رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

محمد الأشهب يكتب :"الاستقلال" بين المرجعية والتوريث

جولة عربية

الأحد, 30 سبتمبر 2012 08:59
محمد الأشهب يكتب :الاستقلال بين المرجعية والتوريث

العام 1981، انشق تيار زعم الدفاع عن البدو وسكان الأرياف في المغرب عن تجمع الأحرار الذي كان يقوده رئيس الوزراء السابق أحمد عصمان. الصدفة وحدها اختارت نقابياً يدعى أرسلان الجديدي وضع نصب عينيه أن»العروبية» كما يطلق على القرويين في المغرب لا بد أن يكون لهم مكان تحت شمس السياسة في مواجهة بورجوازية المدن التي استأثرت بالسلطة والمال.

بدا وقتها أن الانحياز إلى القرويين يمكن أن يتحول إلى برنامج سياسي. ففي بعض الفترات ينقاد الناس إلى مرجعيات في مثل بساطة التفريق بين سكان الحواضر والأرياف. غير أن هذا التوصيف كان أقرب إلى نزعة قبلية. وكان متنفذون قلائل في الجيش والسلطة يجاهرون بأن الحيف والتهميش يطاولان الأرياف، أكان ذلك على صعيد تدني المرافق العامة وغياب الفرص المتكافئة في التعليم والصحة ومراكز القرار، أو حيال استمرار مقولة «المغرب النافع وغير النافع» التي اخترعها الجنرال ليوطي. وزاد في ترجيح سلاسة ذاك الانشقاق الحزبي أن البلاد تأثرت سلباً بمضاعفات سنوات الجفاف وانحباس الأمطار، وربما أن أعتى المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي يواجهها المغرب تفاقمت حدتها نتيجة تأثير هجرة القرويين إلى المدن، بحثاً عن العمل وسترة العيش، على

خلفية إخفاق أكثر من مشروع إصلاح زراعي وظهور طبقة جديدة من غير المزارعين تعاطت وإنتاج الأرض المعطاء. ما يفيد أن ورقة البادية استخدمت لأهداف سياسية، ولم تنتج عنها معالجات بنيوية بقدر ما استهدفت دغدغة العواطف والمشاعر المتأججة.
فالمغرب من دون أريافه سيظل عاجزاً عن ضمان أمنه الغذائي واستقراره الاجتماعي، في ضوء تعاظم تحديات زحف الاسمنت وتراجع الموارد المائية. وأريافه من دون توازن حضري ومساواة في حقوق التنمية ستبقى عبئاً ثقيلاً.
ومن حسن حظ المغرب أن قوانين الأحزاب حظرت تشكيلها من منطلقات قبلية أو عرقية أو لغوية، في ظل التزام ثوابت الهوية. ذلك أن أخطر المعضلات يكمن في استشراء الفوارق بين الفئات والفضاءات. وحروب المغاربة لن تكون قبلية بقدر ما يجب أن تركز على مواجهة الفقر والأمية والعزلة ومظاهر التخلف.
ولعل الأزمة التي اجتازها حزب الاستقلال لم تكن نتاج صراع حواضر وأرياف. كان طبيعياً في صراع الزعامة أن تنشطر الصفوف والاتجاهات، والمصالح أيضاً. ففي قوانين أي منافسة لا بد
من اعتماد جدلية الإقناع والاقتناع. وبين حميد شباط وعبدالواحد الفاسي كان الاحتكام إلى صناديق الاقتراع فاصلاً. غير أن ذلك لم يحل دون استخدام هواجس غير ديموقرطية، من قبيل حروب العوائل والجذور، تماماً كما في حال حروب الأرياف والحواضر التي لا تعدو عن كونها معارك سطحية وهامشية، قياساً إلى تحديات المرحلة.
الغائب في السباق إلى منصة الزعامة أن الحزب مثل خلية مجتمعية تضم كل أصناف الطيف، اضافة الى حرصه على أن يكون حزب كافة الملتزمين بمبادئه وتوجهاته. ولولا هذه المرجعية لما أتى رجل من مصنع خراطة ليصبح الرقم الأول في معادلته القيادية والتنظيمية، فهذه تحسب للحزب لا عليه.
لكن الخشية على مستقبل التنظيم لا تنفصل عن الخشية على مسارات السياسة في المغرب.
ولعل أهم رهان تواجهه القيادة الجديدة يكمن في تحويل انتصارها إلى فوز مشترك، لا يلغي صف المناوئين ولا يزهو بتصفيقات المناصرين. وفي حكاية غير متداولة أن الملك الراحل الحسن الثاني غضب يوماً حيال موقف الاستقلال عندما هدد بمغادرة الحكومة. حينذاك أسر لأحد مساعديه المتنفذين أن يذهب إلى البرلمان ليخاطب الرأي العام. أوصاه أن يتحدث في أي قضية بكل حرية، شرط أن يقرأ رسالة مشفرة من بضع كلمات مفادها أن «لا توريث في السياسة». ترى لو أن منافس شباط علم بمضمون الرسالة، هل كان سيترشح لقيادة حزب انتهت ولاية زعيمه الذي اسمه عباس الفاسي فيما أن المرشح يدعى عبدالواحد الفاسي نجل مؤسس الحزب علال الفاسي.
نقلا عن صحيفة الحياة