رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

هدى الحسينى يكتب :كيف جردت إيران حركة عدم الانحياز من معانيها؟

جولة عربية

الخميس, 30 أغسطس 2012 09:59
هدى الحسينى يكتب :كيف جردت إيران حركة عدم الانحياز من معانيها؟هدي الحسيني
بقلم - هدي الحسيني

في حملتها لتسويق انعقاد قمة دول عدم الانحياز في طهران، كان لا بد لإيران من إرسال مبعوثيها بالذات إلى دول «الممانعة» و«المقاومة»، اختارت هي وحلفاؤها أن يكون لبنان إحدى هذه الدول، رغم أن أكثر من نصف اللبنانيين غير مؤمنين، لا بل يرفضون هذا الطرح.

في عين التينة وبعد لقائه رئيس المجلس النيابي نبيه بري، خرج الدكتور حسين أمير عبد اللهيان، نائب وزير الخارجية الإيراني، ليقول للصحافيين وللعالم: «نحن نفند الادعاءات الأميركية عن احتمال امتلاك السلطة السورية الأسلحة الكيميائية، وفي المقابل نعرب عن قلقنا العميق لأن السلطات البحرينية تستخدم الأسلحة الكيميائية من خلال الغازات السامة وتطلقها ضد المواطنين البحرينيين العزل».
منذ زمن الاحتلال السوري، اعتاد لبنان أن يستمع إلى مسؤولين غير لبنانيين، بعد لقائهم مسؤولين لبنانيين، يهاجمون دولا عربية أو مسؤولين عربا.
في تصريحه عن «عدم» امتلاك سوريا الأسلحة الكيميائية، «أنّب» عبد اللهيان، الناطق باسم الخارجية السورية جهاد المقدسي، الذي قال بالصوت والصورة، إن بلاده لن تستعمل هذه الأسلحة، إلا ضد قوات خارجية. المقدسي أخطأ، فالدروس الإيرانية قاعدتها الأولى والأخيرة: النفي. فالدولة التي تسعى لتصنيع قنبلة نووية وأقامت المفاعلات في كل إيران، مصرة على «نفي» أن برنامجها النووي لأغراض عسكرية، فهو فقط لأغراض سلمية مثل استخراج الطاقة.
أما عن استعمال البحرين الأسلحة الكيميائية ضد المواطنين العزل، فليس اللافت أن الأمر بكليته غير صحيح، إنما تلك «الرحمة» الإيرانية على المواطنين العزل.
قبل يوم واحد من اتهامات عبد اللهيان، أي في 24 من الشهر الحالي، أدان ويليام هيغ، وزير الخارجية البريطاني، انتهاك حقوق الإنسان على نطاق واسع في إيران، واعتبره وصمة عار تدين القادة الإيرانيين. من هذه الانتهاكات إعدام أربعة من عرب الأهواز، سرا، في يونيو (حزيران) الماضي بتهمة «العداء لله»، أما مصير اثنين آخرين فظل غير معروف. وقال هيغ، إنه بعد أسبوع من ذلك، أي في شهر يوليو (تموز) حكم على خمسة آخرين من عرب الأهواز بالموت وعلى سادس بالسجن 20 سنة، كلهم حرموا من المحاكمة العادلة ولم يعرفوا التهم المنسوبة إليهم، وأخضعوا للتعذيب.
كما أشار ويليام هيغ إلى إعدام صفية غفوري في الثاني عشر من يوليو الماضي بتهمة ارتكاب جريمة، وتم اغتصابها من عدة رجال في السجن واقتيدت إلى حبل المشنقة بخدعة أنها ذاهبة إلى غرفة استقبال الزوار.
من هنا، على الدول المجتمعة في طهران لقمة عدم الانحياز، ألا يثيروا فقط قضايا التدخل الإيراني في شؤون المنطقة، وشبكات التجسس التي يعلن عن اكتشافها في الكثير من دول المنطقة وما أبعد من ذلك، وإنما عليهم أن يثيروا الاضطهاد العرقي والديني والمذهبي الذي يمارسه النظام الإيراني على الأقليات داخل إيران، كالعرب والأكراد، والبلوش والتركمان والسنة، والقمع الرهيب الذي تتعرض له القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني الإيرانية المطالبة بالحريات السياسية والعامة التي قمعتها - ولا تزال - السلطات الإيرانية منذ عام 2009. وكأنه لا يكفي ما تتعرض له المرأة الإيرانية من قمع، إذ رأى النظام ضرورة وضع خطة لكبح جماح المرأة «المغرورة» أي المثقفة، ورأى الأئمة الإيرانيون أنه يجب منع المرأة من التحصيل الجامعي، وصدر قرار في 23 من الشهر الحالي، يمنع المرأة من التعليم الذي يجعلها أقل تواضعا، بحرمانها من التخصص في حقول كثيرة.
محاولة استخدام إيران لانعقاد مؤتمر قمة عدم الانحياز في طهران، لم تثنها عن قرع طبول التهديد لقرب صدور تقرير جديد للوكالة الدولية للطاقة الذرية عن نشاطها النووي مع ازدياد التساؤلات عما إذا كانت إسرائيل ستقصف المنشآت النووية الإيرانية قبل موعد الانتخابات الأميركية. أما الاحتفال بيوم القدس، فيبدأ وكما جرت العادة، بالتهديدات من لبنان، كمقدمة لكلمة المرشد الأعلى للثورة الإسلامية آية الله علي خامنئي. وهكذا، جاءت كلمة أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله، مفاجأة للكثيرين، صواريخ وزلازل وتدمير مدن ومنشآت إسرائيلية، مع الترداد الدائم لعبارة «إذا قصفت إسرائيل لبنان». منذ عام 2006 ومع انتشار القوات الدولية في جنوب لبنان، تكتفي إسرائيل إما بتحليق طائراتها أو اقتراب جنودها من الأسلاك الشائكة للتفرج على المتنزهات التي أقامها أبناء الجنوب على الحدود.
هل كان الخطاب الأخير موجها ضد إسرائيل لاستفزازها لقصف لبنان في طريقها إلى قصف المنشآت النووية الإيرانية، مع أن كل التقارير صارت تشير إلى أن «أذربيجان» هي المكان الذي ستتجه منه الطائرات الإسرائيلية، إذا ما وقعت الحرب، لقصف إيران.
هل كان الخطاب موجها إلى القيادة

