رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

مصطفى الغزاوي يكتب :تعديل ميزان القوى .. المصارحة أولاً

جولة عربية

الثلاثاء, 28 أغسطس 2012 08:04
مصطفى الغزاوي يكتب :تعديل ميزان القوى .. المصارحة أولاً

الأوضاع الحالية في مصر أقرب إلى السيولة منها إلى المنطق، حيث الأقوال أدنى من الثقافة والوعي، والأفعال تتجاوز الأدوار، واستبدال الخصومات أساس الخيارات، وتبادل الأدوار صار مفزعا فالعناصر التي تنتمي إلي تيارات الثورة او أنتجتها الثورة صامتة، وقضايا اللحظة يتبادل الدعوة إليها عناصر محل ريبة، وفتاوى إهدار الدم لا راد لها، وكتائب الإشاعات صارت أحد مكونات النظام، والمؤسسة العسكرية محل استفهام أكثر منها رمانة الميزان، وهي الصفة التي ضاعت منها خلال الفترة الانتقالية، وسط هذه السيولة تصبح المكاشفة واجبة، حتى وإن بدت أنها تكرار لما قيل من قبل أو تجميع له، فهي المدخل الأساسي لبحث توازن القوى.

بدون تحديد ماهية القوى المؤثرة في المجتمع المصري، وواقعها الآن لن نستطيع الحديث عن ميزان القوى أو البحث في تعديله، وماذا نعني بالتعديل، وهل ننظر بعين منحازة أم بعين محايدة، فالانحياز في المواقف السياسة هو حقيقة الوجود، والحياد يعني انعدام الموقف. ما يمكن أن نرصده كانحياز أو حياد هو الموقف من الثورة، ومن حاجات الشعب وأهدافه.
ننحاز إلى الثورة، ومرجعية القياس هو هدفها الأعلى في نداء "عيش، حرية، عدالة اجتماعية"، وعلى هذا المعيار تجب المصارحة.
البداية واجبة من نهاية وقائع الثمانية عشر يوما الأولى من عمر الثورة، أي مع تولي المجلس الأعلى للقوات المسلحة مسؤولية إدارة البلاد، كان يمكن يومها أن يمثل المجلس، الثورة والشعب إن هو (تفهم مطالب الشعب) كما أعلن المتحدث باسمه، كما هي (مطالب الشعب) ولم يكن يضمر إنهاء عملية التوريث كحد أقصى، وكان يمكنه أن يكون رمانة الميزان الوطني إن لم ينحز منذ اللحظة الأولى إلى جانب جماعة الإخوان والتيارات الدينية.
بداية المشهد انحياز من المجلس العسكري للإخوان في تشكيل لجنة التعديلات الدستورية، ونهاية المشهد قرارات من الرئيس المنتخب بتغييرات في القيادة العسكرية فتحت جدلا هل ما نراه تنفيذا لاتفاق بينهما أم هو انقلاب على المجلس استولت به الإخوان على قيادة الجيش أو هو خليط بين هذا وذاك.
هذا الجدل أثاره حق الشعب أن يعرف، وهو صاحب الإرادة التي صنعت الثورة ومنه إرادة أتت بالرئيس المنتخب، وتناقض هذا الحق مع اكتفاء الأطراف بعرض النتائج بينما تكفلت كتائب الإشاعات المنتشرة في مصر بعرض الأبعاد الثورية للقرارات، وصارت إزاحة المجلس العسكري هي المطلب الثوري، رغم أن المجلس العسكري هو من أتي بهم وقدم الانتخابات على الدستور حسب رؤية الإخوان، وأحال وقائع الفترة الانتقالية إلى فترة انتقامية كما أطلق عليها الشعب في أحاديثه اليومية مثيرا الكثير من علامات الاستفهام دون أن يجد إجابات عليها.
أنتجت الفترة الانتقالية عددا من الملاحظات نرصدها كمقدمة أساسية لدراسة ما نعنيه بالبحث عن توازن القوى:
1) أن هناك تحالفا بين الإخوان والمجلس العسكري، وتوقعنا في مقالات سابقة أن هذا التحالف كان سابقا على الثورة في مواجهة موضوع التوريث، حيث افترضنا أن المجلس العسكري كان يبحث عن عمق جماهيري ووجد ضالته في الإخوان في مواجهة تحالف الداخلية والسلفيين والرأسماليين الجدد، والذي كان يتبنى مشروع التوريث.
