رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

أحمد المرشد يكتب:مصر بين أكثر من رأي

جولة عربية

السبت, 15 سبتمبر 2012 13:38
أحمد المرشد يكتب:مصر بين أكثر من رأيأحمد المرشد
بقلم:أحمد المرشد

ماذا يجري بمصر؟.. تساؤل به كلمات قليلة ولكن إجابته ربما تتطلب كتبا ضخمة لوضع مجرد مقدمة لما تشهده أرض الكنانة.. فهي كل يوم بحال ولم تخرجها الثورة إلى بر الأمان.

حتى بعد انتخاب الرئيس محمد مرسي هذا الرجل الأكاديمي الإخواني الذي تدرج في عالم السياسة من عضو نشط بالجماعة حتى دخول المعترك البرلماني ليكون برلمانيا ناجحا بشهادة خصومه - الوطني آنذاك - ليتولى رئاسة مصر في أصعب مراحلها بعد ثورة ٢٥ يناير، وليكون أول رئيس مدني بعد زمرة من العسكريين الذي ظلوا يسيطرون على سدة الحكم في مصر منذ الثورة اليوليوية كما يصنفها اليساريون بلغتهم.
إذاً.. لقد اكتست مصر باللون الأخضر نسبة إلى حقبة حكم الإسلاميين الجديدة بسيطرة الإخوان على مقاليد السلطة – برلمان غائب في طريقه للعودة وحكومة ورئاسة وإعلام ومحاولة للهيمنة على القضاء في الطريق - ولكن ورغم هذه الكسوة الخضراء، فإن الانتقادات للحكم الجديد لم تسلم من فئة من المتأسلمين وهم الذين يطلق عليهم في مصر "السلفيون" وحزبهم السياسي المسمى بحزب النور، وكأن ماعدا ذلك هو الظلام بعينه.
فليس عجيبا أن يكون بمصر تيار إسلامي واسع المجال مثل الدواء المضاد الحيوي واسع المجال الذي ينفع في شفاء الكثير من الأمراض.. ولكن مع الفارق، فالتيار الإسلامي واسع المجال يتكون من جماعات عديدة تختلف في الرؤى والتوجهات ولا يجمعها سوى المسمى الواسع الفضفاض (الإسلامي). ولو نظرنا للحقيقة بنظرة ثاقبة، نستكشف أن لكل جماعة أهدافها التي تختلف مع الأخرى، وفي هذه الحالة لا يربط المسمى الإسلامي بينهما، لأن الإسلام كدين يدعو إلى الاتحاد باعتبار أن الاتحاد قوة، في حين أن التيار الإسلامي مشتت ولا يجمعه سوى المسمى كما أسلفنا وضخامة العدد نسبيا إذا قارناه ببقية التيارات الليبرالية واليسارية والائتلافات الأخرى التي تكونت كنتيجة طبيعية لثورة 25 يناير والتي أطلقت الحريات فقط في تكوين الائتلافات والأحزاب والتيارات السياسية والدينية، ولكنها فشلت في تدشين اتحاد قومي شامل ينظر لمصلحة مصر أولا.
وإذا أخذنا فصيلا مهما من التيار الإسلامي وربما يكون الثاني في القوة والعدد بعد الإخوان المسلمين وذراعهم السياسية حزب الحرية والعدالة، فنجد أن حزب النور قد حاز على ربع مقاعد البرلمان