الإيرانية، بأن ذراعها العسكرية في لبنان جاهزة، أم كان موجها إلى القيادة السورية، بأن «الحزب» لن يتحرك ضد إسرائيل للتخفيف عن سوريا، لكن إذا ما كانت إيران هي المقصودة فكل شيء قابل للتغيير.
وماذا عن اللبنانيين والأمين العام لحزب الله يقول، إنه لن يستشير أحدا للدخول في الحرب إذا ما تعرض لبنان للقصف. السؤال هو: إذا أخلت إسرائيل بكل التوقعات، وأرادت هي أن تمتحن مصداقية حزب الله بأنه لن يدخل الحرب إلا في حال تعرض لبنان للقصف الإسرائيلي، هل سيبقى الحزب لبنانيا أم أن التزاماته الإيرانية تطغى على لبنانيته، وفي تلك الحالة، ماذا ينفع اللبنانيين إذا ربح حزب الله الحرب لإيران، وخسر الشعب اللبناني لبنان؟ وماذا سيحصل لحزب الله إذا لم يربح الحرب؟
استعراض القوة هذا، جاء وإيران تستعد لعقد قمة عدم الانحياز التي حاولت استخدامها كاستعراض للقوة السياسية والدبلوماسية ضد الغرب. كل تصريحات السياسيين الإيرانيين مع بدء أعمال القمة كانت ضد أميركا وضد الغرب، ضد الليبرالية والديمقراطية والحرية، وكلها انحيازية بشكل حاسم، أي عرت مفهوم عدم الانحياز من معانيه.
وكتبت صحيفة «كيهان»، القريبة من المرشد الأعلى، في 23 من الشهر الحالي، مقالا بعنوان «تمهيدا لنظام دولي جديد»، جاء فيه أن انعقاد القمة في طهران صفعة ليست فقط على وجه إسرائيل، إنما على وجه الولايات المتحدة الأميركية والدول الخمس زائد واحد. والمعروف أن انعقاد القمة واختيار إيران لرئاسة الحركة لثلاث سنوات مقبلة، أمر تلقائي وبروتوكولي.
وجاء في المقال، أنه «في ظل الهيمنة الغربية الواسعة على أراض كثيرة من دول عدم الانحياز، فإن هذه فرصة للدول القوية في الحركة مثل إيران، والهند ومصر، أن تعيد إحياء أهداف هذه الحركة، حتى تنشأ كتلة مهمة من الدول القوية، وأهمية انعقاد القمة في طهران كون إيران حاملة لواء، والنقطة المحورية للصحوة الإسلامية على المستوى الدولي».
المساحة الجغرافية لا تعني «الأقوى في العالم»، ثم إن تحديد «كيهان» لمصر والهند وإيران كأقوى دول عدم الانحياز، لا يغطي هشاشة هذه القوة، ولا مجال الآن لذكر المشاكل الاقتصادية، والبطالة والفقر التي تعانيها هذه الدول، ثم إن العزلة الإيرانية لن يفكها انعقاد قمة اضطرت إيران، لعدم ثقتها باستقرارها الداخلي، إلى نشر 150 ألفا من عناصر «الحرس الثوري» لحمايتها.
مشاركة 120 دولة، لن تخفف الضغوط على القيادة الإيرانية لا سيما من الناحية الاقتصادية، وهناك إشارات إلى أن النظام أصبح يائسا تماما، منفذه الوحيد رمي كل ثقله لإنقاذ نظام بشار الأسد في سوريا.
المهم أن تشارك دول الخليج العربية في وضع نص البيان الختامي للقمة، لأن السياسة الإيرانية لن تتبدل في الضرورة، فقبل أسبوع من انعقاد القمة كشفت صحيفة «الديلي تلغراف» اللندنية، كيف أمر المرشد الأعلى صراحة بموجة أخرى من الهجمات ضد أهداف غربية وإسرائيلية وعربية.
سينتهي انعقاد القمة، لكن الأزمة السورية سيطول أمدها، وهذا سيضاعف من قلق النظام الإيراني ومن خطره.
نقلا عن صحيفة الشرق الاوسط