2) أن هذا التحالف تأكد مبكرا بلقاء الإخوان (محمد مرسي وسعد الكتاتني) مع عمر سليمان، وتولت جماعة الإخوان بناء عليه مهمة تفريغ الميدان، مقابل الحصول على حزب والإفراج عن المعتقلين أو المحكومين.
3) جرى فتح أبواب المشاركة أمام السلفيين باعتبارهم تيارا سياسيا، وكذلك أفرج عن العديد من المعتقلين ، ليس بحثا عن تحقيق العدالة، ولكن لدعم معسكر تحالف الإخوان والمجلس العسكري.
4) لا يمكن الفصل بين ما جري داخليا والمحيط الإقليمي والعالمي الذي شكل وحدة في الرؤية تحول بين التغيير الموضوعي كما يريده الشعب ويطالب به وبين مجرد التغيير الشكلي بإزاحة رأس

النظام مع الإبقاء علي النظام وعلاقاته الداخلية والخارجية كما هي, وكان الأمر تحقيقا لمصالح متبادلة حتى وان كان لدي الغرب تحالفا مؤقتا، يمكن إعادة صياغته مستقبلا، ولكنه حاجة اللحظة.
5) تجاوب التحالف الداخلي مع الرؤى الخارجية في الإقليم او لأمريكا وإسرائيل، استهدفت بالأساس ألا تتحقق نتائج حقيقية لتحرك العشرين مليونا من المصريين، وتفريغ هذا التحرك من قواه الفاعلة لضمان عدم القدرة على تكراره.
6) تولي المجلس العسكري عملية تفريغ الحركة من قواها الفاعلة سواء بالاعتقال والمحاكمات العسكرية، حتى القتل، مع اختراق التجمعات التي تأسست بعد الثورة وجرى تفكيك هذه التجمعات والائتلافات بتحقيق بعض المصالح الشخصية لعناصرها وفتح دائرة الضوء أمامهم، فزاغ منهم البصر وتغلبت المناحي الشخصية على الموضوعية.
7) تجلت خلال الفترة الماضية حملة على الهوية المصرية، وكأن مصر كانت دولة الكفر ولم تكن دولة الفساد، وكأن الدعاة كانوا قادة الثورة ولم يكونوا خدم النظام وسدنته والداعين إلى عدم التظاهر، وبلغ بهم الأمر بالفتوى بأنهم يكفيهم أن الحاكم لا يمنع صلاتهم بالمساجد، وتحول الأمن القومي المصري والهوية الوطنية إلي رهينة لهم، وتبدل معنى التصويت إلى أنه غزوة دينية، وأن كل من يخالفهم هو خارج على شرع الله، وحدث التشوه الأكبر في الخطاب السياسي، ووصل الأمر حد إهدار دم المتظاهرين.
8) كشفت الوقائع حقيقة تصحر الحياة السياسية، وهو ما عرض له الاستاذ محمد حسنين هيكل في اقتراحه بمجلس أمناء الدستور، وأن تكون الفترة الانتقالية لمدة ثلاث سنوات، وبات واضحا أن ثورة الشعب تجاوزت الأحزاب والنخب ولم يستطع أي منهم ان يعرض رؤية تعبر عن الثورة، وصار الخطاب السياسي فارغ المضمون، مبتور لا يدعم أهداف الثورة ولا يخصبها، ولكنه خطاب الخصومة سعيا لتحقيق نتائج وفق جدول أعمال تحالف العسكري والإخوان، غير واعين أن من يضع جدول الأعمال يملك آليات وقدرات إدارته لصالحه.
