عطاء الله مهاجرانى يكتب :رسالة مرسي القوية في قمة عدم الانحياز بطهران

جولة عربية

الاثنين, 03 سبتمبر 2012 08:53
عطاء الله مهاجرانى يكتب :رسالة مرسي القوية في قمة عدم الانحياز بطهران

يبدو لي أن قمة حركة عدم الانحياز في طهران بعثت ببعض الرسائل القوية للولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل والغرب.

كانت أقوى رسالة من الرئيس المصري محمد مرسي، فقد كان خطابه رائعا وعميقا وفريدا. وكانت إسرائيل والولايات المتحدة هما أول دولتين تمت الإشارة إليهما خلال القمة، وفهمت «واشنطن بوست» الرسالة. لا، ليست مشاركة العالم في هذا المؤتمر بلا معنى، فهي تبعث برسائل، إحداها مفادها أن إيران أكبر من أن يتم تجاهلها («واشنطن بوست» 30 أغسطس «آب» 2012). أما الرسالة الثانية، فكانت عن سوريا، وكانت واضحة جلية، لكن حاولت إيران تجاهلها. وتم استخدام مقص الرقيب مع خطاب مرسي وحرّفه التلفزيون الإيراني، حيث استخدمت كلمة البحرين محل كلمة سوريا. وترجم المترجم الإيراني للقمة «الثورة السورية»، بـ«الفتنة في سوريا». مع ذلك، من المستحيل تحريف خطاب في عصر الإنترنت والسماوات المفتوحة. على سبيل المثال، استمعت شخصيا إلى خطاب الرئيس على قناة «نايل تي في»، لذا اكتشفت الفرق بين ما قاله في خطابه وما نقله عنه التلفزيون الإيراني الرسمي.
ويعد الرئيس محمد مرسي هو أول رئيس مصري مدني يزور إيران يوم الخميس الموافق 30 أغسطس ويشارك في قمة حركة عدم الانحياز. كذلك تعد الزيارة التي قام بها مرسي إلى إيران هي الأولى التي يقوم بها رئيس مصري منذ قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في الثمانينات بعد اعتراف مصر بإسرائيل.
وأتذكر أنه لم يقم رئيس مصري بزيارة إيران قبل الثورة الإيرانية سوى الرئيس أنور السادات وألقى خطابه حينئذ بالفارسية وكان يزخر بالنكت الموجهة للإيرانيين. لقد كان صديقا مقربا من الشاه.
وقبل السادات في عهد جمال عبد الناصر، كانت العلاقات بين إيران ومصر ضبابية ويغلب عليها التوتر. ويعلم الجميع أن إيران دعمت إسرائيل خلال حرب عام 1967. لقد كنت طالبا آنذاك وكنت أنشر أخبار الحرب بين إسرائيل ومصر، لذا مازلت أتذكر حتى هذه اللحظة ما حدث خلال حرب 1967. لقد كان شتاء قارصا في مدينتنا آراك. وكان هناك ثمثال

