رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

سليمان جودة يكتب :ثوب «كلينتون».. من أجل ماذا تنسجه؟!

جولة عربية

الأحد, 07 أكتوبر 2012 11:07
سليمان جودة يكتب :ثوب «كلينتون».. من أجل ماذا تنسجه؟!

هناك أسطورة يونانية قديمة، تقول إن امرأة اسمها «دنلوب» كانت تخجل من منظر رجال كثيرين كانوا قد وقفوا على بابها، وكانوا يريدون، واحدا وراء الآخر، أن يرتبطوا بها، بعلاقة زواج، ولم تكن هي ترغب في أن يتم مثل هذا الزواج لسبب سوف نعرفه، ولذلك، راحت تتفنن في صدهم جميعا، رجلا بعد آخر!
وقد لجأت المرأة إلى حيلة ذكية، بأن أحضرت خيطا، وقررت أن تنسج منه ثوبا، وأعطت كل واحد ممن كانوا يخطبون ودها، وعدا، بأن تتزوجه بمجرد أن تنتهي من نسج الثوب، وكانت، بعد أن وعدتهم، تفك ليلا، ما تنسجه نهارا، وبالتالي، فقد كان على كل من يريد الارتباط بها، من أولئك الرجال، الذين كانوا قد تكاثروا في انتظارها، أن يبقى منتظرا إلى الأبد، لا لشيء، إلا لأنها كانت تهدم في الليل ما تبنيه بالنهار.. وهكذا، وهكذا، دون توقف!

ولم تكن هذه هي حقيقة الموقف كله، إذ تبين للرجال المساكين، فيما بعد، أنها لم تكن تستهلك الوقت بهذه الطريقة، من أجل صرفهم عنها فقط، وإنما كان هناك هدف آخر أهم، يمثل الأصل في الموضوع، وهو أنها كانت قد ارتبطت بعلاقة حب، مع رجل، وكان هو أيضا قد ارتبط بها، ولكنه كان على سفر طويل، وكان عندها أمل في عودته، ولم تكن هي تمل من انتظاره، ولم تقع على وسيلة تستطيع أن تنتظره بها، دون أن يلومها أحد، إلا تلك الخدعة المراوغة، التي هربت إليها، والتي كانت من خلالها، تسلي نفسها، أولا، وتصرف عنها الذين يرغبون فيها ويطاردونها، ثانيا، ثم، وهو الأهم، تظل في انتظار أن يعود الرجل الذي ملأ قلبها ثالثا!
إنها أسطورة يونانية شهيرة، وهي قصة طويلة عريضة كما ترى، ولكنها تبقى موحية بأكثر من معنى، في أكثر من وقت.
ولا بد أن المتابع لظاهر العلاقة بين الولايات المتحدة الأميركية بشكل خاص، والغرب بوجه عام، وبين إيران، حول مشروعها النووي، وحقيقة مراميه، سوف يكتشف، أن ما كانت «دنلوب» تمارسه قديما في مواجهة عشاقها، يكاد ينطبق بالضبط، على ما تقوله واشنطن، إزاء طهران، حول المشروع النووي إياه.. كيف؟
كانت هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية الأميركية، قد صرحت يوم الاثنين 10 سبتمبر (أيلول) الماضي، بأن بلادها ترفض تحديد أي مهلة نهائية لإيران، وأنها، أي الولايات المتحدة، ما زالت تعتبر المفاوضات أفضل نهج لتسوية الملف النووي!
تصريح من هذه النوعية، يجعل من هيلاري كلينتون «دنلوب» العصر في التعامل مع إيران، لأنه يجعل التفاوض بين الطرفين مفتوحا على أفق بلا حدود، وبلا معالم.. فما يقال بينهما، الولايات المتحدة وإيران، اليوم، يجري التراجع عنه، غدا، وما يؤكدانه غدا يتم نفيه، بعد غد.. وهكذا.. وهكذا.. دون أمل في الوصول إلى شاطئ!
والشيء الغريب، بل والمدهش، أن الوزيرة «كلينتون» لا تمارس وحدها، في القرن الحادي والعشرين، ما كانت «دنلوب» تشغل وقتها به، قبل الميلاد، وإنما يتبين لنا من خلال تصريح أدلى به الرئيس الإيراني أحمدي نجاد، يوم الاثنين قبل الماضي، في نيويورك، أنه هو الآخر، قد انقلب إلى «دنلوب» أخرى!
يومها، كان نجاد في المدينة الأميركية، من أجل حضور الاجتماعات السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة، وهناك سُئل من الصحافيين عن آخر المستجدات في المفاوضات حول برنامج بلده النووي، فقال ما معناه، إنه ليس من المنتظر أن يطرأ شيء جديد في هذا الملف، قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية التي تجري في