المنحل، وحل ثانيا بعد الحرية والعدالة، مما أعطاه قوة في التحرك ونبرة الحديث عن المشاركة في كل شيء في مصر، حكومة وصياغة دستور ولجان وطنية وغير وطنية، خاصة بعد اكتشاف أن السلفيين قوة لا يستهان بها في المجتمع المصري وأنهم أنفسهم لم يكونوا يتوقعون مثل هذه القوة لولا إجراء انتخابات برلمانية وحساب مدى انتشارهم في المجتمع.
فالسلفيون الذين وقفوا في البداية ضد الإخوان وحزبهم الحرية والعدالة وتكتلوا وراء مرشحهم حازم صلاح أبو إسماعيل، أعلنوا تكتلهم وراء المرشح الإخواني المستقل عبد المنعم أبو الفتوح رافضين دعم المرشح الإخواني الرسمي محمد مرسي، ثم عادوا وأعلنوا تأييده في انتخابات الإعادة على اعتبار أن منافسه من الفلول ولا يجوز دعمه أو الاقتراب منه، وبالتالي فإن دعم منافسه الإسلامي في هذه الحالة هو واجب ديني وليس وطنيا، وبالقطع يفوز العامل الديني ويجب السياسي هنا، فالأمر وجب ولا مجال لمخالفته.
وتمر الأيام والكل يراقب أداء محمد مرسي وعلى رأس هؤلاء السلفيون، ولو نجح في الاختبار لقالوا له نحن معك ونظل نبايعك، وإذا فشل لأخبروه بأنهم كانوا يرفضونه في السابق وإنما انتخبوه كرها في أحمد شفيق وليس حبا فيه.. وبالتالي، الخطأ هنا يستوجب المساءلة، وهو ما قام به السلفيون بالفعل، وبدأوا يستعدون لانتخابات برلمانية قادمة – إذا لم يعد البرلمان المنحل قريبا كما يشاع – عبر شن هجمات ثقيلة ضد الرئيس لكسب تعاطف الشارع الذي لم ير حتى الآن نتائج إيجابية من انتخاب مرشح الإخوان وتكاد المائة اليوم الأولى تمر بدون حلول للمشكلات الصعبة والتي تتمثل في عودة الأمن المنفلت واستعادة الاقتصاد لقوته وتوفير فرص عمل والسيطرة على الاحتجاجات الفئوية التي تهدر ملايين الدولارات يوميا في ضياع كامل لعملية الإنتاج.
وجاءت الفرصة للسلفيين على طبق من ذهب، وإذا كانوا هم الذين يطالبون بأسلمة المجتمع المصري بكافة أشكاله من أجل تطبيق الشريعة الإسلامية، إلا
أنهم أعلنوا استياءهم من تصرفات الرئيس الإخواني الذي يضعونه الآن في عداد اليساريين . لماذا؟..لأن الرئيس خذلهم ولم يقف بجانب دعواهم بدعم صياغة إسلامية للدستور التائه بين جميع التيارات الدينية والسياسية في مصر. حتى إن حزب النور شهد انشقاقات داخلية كبيرة بسبب مواقفه التي رأى البعض أنها مهادنة للرئيس على حساب الالتزام بالشريعة، وقدم عدد من شباب الحزب استقالاتهم.
أما الفرصة الحقيقية التي استغلها السلفيون للإطاحة بالرئيس الإخواني الذي أعلنوا أنهم انتخبوه ليكمل هدفهم بأسلمة مصر، هي لقاء الرئيس المصري الإخواني المسلم لمجموعة من الفنانين والمثقفين وتشجيعه لهم على استمرارهم في أداء مهامهم.. وهنا وقعت الواقعة، فوصف أحد الدعاة السلفيين الفنانين بأنهم "فاسقون وفجار"، وأنه لا يجوز لرئيس الجمهورية أن يجلس هذه الجلسة.. الغضب زاد والأمر تطور ليظهر المتأسلمون على حقيقتهم من الفن والإبداع والثقافة . فالفن هو قوم لوط والحشاشين، وكيف لهم أن يجلسوا من الرئيس المسلم الذي انتخبناه ليؤسلم مصر .
وخاطب شيخ سلفي آخر الرئيس في لهجة نذير ووعيد بأن الصوت الذي منحناك إياه سنسحبه منك، وقال هذا: "لم أخترك لأن تكون رئيسا للدولة المدنية كما قلت – يقصد كما قال مرسي للفنانين، بل لأنك رجل مسلم وملتح وحافظ للقرآن وشعارك (الإسلام هو الحل)، ومصر دولة إسلامية وليست مدنية. ثم يحرض هذا الشيخ مرسي لبث الوقيعة بينه وبين بقية الناس بقوله: " من التقاهم مرسي هم من صوتوا للآخر، في إشارة إلى المرشح المنافس أحمد شفيق.
وللأسف، فإن مصر لم تشهد حتى الآن مليونية أو مظاهرة واحدة تدعو لعودة الإنتاج والهدوء والطمأنينة، ولكن كل ما بها يدعو إلى التفرقة والعصبية، ناهيك عن محاولات مستميتة من التيار الإسلامي للسيطرة على كل نواحي الحياة في مصر . ولم يتوقف الوعيد والتهديد من السلفيين للرئيس الإخواني، فيسخر آخر قائلا: " لم نبايع مرسي ليكون ناصرا للفن والإبداع، ولكن ناصرا لدين الحق وليقيم دين الله في الأرض.. لو كان مرسي قد قرب الفنانين وأبعدنا فتلك مصيبة لأنهم أساءوا إليه ونحن من ناصرناه". واعتبر آخر أن حراما شرعا أن يلتقي السيد الرئيس مع عاهرات!!
كل هذا لمجرد أن التقى الرئيس المثقفين والفنانين وحاول طمأنتهم بأن حرية الإبداع والرأي مكفولة للجميع مؤكدا احترامه للفن والفنانين.
ولم يسلم الاقتصاد من تدخلات السلفيين، فبمجرد دخول الحكومة في المرحلة الحاسمة لإنجاز قرض صندوق النقد الدولي، هب السلفيون واعتبروا أن القرض حرام وتنازل عن ثوابت الشريعة بسبب سعر الفائدة وهي " الفائدة" في عرفهم.
هذا نزر قليل من كثير مما يجري في مصر اليوم.. فمصر حائرة بين هذا وذاك. ولا يسعنا سوى الدعاء إلى الله لنصرة مصر وأهلها من شرور أهلها.. لك الله يا مصر التي أحببناها.
نقلا عن صحيفة الشرق القطرية