محمد نور الدين يكتب :المخاطر الاجتماعية للأزمة السورية على تركيا

جولة عربية

الجمعة, 31 أغسطس 2012 10:55

تكاد تركيا لا تحصد من الأزمة السورية سوى الخسائر. فبعد أكثر من سنة ونصف على اندلاعها أصبح المشهد التركي أكثر وضوحا مع ظهور عدد كبير من التقارير والأرقام والتحقيقات الميدانية على أكثر من صعيد.

وإذا كانت المخاطر الأمنية باتت معروفة وتترجم من جانب حزب العمال الكردستاني  بتكثيف الهجمات العسكرية على الجيش التركي في جنوب شرق البلاد وفي داخل المدن مثل غازي عينتاب وصولا إلى أقصى غرب تركيا مثل أزمير. ومع ظهور واقع كردي جديد في شمال سوريا مستغلا حالة الفراغ هناك ليضيف شريطا كرديا آخر مطوقا لتركيا بعد طوق الفدرالية الكردية في شمال العراق، فإن التداعيات الاجتماعية والاقتصادية تبدو ربما أكثر خطورة على البنية التركية.
ظهرت أكثر من دراسة اقتصادية تؤكد الانعكاسات السلبية للأحداث في سوريا على الاقتصاد التركي. ومع أن الأرقام الاقتصادية التركية على مستوى البلاد لا تزال مقبولة غير أن اقتصادات المحافظات المحاذية لسوريا تكاد تعلن حالة الإفلاس والموت السريري. سواء لجهة الصادرات والواردات إلى سوريا ومنها أو عبرها إلى الدول العربية ولا سيما الخليجية، أو لجهة حركة عبور الناس في الاتجاهين.
وأصيب قطاع النقل في تركيا بضربة قوية بعدما أغلقت تركيا نفسها معبر "جيلفيي غوزي" الحيوي المؤدي إلى حلب والذي كان يعتبر شريان الحياة لمنطقة الاسكندرون(أو هاتاي بالتركية) حيث  تكاد

تصدأ أكثر من 7 آلاف شاحنة نقل خارجي في مرآباتها.
ويقول علي كافاك رئيس اتحاد صادرات البحر الأبيض المتوسط إن حجم تصدير الخضار والفواكه تراجع بنسبة أربعين في المئة لكن الكارثة ستظهر في شهر سبتمبر بسبب أن 90 في المئة من الشاحنات المتوجهة إلى السعودية والإمارات وقطر والأردن تمر عبر سوريا. ويقول إن ربع خضار تركيا تصدرها هاتاي وهي تحتل المرتبة الأولى في تركيا في نسبة شاحنات النقل الخارجي.
ويقول روحي انغين أوزمين رئيس جمعية النقل الدولي إن أربعة آلاف شاحنة مركونة اليوم في  المرائب. ويقول اوزمين إن الكارثة الكبرى هي أن هاتاي كانت تصدر سنويا حوالي ثلاثة مليارات دولار أما الآن فالرقم صفر.
وأعطت دراسة لمركز "تيباف" التركي أرقاما كبيرة تراجعية لاقتصادات المحافظات المجاورة لسوريا. هذا فضلا عن تراجع حركة السياحة إلى نقطة الصفر من سوريا وعبرها.
لكن حركة تدفق اللاجئين من سوريا إلى تركيا لم تنقطع. ولكنها حركة بمقياس التأثيرات الاجتماعية كانت سلبية إلى حد كبير.
لقد ابتلي هذا الشرق وابتليت المجتمعات الإسلامية منذ قرون بلوثة المذهبية. وهذا "الشرق الأوسط الكبير" لم يبدأ في ترجمة نفسه إلا
عبر ضرب الفكرة الأساسية التي نجحت لعدة عقود في توحيد العرب عبر فكرة العروبة وتوحيد الجهود ضد الاستعمار في المرحلة الأولى  ومن ثم العدو الأول والوحيد وهو إسرائيل.
لكن الغرب وضعف الانتماء الوطني في مجتمعاتنا  وجّها ضربة قوية إلى الانتماء العروبي فتفككت لحمة مهمة عندنا وذهبنا إلى مكوناتنا التي سبقت النزعة القومية أي إلى المكونات القبلية والعشائرية والمناطقية. فازداد التفكك والانقسام والفرقة.
لكنها كلها تبقى لا شيء أمام تعاظم النزعة المذهبية التي تضرب عميقا في جذور التاريخ ولا يتوانى أعداء الأمة عن إشعالها كلما لاحت لهم فرصة في ذلك.
لا أحد ينكر الوجه الإصلاحي للأحداث في سوريا لكنه تراجع مفسحا أمام تقدم وجه بشع هو الوجه المذهبي والاتني فضلا عن صراع المصالح الدولية.
ومع أن تركيا دولة علمانية لكنها نفسها لم تنجح في القضاء على النزعة المذهبية في داخلها بين السنّة والعلويين. واليوم ظهرت ظاهرة خطيرة وهي أن عددا كبيرا من اللاجئين السوريين قد حملوا معهم حساسياتهم المذهبية إلى تركيا وشرعوا في ترجمتها من خلال سلوكهم في المقاهي والمستشفيات والفنادق بحيث لا يريدون اختلاطا أو تعاملا مع من يختلف عنهم في المذهب من المواطنين الأتراك. كأن تركيا لا يكفيها ما هي فيه من توترات مذهبية.
بقدر ما تطول الأزمة في سوريا بقدر ما تظهر جوانب جديدة من تداعياتها السلبية. وهذا  من أهداف الغرب في إطالة الأزمة لكي يستفيد إلى أقصى حد مما تختزنه الأزمة من تأثيرات سلبية على سوريا وعلى جيرانها وكل المنطقة. وتبدو تركيا حتى الآن هي  "الأوفر حظا" في تلقي هذه التأثيرات السلبية على أكثر من مستوى كما بينا أعلاه.
نقلا عن صحيفة الشرق القطرية