6 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.. ليس هذا فقط، وإنما أضاف فقال إن بلاده لا تأخذ التهديدات الإسرائيلية، على محمل الجد!
فإذا لم يكن كلامه عن استبعاد أي جديد في الملف، قبل الانتخابات الأميركية، سوف يقنعنا، بأنه، أي نجاد، يلعب هو الآخر دور «دنلوب» بامتياز، وإذا لم يكن حديثه عن طبيعة رؤيته لتهديدات تل أبيب لإيران، وكيف أنها ليست جادة، سوف يقنعنا بدوره، بأنه، أي الرئيس الإيراني، أقرب إلى «دنلوب» منه إلى أي شيء آخر، بأي مقياس، فإن مثلا فارسيا استشهد به، وهو يتكلم، يشير لنا بوضوح، إلى أن مزاج «دنلوب» يسيطر، ليس فقط على حركة الجانب الأميركي، كما يدل تصريح كلينتون، ولكنه يسيطر، بالقدر نفسه، على العقل السياسي الإيراني، إزاء الملف برمته.
أشار نجاد إلى مثل فارسي يقول إنك إذا ما اصطدت سمكة، ثم وضعتها أمامك على المائدة، فإنها تظل طازجة ما بقيت فوق مائدتك!
والمفهوم هنا، من سياق الكلام، أن السمكة ليست إلا الملف النووي الإيراني، وأن الجالسين على المائدة يتطلعون إليها، هم المفاوضون الأميركيون، والغربيون، والإيرانيون، وأن الملف، بالتالي، وبالقياس على المثل الإيراني، سوف يظل حيا، ما بقي على الطاولة، ومن حولها المفاوضون يتحلقون، وربما يحملقون!
فإذا جمعت أنت، مشهد «كلينتون» وهي تتكلم عن الأفق الممتد، بلا أي سقف، إلى جانب مشهد «نجاد» وهو يتحدث عن أن تهديدات الدولة العبرية لإيران، ليست جادة، من وجهة نظر الإيرانيين، إلى جوار معنى المثل الإيراني العجيب، فسوف يتبين لك، أنك أمام ثلاثة مشاهد، تتكامل مع بعضها البعض، لتشكل في النهاية، صورة «دنلوب» وهي تخادع الذين جاءوها يطلبون الزواج، فإذا بها تلهيهم، ثم تتلهى عنهم، بالخيط، تجعل منه ثوبا، نصف اليوم، وتعيده إلى أصله، النصف الآخر، دون أن تبدو نهاية قريبة من جانبها، لتلك اللعبة التي لم تكن تبدأ، حتى تنتهي، ولا تكاد تنتهي حتى تبدأ!
المشكلة، أن هدف «دنلوب» الحقيقي من وراء لعبتها، أو بمعنى أدق، من وراء عبثها، كنا نعرفه.. أما الهدف، من وراء اللعبة المماثلة، والعبث المشابه، في أيامنا هذه، على أيدي الطرفين، الأميركي والإيراني، فهو مجهول تماما، ويستحق منا أن نفكر فيه، بجدية كاملة، لعلنا نفهم مقتضياته، أو على الأقل نستوعب أبعاده!
نقلاعن صحيفة الشرق الاوسط