• محمد خالد الأزعر يكتب : تأملات هادئة في حسابات إسرائيلية مستفزة

جولة عربية

الثلاثاء, 28 أغسطس 2012 09:51
•	محمد خالد الأزعر يكتب : تأملات هادئة في حسابات إسرائيلية مستفزة

في إسرائيل هذه الأيام، لا صوت يعلو على حديث المبادرة الوشيكة بضربة عسكرية إسرائيلية قوية للمشروع النووي الإيراني. إحدى أبرز مفارقات هذا الحديث، أنه يدور في أجواء من العلانية والشفافية والمباشرة والبوح بالمكنون، بلا أية مواربات أو مخاتلات أو محاولات للتمويه والتعمية وإخفاء النيات، أو رصد الأهداف ورسم الخطط، بعيدا عن الأعين والأسماع التي تتربص بكل شاردة وواردة في مثل هذه المناسبات المحمومة.

الفضاء الإسرائيلي الفكري والسياسي والإعلامي، مزدحم بالشواهد على هذا النموذج من المعالجة المفتوحة، لما عهد الخلق معالجته بشكل أميل إلى السرية والكتمان.. لنتأمل مثلا في المؤشرات والمعطيات الآتية:
ـ الدفع الإسرائيلي بأن الضغوط والعقوبات الدولية متعددة الأسماء، التي يقف خلفها الغرب بزعامة الولايات المتحدة، قد فشلت سابقا وراهنا، ولن يكتب لها النجاح مستقبلا في إثناء طهران عن مشروعها.. والتأكيد على أن السيف أصدق إنباء من منهجية العقوبات، لأجل وقف نمو هذا المشروع.
ـ التحذيرات والإنذارات والتهديدات الإسرائيلية من جانب أعلى مستويات المسؤولية السياسية والعسكرية، ضد القوى المرشحة لفتح جبهات عسكرية مساندة لإيران حال الحرب عليها.. وفي هذا السياق تروج إسرائيل رسالة رعب، شديدة اللهجة إلى درك إرهاب الدولة بلا حدود، مفادها أن البنية الاجتماعية والإنسانية الحاضنة أو المحيطة بهذه القوى سوف تتعرض للتصفية والتدمير بالكامل، إذا ما اختارت الانحياز الفاعل عسكريا إلى جانب حكام طهران.
ـ التقليل من شأن قدرات إيران على الرد عسكريا، ومحاولة طمأنة

الجمهور الإسرائيلي بأن الخسائر المتوقعة لا تزيد في أسوأ الحسابات عن بضع مئات من الأرواح.. وهو ما ينبغي التضحية به وقاية لأرواح الآلاف وربما الملايين، وحفاظا على قوام الدولة ووجودها من خطر الاستئصال.
ـ ويتصل بالنقطة السابقة، بث خطاب إسرائيلي استراتيجي، يوحي باستبعاد مفهوم الحرب الإقليمية بفعل الهجوم الإسرائيلي على المنشآت النووية الإيرانية.. وفي ذلك يقول جيورا أيلاند، الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي الإسرائيلي، بأن "مصر وسوريا والعراق لن تشارك في مثل هذه المواجهة، أما دخول حزب الله وحماس على الخط فإنه لا يعني أنها ستصبح إقليمية...".
ـ توزيع الأقنعة الواقية، وإعادة تأهيل المخابئ العامة وتجهيزها، واختبار منظومة صافرات الإنذار التقليدية، والتهيؤ لاستخدام نظام التنبيه بالرسائل النصية القصيرة عبر الهواتف الجوالة، لإبلاغ السكان عند وقوع هجمات صاروخية (وبالمناسبة استثنت السلطات المختصة بعض المدن ذات الأغلبية العربية، من هذه الإجراءات الاحترازية).
ـ نصب بطاريات نظام القبة الحديدية المضادة للصواريخ، في المواقع المحتمل تعرضها أكثر من غيرها للرد الصاروخي، في الشمال والوسط والجنوب.
إلى ذلك، يبدو حربجية إسرائيل، وعلى رأسهم بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء، وكأنهم لا يلقون بالا للاعتراضات الأميركية على التعجيل بخيارهم العسكري ضد إيران.. وذلك لعلمهم بأن الظهير الأميركي لن
يفرط في أمن إسرائيل، حتى وإن اتخذت قرار المواجهة بمفردها، وأيضا لاعتقادهم بأن المشهد الانتخابي الأميركي لا يسمح للمتنافسين في واشنطن بغير دعم هكذا قرار في هذا التوقيت، حتى وإن كانوا غاضبين.
والحق أن الإيغال الإسرائيلي في التسويق للحرب على إيران بهذه الحيثية المفرطة في التبسيط والتفاؤل والثقة، فضلا عن بسط الخطط والخرائط ذات الصلة على الملأ، من الأمور المثيرة للحيرة والجدل.. فما هكذا تورد المعارك والحروب.
ولا نعتقد أن العقل العسكري الإسرائيلي بالخفة والسطحية والسذاجة، إلى حد الاستخفاف بحرب يوشك أغلب الرأي العام الإسرائيلي أن يرفضها.. حرب راح بعض الرافضين لها في إسرائيل يناشدون طياري المقاتلات من أبنائهم عصيان قادتهم إذا ما أمروهم بشنها، ويقول آخرون منهم إن مجرد التفكير في وقوعها يطرد النوم من جفونهم.
بعض كبار الاستراتيجيين والمسؤولين الأميركيين، غير مقتنعين بأن إسرائيل بصدد المضي إلى تنفيذ خيارها العسكري وشيكا، ليس فقط لحاجتها المسبقة لشارة أميركية خضراء لا شية فيها، وإنما لأن هذا الخيار لن يتمكن من رقبة المشروع الإيراني، وقد يعطله لوقت قصير لا أكثر. ونحن نشارك أصحاب هذا التقدير رأيهم، ونضيف إليه أن الثمن المتوقع يفوق كثيرا ما يقدره المتنمرون في إسرائيل.
والشاهد أن مثل هذه الحسابات والتحفظات، تنطلق من افتراض أن القرار الإسرائيلي بهذا الخصوص يظل محفوفا بالعقلانية والرشد، وأن الضجيج الإسرائيلي الراهن وما يواكبه من معطيات، كالمذكورة أعلاه، يتوخى أهدافا غير معلنة، يتعين الاجتهاد لمعرفتها.
لكن الأمر لا يعدم احتمال أن تكون القيادة الإسرائيلية قد فقدت كثيرا من رشدها، حتى تصورت أنها على صراط مستقيم، وزين لها شيطان القوة والبغي سوء تدبيرها وخططها، فرأتها حسنة صحيحة.. عندئذ قد يضغط الإسرائيليون على الزناد حقا، ليدخل "الشرق الأوسط" في معمعة لا يعرف أبعادها وآفاقها غير رب العالمين.
نقلا عن صحيفة الخليج