9) وقعت التيارات السياسية حبيسة أحاديث الخصومة، بالمطالبة بالثأر لدم الشهداء ومحاكمات مبارك ونداءات سقوط حكم العسكر، وكان لذلك كله ثمنه من الدم والشهداء والمصابين، بل وكانت المطالبات المتكررة تدعو إلى تحقيق جدول أعمال الإخوان، لتتحقق النتائج كاملة لصالح الإخوان ، التي تعمل وفق خطة واضحة بأن الصناديق ستحكم وتقرر وهو ما يجب أن تلتزم به. كان واجبا في ذلك الوقت عدم التغاضي عن مطلب مراجعة مدى قانونية الجماعة، ومدى جواز الربط بين حزب الحرية والعدالة وجماعة الإخوان حسب قانون الأحزاب السياسية، وتغاضت لجنة الأحزاب عن ذلك وسقط الجميع في فخ الجشع السياسي عند صياغة قانون الانتخابات النيابية لتقضي المحكمة الدستورية بعدم دستوريته، ولا يحاسب من وضعه ولا يحاسب من حاول تجاوز حكم المحكمة، هكذا تمضي الأمور بلا حساب، ففتحت أبواب الهوى السياسي، فسقطت الأعراف وتاهت القيم والمعايير والعلوم السياسية، بعد أن أجهضت الشرعية الثورية.
10) لم يكن ما جرى في مصر وحتى اللحظة في عزلة عن الإقليم أو العالم، وكتبنا مقالا حول لعبة الأمم فوق الأرض المصرية، ومنها ما أعلنه في نهاية عام 2010 رئيس المخابرات الحربية الإسرائيليه يوسي ادلين بأن أي نظام سيأتي بعد حسني مبارك لن يكون في استطاعته أن يحكم خارج المصالح الإسرائيلية وأنهم
يخترقون مصر في كافة الاتجاهات، لم يرد يومها أحد، ولكن غيره يعمل ولا يعلن. وجرت اتصالات ولقاءات واتصالات داخلية وخارجية بين العديد من القوى سواء مباشرة أو عبر وسطاء، ولم يكشف أحد عن ذلك بشفافية، ولم يعلن أحد عن مضمون الالتزامات التي ترتبت على هذه اللقاءات، والتعهدات دون رقابة شعبية خطر، والأموال التي تدخل لتدعيم المواقف والحملات تفسح مجالا لتغيير طبيعة التوازن، وكل مال مدفوع له مقابله السياسي، فالعالم لا تحكمة قاعدة الإحسان ولكن تحكمه قاعدة المصالح، ومن له ثمن يقبل به، لا قيمة له في وطنه.
11) انتبهت بعض التيارات السياسية إلى ضرورة وجود موقف مغاير لموقف المجلس العسكري والإخوان والتيارات الدينيه، وعقد مؤتمر مصر الأول مبكرا، ورغم صحة التوجه والخطاب السياسي في مجمله واتساقه مع الثورة، غير أنه بديل عن الانتماء إلى القوى الشعبية والمجتمعية، وجد مصدر قوته فقط في استدعاء مواقف من المجلس العسكري فحكم مبكرا بفشل التوجه لاجتماعي، وانحسر وانتهى، ووقع العديد من مكوناته صرعي الارتباط بالمجلس العسكري كما حدث للمجلس الاستشاري.
12) غابت قضايا البناء الأساسية والتي تمثل أعمدة الدستور الجديد عن اهتمام عناصر التيارات غير الدينية.
لم تملك هذه التيارات تصورا لدور القوى الاجتماعية ودور العمال والفلاحين والطبقة الوسطى والطلاب، وظل التواصل معهم يتم مصادفة أو إعلاميا، كظاهرة كلامية، وغاب الاتصال السياسي بالقوى الاجتماعية فافتقدت التيارات السياسية حديثها وقديمها الذي لم يتعلم من تجربتة، افتقدت جذورها الاجتماعية.
ولم تسع العناصر السياسية إلى حوار وطني حول مفهوم التنمية الاقتصادية المستقلة في عالم العولمة والعدالة الاجتماعية، وحصرت نفسها في حكم قضائي صدر قبل الثورة بالحد الأدني للأجور وأضافت إليه مطالب بتحديد الحد الأقصى وتردد تعبير الضرائب التصاعدية كتحقيق للعدالة، وهي خيارات بعيدة تماما عن الرؤية الاقتصادية المتكاملة للتنمية ومحدداتها وبرنامجها الزمني المتوقع وشمولها الاجتماعي، والمعنى العلمي للعدالة الاجتماعية والتي لا تعني شراكة الفقر ولكن التنمية المستقلة وحق العمل والعلاج والتعليم والسكن، وكيفية علاج التضخم في الأسعار ومعنى الاستثمار ومجالاته والموقف من القروض.
