رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

عدنان سليم أبو هليل يكتب :المشروع الوطني الفلسطيني.. هل إلى خروج من سبيل؟

جولة عربية

الجمعة, 07 سبتمبر 2012 07:45
عدنان سليم أبو هليل يكتب :المشروع الوطني الفلسطيني.. هل إلى خروج من سبيل؟

مرت القضية الفلسطينية بأزمات ارتبطت بتواريخ منذ مطالع القرن الماضي وصولا إلى الانقسام بين غزة والضفة ومرورا بحروب واجتياحات ومعاهدات واتفاقات ولكنها جميعا كانت تحمل في ثناياها أملا بالتحرك وقدرة القائمين على المشروع الوطني الفلسطيني رؤية صائبة في نظر أصحابها وخاطئة أو منحرفة في نظر خصومهم.. أما اليوم فالمشروع الوطني الفلسطيني كله متأزم من مقاومة وتسوية ونظريات ووقائع على الأرض.. أزمة لم يمر بمثلها من قبل؛ فالانقسام بين فتح وحماس وفقدان فرص كثيرة للتصالح يحتحته، وانغلاق مشروع التسوية وتحكمات الاحتلال بالسلطة والجمود الذي يلف غزة بالحصار وعدم القدرة على المبادأة يخنقه، والإرهاق الاقتصادي والبطالة والإعواز الذي يعيشه الناس يرهقه، والتهويد الذي يجري جريا في الدم واللحم الفلسطيني الحي ثم الاستيطان الذي بات يهدد الحياة العادية والنشاط اليومي للشعب الفلسطيني يفتته.. بالتالي فقد صار من المحرمات الدينية والمنكرات السياسية والموبقات الأخلاقية أن يقبل أحد بهذا الحال عن مجاملة لأحد أو عن خوف منه أو عن تقديم مصالحة الخاصة على اعتبارات الوطنية والتاريخ والأمة والقضية.

في كل الأحوال من الضروري تقرير جملة الحقائق الآتية لوضع الأمور في نصابها من البحث والنظر وهي مما لا يكاد يختلف عليها اثنان عدلان عاقلان عارفان بالحالة الفلسطينية ونوع وحيثيات أزمة المشروع الوطني التحرري.. وأقول:
حقيقة أنه ومع كل الاحترام للقيادة الرسمية للسلطة والشعب الفلسطيني بذاتها واعتباراتها وما تمثله فليس من حقها أن تستمر في مشروع ثبتت خطورته.. وها نحن أمام الجدار وجها لوجه.. فيما هي لا تزال تصر وبدون منطق على أنها قائدة المرحلة وأن مشروعها هو الأمل الموعود واللواء المعقود وأن لا تحرير ولا استقلال بدونها؛ فإن تساءلنا عن خططها وهوامشها وأدواتها ووسائلها وإمكاناتها (بالطبع سوى تسيير الحياة اليومية الجزئية لأهل الضفة) فلا نجد إلا لغة إنشائية ركيكة وجملة عبارات مكررة وانتظار ما يتفضل به العدو.. أما العمل السياسي لديها فمقطوع عن القوة الحقوقية والإعلامية وعن اللغة الدبلوماسية وعن العلاقات العامة وعن القوة الاقتصادية والعسكرية والمجتمعية عموما.. وهل يُقبل في عقل أو في دين أو في واقع أن تسعى ثورة للتحرير فيما هي تتعاون مع العدو أمنيا وتكتفي من