أسد ثلجي في الميدان الرئيسي بالمدينة، حول رقبته طوق خشبي مكتوب عليه «أنا قاتل عبد الناصر». وتساءلت بيني وبين نفسي حينها كيف يمكن لهذا الأسد أن يقتل عبد الناصر، فهو ما كان ليأتي إلى آراك، ولا يمكن للأسد أن يذهب إلى مصر لطقسها الحار، حيث سيتبخر هناك. لقد اتخذ الشاه قرارا حاسما حين اختار إسرائيل ودعمها. وقّعت إيران الكثير من الاتفاقيات العسكرية والأمنية والاقتصادية والزراعية مع إسرائيل، وزار جميع رؤساء الوزراء الإسرائيليين إيران. وكان جهاز الـ«سافاك» يخطط وينظم كل الزيارات. أما الآن، فتغيرت كل أطراف اللعبة، حيث قطعت إيران علاقتها مع مصر بعد اندلاع الثورة، وذلك بسبب معاهدة «كامب ديفيد». على الجانب الآخر، بدت مصر بعد الربيع العربي في ثوب جديد برئيسها الجديد وحكومتها الجديدة. ويبدو أن مرسي هو صانع القرار الأول في مصر، حيث كانت قراراته بإحالة كل من طنطاوي وعنان للتقاعد والحد من نفوذ الجيش غامضة إلى حد ما.
لقد كانت مصر واحدة من مؤسسي حركة عدم الانحياز. وكنا نعيش في تلك الفترة في عالم آخر، حيث كانت حركة عدم الانحياز تتخذ موقفا مناهضا للولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، وكانت رسالة كل من ناصر وتيتو ونهرو ونيكروما واضحة. لا يوجد أدنى شك في أن العالم تغير منذ ذلك الحين، حيث لم يعد هناك اتحاد سوفياتي. كان بمقدورنا في زمن قمة باندونغ عام 1955 أن نفهم منطق عقد تلك القمة، فقد كان العالم منقسما بين الكتلة الرأسمالية الغربية والكتلة الشيوعية الشرقية، وأعلنت الدول النامية مثل مصر ويوغوسلافيا وإندونيسيا «عدم انحيازها» إلى أي من الكتلتين. لذا، على حركة عدم الانحياز إعلان مهمتها ومسؤوليتها من جديد.
وتعد الولايات المتحدة هي اللاعب
الأساسي في العالم، لذا كانت القمة السادسة عشرة تمثل أهمية للولايات المتحدة، حيث كانت تعني أنها ليست تحت رعاية أميركا. لقد كانت فرصة ذهبية لطهران للتأكيد على عدم عزلتها عن العالم. وكان هناك ثلاثة ضيوف مهمين، هم: رئيس الوزراء الهندي، والرئيس المصري، والأمين العام للأمم المتحدة. واستغلت الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل جماعات الضغط التابعة لها في محاولة لإقناع هؤلاء الضيوف بإلغاء زيارتهم.
شخصيا، أعتقد أن حضور محمد مرسي أحدث تغييرا في أجواء قمة حركة عدم الانحياز، وأعتقد أن زيارته كانت ناجحة وبناءة.. وذلك لعدة أسباب:
أولا: حاولت إيران تجاهل الأزمة المستمرة في سوريا خلال القمة. لهذا، لم يأت ذكر سوريا في خطاب آية الله خامنئي أو خطاب محمود أحمدي نجاد. وعلى العكس من ذلك، تطرق مرسي في خطابه إلى الثورة السورية وأدان النظام السوري صراحة وأكد دعم الثورة السورية والشعب السوري، حيث قال: «إن تضامننا مع نضال أبناء سوريا الحبيبة ضد نظام قمعي فقد شرعيته هو واجب أخلاقي بمثل ما هو ضرورة سياسية واستراتيجية، ينبع من إيماننا بمستقبل قادم لسوريا الحرة الأبية، وعلينا جميعا أن نعلن دعمنا الكامل غير المنقوص للدفاع عن طلاب الحرية والعدالة في سوريا، وأن نترجم تعاطفنا هذا إلى رؤية سياسية واضحة تدعم الانتقال السلمي إلى نظام حكم ديمقراطي يعكس رغبات الشعب السوري في الحرية والعدالة والمساواة، وفي نفس الوقت يحفظ سوريا من الدخول إلى دائرة الحرب الأهلية أو السقوط في هوية التقسيم والصدام الطائفي». لقد كان واضحا للغاية أن مرسي يلعب لعبة تحد في القمة، حيث انسحب الوفد السوري من القمة وانتقد خطاب مرسي.
ثانيا: أكد مرسي تقديره جمال عبد الناصر باعتباره رمزا من رموز مصر واستخدم تعبيرا ذكيا للتعبير عن فكرته، حيث قال: «ولعل بدايات حركة دول عدم الانحياز كانت أيضا بمشاركة فاعلة من مصر بقيادتها حينئذ التي كانت تعبر عن شعبها. ولقد كان عبد الناصر حينئذ يعبر عن إرادة الشعب في كسر الهيمنة الخارجية على الشعوب في ذلك الوقت». لقد كان درسا مهما لكل السياسيين، خاصة في مصر الجديدة. وينبغي أن يهتم الرئيس بالمصالح القومية لا بالانحياز السياسي والحزبي. ويعلم الجميع أنه كان هناك حاجز كبير بين جماعة الإخوان المسلمين وناصر. وعالج مرسي بذكاء هذا الجرح في الوقت والمكان المناسبين.
ثالثا: كانت كلمات مرسي عن فلسطين رائعة، فهو لم يكرر بعض الشعارات القديمة، وكان الاستماع إلى مثل هذه الكلمات بالتأكيد يثير في نفسها شعورا بالمرارة.
نقلا عن صحيفة الشرق الاوسط