وتغلبت فكرة التصالح مع الفساد على مبدأ القضاء على الفساد وما ترتب عليه، وبديلا عن تطهير جهاز الدولة ووضع قواعد لذلك يجري التسلل داخله لإحكام السيطرة عليه، وبديلا عن مراجعة سيطرة رأسمالي النظام السابق على الثروة والسلطة، يجري إقامة حلف جديد بينهم وبين رأسمالي الجماعة.
وبديلا عن دراسة مفهوم الأمن القومي ودور الأجهزة والمؤسسة العسكرية في إطار هذا المفهوم كمؤسسات للدولة وليست خارجه عنها، انحسر الإدراك في هتاف يسقط حكم العسكر وتطهير جهاز الأمن وإسقاط العلم الإسرائيلي من فوق مقر السفارة في مشهد مماثل لمشاهد الرجل العنكبوت، وتتحول القضية الفلسطينية الي قضية معبر وأنفاق، بينما تسعى جماعات دينية لإعلان سيناء إمارة إسلامية وهي ميدان المعركة القادم مع العدو الصهيوني متناسين خطط إسرائيل بشأن تبادل الأراضي.
ذلك كله أدى إلى انعزال التيارات السياسية عن التأثير على الدستور الذي يجري وضعه في غياب لقوى الشعب الفاعلة.
وتجلى الخطر عندما قامت محكمة القضاء الإداري بتأجيل الحكم في شرعية الجمعية التأسيسية، مما أتاح الفرصة لصدام حولها، قد يترتب عليه عوار في العمل من أجل وضع دستور توافقي لمصر، يمثل العقد الاجتماعي الجديد بعد الثورة.
هذه الملاحظات الأولية حول تراكمات ما جرى خلال الفترة الانتقالية هي مقدمة لأزمة لدراسة توزيع القوى داخل المجتمع، تمهيدا للإسهام في دراسة ميزان القوى وكيفية إعادة التوازن له، خاصة بعد أن خرجت المؤسسة العسكرية من معادلة القوى مؤقتا وحتى إشعار آخر، وفي الحد الأدنى تحسب داخل معسكر الاستحواذ وليست رمانة الميزان، وهو الأمر الذي لم يتحقق خلال الفترة الانتقالية على الإطلاق.
لقد واجهت الثورة سؤالا امتد معنا منذ أول السبعينيات طرحة الدكتور محمود فوزي رئيس وزراء مصر في بداية حكم السادات ووزير خارجية مصر خلال حكم عبد الناصر، وكلما واجهنا مشكلة الرجال والقيادة، وجدنا أنفسنا نكرره ومؤداه: أليس من الضروري أن تكون هناك نسبة بين أحجام الرجال وأحجام المشاكل؟
هذه هي المعضلة، ماهية الرجال الذين تحتاجهم مصر في اللحظة الراهنة؟
وماهية المضمون الثقافي والوطني لمن يتصدى لمواجهة المشاكل؟
في المعادلات الرياضية تتحدد صعوبة الحل بعدد العوامل المجهولة، وفي المعادلات السياسية تتحدد صعوبة الحل باختلال ميزان القوى، أي بالقوى الخارجة من الحساب، لأنها ستحاول الدخول في الحساب، خاصة وأنها كسرت حاجز الخوف ولم يعد الوعي فئويا أو تلقينيا ولكنه صار وعيا بالمصلحة وترابطها بين الفئات المختلفة، واختبرت أسلوب فرض الإرادة، وتزايد وعيها بفاعليته، ومعادلة تخصم القوى الاجتماعية هي معادلة انفجار اجتماعي وليست معادلة مجتمع بعد الثورة.
نقلا عن صحيفة الشرق لبقطرية