رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

محمد نور الدين يكتب :تركيا ومأزق المراوحة مع سوريا

جولة عربية

السبت, 06 أكتوبر 2012 11:14
محمد نور الدين  يكتب :تركيا ومأزق المراوحة مع سوريا

سقوط قذائف سورية داخل الأراضي التركية عند الحدود مباشرة ليس أمرا استثنائيا.فالمواجهات المسلحة بين قوات النظام السوري والمعارضة المسلحة بمحاذاة الحدود التركية السورية متواصلة منذ فترة طويلة واحتمالات سقوط قذائف أو رصاص على الجانب التركي من الحدود قائمة في كل لحظة.

سقوط قذيفة على بيت تركي ومقتل خمسة أشخاص ليس نتيجة تستدعي الاستنفار القومي وتنذر بهبوب رياح الحرب بين تركيا وسوريا.
ذلك أن كل الظروف المحيطة بالعلاقة بين تركيا وسوريا وفي المنطقة بسبب الصراع في سوريا وعلى سوريا يجعل من الوضع معقدا ومفتوحا على كل الاحتمالات إذا أريد له ذلك والعكس صحيح أيضا.
فعلى سبيل المثال قامت إسرائيل بقتل تسعة أتراك مدنيين في عرض المياه الدولية في نهاية مايو 2010 كانوا في سفينة مرمرة في إطار أسطول الحرية.ومع ذلك لم تبادر أنقرة إلى الرد عسكريا على إسرائيل رغم التعمد في قتل الأتراك.ولم تقطع أنقرة العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل بل خفّضتها من رتبة سفير إلى السكرتير الأول.واستمر الازدهار في العلاقات الاقتصادية بين البلدين بحيث سجل سنويا نسبة زيادة عن كل سنة سابقة بلغت 35 في المائة.
ورغم ضخامة الحادثة لم تفرض أنقرة من شروط جدية سوى الاعتذار عن الحادثة.وهو الذي لم يحصل حتى الآن.
لقد تحولت العلاقات بين تركيا وسوريا منذ بدء الأزمة السورية

إلى حالة مختلفة.حيث دائما كان العرب والمسلمون أشداء على بعضهم وأذلاء وضعفاء أمام العدو الحقيقي.
لا يزال رجب طيب أردوغان الزعيم غير المنازع لحزب العدالة والتنمية والذي يحظى بتأييد نصف الناخبين الأتراك.لكن هذا يتصل بالشؤون الداخلية.
ومن ينظر إلى استطلاعات الرأي الكثيرة والدورية منذ أشهر وحتى الآن يقف تماما أمام معارضة قاطعة تبدأ من 60 في المائة وتلامس الثمانين في المائة لأي تدخل عسكري تركي في سوريا بل ترى هذه النسبة أن سياسة تركيا تجاه سوريا خاطئة.وهذه النسبة لا شك تشمل قواعد في حزب العدالة والتنمية.
ذلك أن الأزمة السورية خرجت من ظروفها التي ظهرت في البداية لتتحول إلى حلبة صراع إقليمية ودولية على سوريا.ومنها سترتسم ملامح النظام الإقليمي بل الدولي الجديد وهو ما يفسّر تماما الموقف الروسي الحاد والصلب في عدم خسارة سوريا حتى لو تسبب الأمر بحرب نووية.
عندما بدأت الأزمة السورية سلكت تركيا تجاهها خطين متوازيين.في وقت كان وزير الخارجية التركي يقوم بزيارات عدة إلى سوريا لإقناع النظام بالإصلاح كانت أنقرة تنظم المعارضة السورية السياسية وتحتضن ما عرف لاحقا بـ"الجيش السوري
الحر".وقد تحوّلت تركيا إلى قاعدة مريحة وأساسية للمعارضة السورية المسلحة لجهة المعسكرات والتدريبات والتسليح.وهو ما أدخل تركيا طرفا مباشرا في الصراع المسلح في سوريا.وهو ما تجمع عليه كل التقارير الغربية والتركية فضلا عن الوقائع الميدانية.وليس الإعلان مؤخرا على أن قيادة الجيش السوري الحر انتقلت من تركيا إلى داخل الأراضي السوري سوى دليل قاطع على صحة تلك التقارير والوقائع.
لقد راهنت أنقرة على معادلة وحيدة ويتيمة وهو أنه لا حلّ إلا بإسقاط النظام.وهو رهان ناتج عن عدم تقدير التعقيدات المحيطة بالمسألة السورية ولاسيَّما التركيبة الداخلية السورية والروابط الإقليمية والدولية.وهو ما أوقع أنقرة بمأزق افتقاد زمام المبادرة وبالتالي المراوحة حيث لا يمكنها التراجع عن مواقفها المعلنة ولا يمكنها لأسباب أمريكية وغربية التقدم خطوة إلى الأمام لإسقاط النظام عسكريا.
تتعاطى تركيا اليوم مع الأزمة السورية وفق سياسة حافة الهاوية.غرب لا يذهب معها إلى التصعيد فيما هي تحاول أن تأخذ بالتطورات إلى نقطة يمكن جر الغرب إلى مرحلة الخروج من المراوحة.وهذا يختزن الكثير من المخاطر التي يقدّرها "اللاعبون الكبار" أكثر من المستجدين على اللعبات الكبيرة.
الحادث الذي أودى بحياة خمسة أشخاص أتراك بقذيفة سورية ليس خطيرا من أي زاوية نظرنا إليه ولا يستدعي كل هذا الاستنفار التركي ولا الاستنجاد بحلف شمال الأطلسي.وهو لا يعادل واحد في المائة من خطورة حادثة مرمرة بين تركيا وإسرائيل.وإذا كانت تركيا التزمت بالهدوء والحل السلمي لقضية مرمرة، فإن الأولى أن تفعل ذلك مع سوريا ليس من أجل تجاوز أزمة "القذيفة" بل كل الأزمة السورية التي لم يقدّر المسؤولون الأتراك مخاطرها على تركيا إلا في الآونة الأخيرة.
نقلا عن صحيفة الشرق القطرية