقلا عن صحيفة الشرق القطرية