رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

وليد أبو مرشد يكتب :مهرجان «عدم الانحياز»

جولة عربية

الخميس, 30 أغسطس 2012 09:55
وليد أبو مرشد يكتب :مهرجان «عدم الانحياز»
بقلم - وليد أبومرشد

إذا أخذت تغطية الإعلام الغربي مقياسا واقعيا للاهتمام الدولي، وخصوصا الغربي، بمؤتمر دول «عدم الانحياز» الذي استضافته طهران، لصح الاستنتاج بأن أهميته لا تتجاوز أهمية أي حدث سياسي ثانوي يحتل الصفحات الداخلية للصحف الكبرى والأنباء «المتفرقة» لنشرات محطات التلفزيون العالمية.

بالنسبة للإعلام الغربي يبدو أن عصر «عدم الانحياز» ولى مع انهيار الإمبراطورية السوفياتية وانتهاء عصر الحرب الباردة.
آنذاك كان العالم ثنائي الاستقطاب، وكانت مصلحة الكثير من الدول النامية والمسالمة تجنب الانجرار إلى هذه الكتلة أو تلك والمحافظة، قدر الإمكان، على استقلالية قرارها الخارجي.
ورغم أن تيار العولمة المتنامي، خصوصا في المجالين الاقتصادي والمالي، حد كثيرا من المفهوم المطلق لاستقلال الدول في عصر ما بعد الحرب الباردة، وحول «استقلال» الكثير من الدول إلى شكل من أشكال الحكم الذاتي في كونفدرالية غير معلنة لما يسمى «بالأسرة الدولية» (ممثلة بمجلس الأمن)، ما زال مفهوم الاستقلال القومي يتمتع بهامش تحرك عزيز على قلوب الكثير من الدول، وتحديدا الدول الحديثة الاستقلال.
من هنا تتضح جاذبية مفهوم «عدم الانحياز» كإطار عام للدول التي يعز عليها الاعتراف بتقلص هامش الاستقلال في عالم اليوم، وإن كان البعد «الحيادي» الذي اتسم به

في عصر الاستقطاب الدولي الثنائي بين حلفي وارسو والأطلسي زال بزوال مجموعة حلف وارسو. واليوم، في ظل غياب الكتلة الموحدة المواجهة لمجموعة دول حلف الأطلسي، بات من الواجب التساؤل عمن هي الجهة الثانية المفترض التزام «عدم الانحياز» بينها وبين عدوتها؟ خصوصا أن القطبين الدوليين الخارجين على حلف الأطلسي، أي الصين وروسيا، قبلتا حضور المؤتمر.
من هذا المنظور يصح اعتبار تجمع طهران مشروع كتلة دولية ثانية لمواجهة الكتلة التي لا تزال قائمة بعد انتهاء عصر الحرب الباردة (دول حلف الأطلسي). وهذا يعني أن الالتزام بسياسة «عدم الانحياز»، بمفهومها وبعدها الحيادي، يستوجب عدم الانتساب إلى دول حلف الأطلسي، من جهة، ودول مؤتمر طهران من جهة ثانية، خصوصا أن معظم الدول المشاركة في مؤتمر طهران هي أبعد ما تكون عن مفهوم «عدم الانحياز»، فبعضها يضم قواعد عسكرية لدول خارجية أو يمنح لها تسهيلات عسكرية - بما فيها حليفة إيران الأولى في الشرق الأوسط، سوريا الأسدية - ناهيك عن أن
بعضها مرتبط باتفاقات عسكرية تحول دون «عدم انحيازه» في حال تورط شريكه بحرب ما.
في إيران لا تخلو الدبلوماسية الخارجية مما يمكن وصفه بالتقية السياسية، فهي تعقد مؤتمرا لمن تسميهم دول عدم الانحياز لا لتعزيز مفهوم الاستقلال عن التكتلات الدولية في العالم، بل لكسر عزلتها الدولية على حساب اصطفاف دولي انتهى بانتهاء عصر الحرب الباردة. وعلى هذا الصعيد كان وزير الخارجية الإيراني، علي أكبر صالحي، واضحا إلى أقصى الحدود في دعوته الدول المجتمعة في طهران إلى «إظهار تضامنها» مع إيران في مواجهة العقوبات الدولية المفروضة عليها.
اللافت أن إيران التي كانت تفتش عن دور إقليمي في منطقة الشرق الأوسط أصبحت، مع ازدياد عزلتها الدبلوماسية - وربما بسببها - تفتش عن دور دولي. وإذا كانت طهران تعتبر انعقاد المؤتمر في عاصمتها مؤشرا جديدا على تنامي دورها الدولي فيجب ألا يغيب عن حساباتها أن هذا المؤتمر شهد أضعف نسبة حضور لرؤساء الدول من أي مؤتمر آخر (19 رئيس دولة مقابل 27 شاركوا في المؤتمر السابق في القاهرة).
من المغالاة الادعاء بأن التجمع الدولي الذي رعته إيران هدف فعلا إلى تعزيز مفهوم «عدم الانحياز» بين تكتل دولي معروف وقائم، وآخر لا تزال ملامحه - كما أهدافه - غامضة. إلا أن من الواقعية بمكان الافتراض بأن الدور الدولي الذي تتطلع طهران إلى لعبه لا يزال رهين ملفها النووي وأسير نظامها الأوتوقراطي، كائنا ما كانت مقررات مؤتمر طهران.
نقلا عن صحيفة الشرق الاوسط