العمل السياسي بتسوية ميتة ومفاوضات عقيمة وتنازلات مجانية وترجيات مهينة.
وحقيقة أن العدو الصهيوني عندما قبل بالسلطة وأدخل من أدخل من الثوار لفلسطين! لم يفعل ذلك ليقيم لهم كينونة سياسية أو دولة وطنية (هذه حقيقة أثبتتها تملصاته المستمرة من الالتزامات، وأثبتها التواطؤ الأمريكي معه، ويثبتها الواقع).. وعليه فتفكيك السلطة إذا تحتم – وأرى أنه تحتم - يجب أن ينظر إليه على أنه خطوة معاكسة للاستراتيجية الصهيونية.. ويجب أن يصير مطلبا فلسطينيا وطنيا يعني الانطلاق فورا إلى تفجير كل الإمكانات الفلسطينية في وجه الاحتلال ويعني إلقاء كرة اللهب الثوري في وجهه ووجه عملائه من الأنظمة المتصهينة وفي وجه الأمم المتحدة والرباعية المتواطئة معه.. ولابد من إلغاء كل الالتزامات والاعترافات والاعتمادات التي اكتسبها العدو من وجود السلطة سرا أو علنا.
وحقيقة أن القضية الفلسطينية بامتدادها القومي والديني والفكري وبأبعادها السياسية والتاريخية والأمنية وبماضيها وحاضرها ومستقبلها هي أكبر من كل الأشخاص والأحزاب والاتجاهات، وعليه فلتذهب إلى قعر جهنم كل الخلافات والمصالح والمحاور الشخصية والحزبية والاتجاهية التي تعطل التحرير أو تتقدم عليه فضلا عن أن تغتاله أو تخونه، فلا تجوز المقايضة بين المكاسب الوطنية العامة والتاريخية بأية مكتسبات أو عوائد شخصية كما لا يجوز أن تبنى المواقف على أساس الخوف الشخصي لأي كان ومن أي كان.. وهو – للأسف – أخطر ما تعاني منه قيادة الشعب الفلسطيني الحالية التي تتحرك تحت الخوف من مصير كمصير عرفات أو الطمع في السلامة والغنيمة لأنفسهم وذويهم وحزبهم.
وحقيقة أن المستقبل وخياراته تنبنى عضويا وتلقائيا على الحاضر وعلى الماضي كتجارب ومحصلات، وللشعب الفلسطيني تجارب في السياسات والحركات والقيادات والإنجازات ويجب البناء عليها ولا يجوز تجاهلها.. وعليه فليس يصح تجاهل المقاومة ونجاحاتها وإنجازاتها وهي التي كنست الاحتلال من غزة ولاحقت العدو في عقر ما كان يعتبره بيته وعرينه ودحرت جيوشه وأسرت جنوده
ثم حررت الأسرى الذين لم يكن من أمل لتحريرهم بغير ذلك.. هذه المقاومة يجب احترامها وتقديسها وتجاهل التفاصيل الصغيرة من الملاحظات الموضوعية أو غير الموضوعية التي تؤخذ عليها.
وحقيقة أن السلطة لا تملك الكثير من أدوات الحسم وهي تحت الاحتلال وفي ظل انشغال البعض العربي بهمومه الداخلية أو تشاغلهم بها ولكنها بالتأكيد تستطيع أن تفعل شيئا ما بما للقضية من وجاهة لدى شعوبنا ولدى الرأي العام الدولي وبما يعضدها من قرارات دولية وثوابت إنسانية وأخلاقية وبما تمثله هذه السلطة بالنسبة للشعب الفلسطيني، وما يجب أن تكونه من رافعة لكل الحالة الثورية في المنطقة وبما يخدمها من قانون ومؤسسات دولية.. ولنا أن نتخيل حال الكيان لو أن السلطة والفصائل على قلب رجل واحد ولو أنهم يعملون في الممكن المتفق عليه في حين تشتعل المنطقة بالثورات وتتغير فيها الولاءات وفي حين يعطل العدو كل السبل ويمارس كل أنواع الابتزاز والاستفزاز.. إنها إذن الانتفاضة الثالثة وعندها سنجد العدو هو الذي يتلطى على أبواب الوساطات للخروج من الأزمة.. هذا لا أقوله لإلقاء اللائمة على طرف دون الآخر ولا نسيانا للظرف الشائع الذي تعمل تحته السلطة ولا دفاعا عن خصوم السلطة الذين عليهم أن يقدموا الأسباب وربما هم يقدمونها أو معظمها؛ ولكن كما قلت ضمن الممكن ولأنها السلطة ولأن القضية هي القضية الفلسطينية.
وحقيقة أن الاختلافات الفلسطينية داخل السلطة أو بينها وبين أي من الفصائل كحماس وغيرها إنما هي اختلافات وتباينات طبيعية مهما كانت العناوين التي تقع تحتها وبالأخص ما يتعلق منها بالخيارات الكبرى ( مفهوم الدين، وحدود الوطن، ومناهج الإصلاح، وأمور السلم والحرب) وقد وجد أمثال هذه الاختلافات في كل الثورات التي لم تنقسم ولم يخوّن بعضها بعضا.. فلا يصح ولا يليق أن تصير سببا للانقسام والقطيعة، بقدر ما لا يصح ولا يجوز تناولها بفردية ولا أن يتكلم فيها من هب ودب ولا أن ترجم بسفاهات الرأي وسقيمات الفهم بحجة اختلاف وجهات النظر ؛ ولكن تتناول بمسؤولية جادة ووطنية صادقة واحترافية عالية وبعمومية شاملة فهذه الخيارات الكبرى وأضدادها ليست وجهات نظر.
آخر القول: المشروع الفلسطيني التحرري كله مأزوم من تسوية ومقاومة، ولا يجوز أن يظل الشعب الفلسطيني ساكنا متقبلا كل ما يقع عليه من غبن واستضعاف وتخريب مهما كانت وطنية القائمين على أمره؛ فالوطن يقتطع وإمكانيات إقامة دولة مستقلة تتلاشى والعالم العربي والإسلامي مشغول كل بهمومه الداخلية وجبهة الممانعة يعتريها ما نرى من الطائفية والانفكاك وربما ستأخذ وقتا لتعود للسكة.. فليس بعد هذا مجاملات ولا مناورات وعلى الشعب الفلسطيني وقواه الحية من فصائل ومستقلين ونخب وعامة أن يتحركوا في الهوامش الممكنة وصولا لما يظن أنه مستحيل.
نقلا عن صحيفة الشرق القطرية