عبدالمنعم سعيد يكتب:اللجنة الرباعيةالجديدة؟

جولة عربية

الأربعاء, 29 أغسطس 2012 14:46
عبدالمنعم سعيد يكتب:اللجنة الرباعيةالجديدة؟عبدالمنعم سعيد
بقلم - عبدالمنعم سعيد

للتوضيح هذه ليست اللجنة الرباعية القديمة والمكونة من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وروسيا، ومهمتها تسوية الصراع العربي - الإسرائيلي.

وهي مهمة فشلت فيها فشلا ذريعا حتى الآن ليس فقط لأن النجاح لا يصاحب في معظم الأحوال الدبلوماسية متعددة الأطراف، ولكن لأن الأطراف لم تعقد العزم بعد على صنع السلام. فالإسرائيليون مضوا في مشروعهم الإمبراطوري في كل الأحوال، والفلسطينيون اتفقوا على الاختلاف في كل شيء حتى انفصلت غزة عن الضفة الغربية، وسوريا كانت مشغولة بلبنان وبفلسطين أكثر من انشغالها بتحرير الجولان، والمجتمع الدولي - من كان في الرباعية أو خارجها - شعر بإرهاق بالغ لأن الأطراف تريد عملية سلام أبدية، ولكنها أكثر استعدادا لصراع ممتد تتخلله حروب كل بضعة أعوام.
اللجنة الرباعية الجديدة تكونت حديثا جدا في قمة مكة الإسلامية وهي مكونة من السعودية ومصر وتركيا وإيران. الأطراف الإقليمية الكبرى بالسكان والمساحة والتأثير قررت أن تدخل إلى ساحة الأزمة السورية بحثا عن حل لها. وحتى لا يحدث لهذه اللجنة الرباعية ما جرى للجنة الرباعية السابقة فإن عليها أن تبحث عن دور في ساحة ممتلئة بالأدوار الممثلة لأطراف عملاقة من أول الأمم المتحدة إلى الولايات المتحدة إلى الاتحاد الأوروبي إلى روسيا والصين؛ وهذه كلها لها أدوار على الأرض بالمال والسلاح والمواقف الدولية وحق الفيتو. ولكن المسألة ليست أطرافا دولية فقط، وأدوارا سياسية فحسب، ولكن كل ذلك يجري بينما الحرب مشتعل أوارها، عالية نيرانها، فيها نزعت كل القفازات، فلا محرمات من قبل السلطة إزاء شعبها، ولا محرمات من الثوار إزاء السلطة أو جيشها من ناحية أخرى. اللجنة الرباعية سوف تعمل باختصار بينما الدماء تنزف في سوريا دون توقف، وبلا رحمة.
الرباعية يمكن أن تنجح لو عرفت أولا كيف تحدد مهمتها؛ وثانيا إذا عرفت كيف توظف قدرات أطرافها؛ وثالثا إذا عملت على أن تسوية الصراعات تعني أن طرفا لم ينتصر ويفرض الاستسلام على الطرف الآخر بلا قيد ولا شرط، من ثم فإن التسوية سوف تعني أن طرفا لن ينتصر

على طول الخط، والآخر لن يكون مهزوما تماما، ولكن كل طرف سوف يحصل على الأقل على الحد الأدنى من مطالبه. المهمة يمكن تحديدها ببساطة في تغيير السلطة في دمشق وإقامة نظام سياسي ديمقراطي جديد يقوم على أساس المواطنة التي تكفل لكل الأقليات أولا الاعتراف بها، وثانيا حقوقا متساوية. صعوبة هذه المهمة تأتي من اتجاهين: إقناع الرئيس بشار الأسد بأنه لم يعد له مكان في حكم سوريا هو وحزب البعث؛ لقد انتهى عهده وزمانه، وما انقضى مكانه حكم التاريخ. ولكن الجانب الآخر للمعادلة هو أن التغيير في سوريا لن يخص فقط السلطة القائمة، ولكنه لن يعني انتقاما من الطائفة العلوية، مضافا لها الاعتراف بحقوق الأقليات المسيحية والكردية والتركمانية. لقد ارتفع الغطاء عن سوريا كما ارتفع من قبل عن العراق، وربما يمكن للجنة أن تتفادى المأساة العراقية السارية حتى اليوم.
هنا يأتي دور الأطراف المختلفة منفردة ومجتمعة، فإيران تكاد تكون الطرف الوحيد الآن القادر على إقناع بشار الأسد بالرحيل، ولكنها لن تفعل ذلك وهي تعلم أنها سوف تحصل على خسارة صافية سواء لمصالحها الاستراتيجية المتعلقة بنواياها النووية وعلاقاتها بحزب الله في لبنان؛ أو إذا علمت أن الطائفة الشيعية والعلوية سوف تصاب بأذى بالغ. تركيا من جانبها ضالعة مباشرة في الأزمة، ولها علاقاتها مع الأطراف الأخرى، ومع اعتقادها بضرورة رحيل بشار فإنها أيضا تتخوف مما بعد الرحيل أن يؤدي إلى تفكيك الدولة إلى دويلات توقظ طوائف شيعية وعلوية وكردية في الدولة التركية. السعودية ومصر على الرغم من أن كلتيهما أتت إلى الأزمة من منطلقات وأزمنة مختلفة؛ فإن علاقاتهما قامت قبل وصول الربيع العربي وبعد رحيله على أن الاستقرار في المنطقة هو أمر مفيد لكل الأطراف. وعندما كان وجود
بشار مفيدا لم يكن هناك بأس، ولكنه الآن لا يزيد عن كونه لعنة منذرة بالفوضى وزوال السكينة. ولكن رحيله ربما يؤدي إلى استيراد جهنم الحروب الداخلية ذات الامتدادات العراقية واللبنانية وربما حتى التركية أيضا حيث الأقليات والملل والنحل عابرة للدول والتاريخ أيضا. السعودية بالتأكيد لديها الموارد، ولكن مصر تأتي بمزيج جديد من استمرارية الدولة، وعنفوان وحماس الثورة الذي له صلة بالثوار وفي القلب منهم جماعة الإخوان المسلمين. والقاهرة بعد ذلك تريد القول إنها قد عادت مرة أخرى إلى الساحة الإقليمية ومن قلب أخطر أزماتها الآن في سوريا التي كانت يوما ما جزءا من الجمهورية العربية المتحدة.
هكذا، لكل لكل طرف في الرباعية ميزة ومصالح، ولا جدال أن هناك تناقضات، ولكن كلها يمكن أن تزول إذا ما جرى التفاهم على مستقبل سوريا بعد بشار. وإذا كان مرضيا ومراعيا لمصالح إيران وتركيا، ومقبولا من مصر والسعودية، فإن كلا منها سوف يكون على استعداد للقيام بدوره في الصفقة الكبرى. فإذا حصلت إيران على التزام من أطراف الرباعية بأنها لن تقبل، ولن تؤيد أو تساعد في توجيه ضربة عسكرية لإيران فربما سيساعدها ذلك في مد يد العون لكي تستضيف بشار وعائلته في طهران. وسوف يكون الرضا الإيراني أكبر إذا ما جرى ضمان إقليمي، أو دولي يضمن حقوق الأقليات العرقية والدينية بما فيها الإدارة الذاتية لشؤونهم. هذا الحل قد يكون أقل مما تريد إيران التي قد تفضل الحل العراقي، ولكن ذلك سوف يقلق تركيا التي ترى في الفكرة الفيدرالية نذير شؤم، وهي على أي حال مرفوضة من مصر والسعودية وكلتاهما لديها نزعة طبيعية نحو الدولة المركزية.
هنا يأتي دور مصر والسعودية في صياغة فكرة معاكسة لما سار عليه الحال في دول «الربيع العربي» حيث كانت الثورة تحدث أولا ثم بعد ذلك تجري فترة انتقالية مضنية وصعبة. هذه المرة ربما تستطيع القاهرة والرياض أن تفعلا العكس، وهو أن ترتبا للفترة الانتقالية سواء ضمن إطار الجامعة العربية، أو ضمن أطر أخرى بحيث يكون هناك ترتيبات محددة للسلطة والانتخابات وأقاليم الحكم الذاتي والدستور ووثيقة حقوق الإنسان وحماية الأقليات من نزعات الانتقام. المعضلة في كل ذلك تكون في الفترة الانتقالية ما بين رحيل بشار وما بين إقامة الدولة الجديدة وفق الإجراءات التي يتم الاتفاق عليها.
هنا لا توجد حلول سهلة، ولا كان أي مما سبق سلسا، ولكن التفكير في حكم انتقالي ضروري، ولكنه سوف يحتاج إلى سلطة انتقالية إقليمية أو دولية، وخريطة طريق تفصيلية تبقي سوريا موحدة وديمقراطية.
نقلا عن صحيفة الشرق الاوسط