رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

هاشم عبدالعزيزيكتب :سيناء الواقع والوقيعة

جولة عربية

الأحد, 19 أغسطس 2012 08:31
هاشم عبدالعزيزيكتب :سيناء الواقع والوقيعة 	هاشم عبدالعزيز

بمثل ما كانت جريمة سيناء غادرة للقوات المصرية إلى درجة الصدمة القاسية والمفاجأة غير السارة، باتت ردود الأفعال متسارعة ومتداعية وربما صارت

مفتوحة على احتمالات غير متوقعة . “إسرائيلياً” تحول استهداف ال 16 جندياً مصرياً في سيناء إلى فرصة حقيقية لم يتردد أركان الإدارة الصهيونية في توظيفها في سياق مساعيها ومحاولاتها لدفع القيادة المصرية الجديدة إلى مزيد من التنسيق نحو إحكام السيطرة على هذه المنطقة، والهدف ليس تأمين هذه المنطقة خوفاً من أن تتحول إلى بؤرة توتر أمني، بل أن تجد “إسرائيل” امتداداً جغرافياً وبيئة ملائمة لما تريد عمله لا في سيناء وحدها بل في المنطقة . اللافت “إسرائيلياً” لم يكن العزف على “وجود مصلحة مشتركة لمصر و”إسرائيل” في الحفاظ على حدود آمنة وهادئة” وحسب، بل كان توجيه أكثر من رسالة مفادها قدرة “إسرائيل” على استغلال الأوضاع الاستثنائية التي تمر بها مصر بعد سقوط مبارك وأركان نظامه، وهذا ما يتضح من إعلان نتنياهو الذي قال: “مرة تلو أخرى يتضح أن الحديث يدور عن أمن مواطني “إسرائيل”، ودولة “إسرائيل” ملزمة وقادرة على الاعتماد على نفسها، ولا أحد يمكنه أداء هذه المهمة غير الجيش “الإسرائيلي” وأذرع الأجهزة الأمنية “الإسرائيلية”” .

وفي تأكيد يحتمل القراءة من أوجه عديدة إذا ما أخذ على ما حدث، قال نتنياهو “سنواصل العمل وفق المبدأ نفسه” . أمريكياً، وكما كشفت تقارير إخبارية أعيد رسم ذات السيناريو “الإسرائيلي” الذي استمر قرابة ستة أشهر في شأن المخاوف والمخاطر الأمنية في سيناء، لحمل الجهات المصرية على إعادة وتيرة التعاون والتنسيق المتوقفة منذ سقوط مبارك، فقد ذكرت تلك التقارير نقلاً عن مسؤولين أمريكيين، أن الرئيس المصري والقادة العسكريين تحفظوا الشهر المنصرم على كلام كل من

وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون ووزير الدفاع ليون بانيتا، حيث شددا على “ضرورة تحرك مصر بصورة أكثر قوة ضد المتطرفين الموجودين في سيناء” . السؤال الآن: هل صار التعامل المصري مع الأمر الواقع؟ أو أن ما جرى مفتوح على وقيعة؟ بالطبع محاولة الإجابة عن هذا السؤال تفترض الإشارة إلى مسألتين:

الأولى: الحملات العسكرية التي بادرت إليها القوات المصرية في المنطقة، وكانت كبيرة وأريد من خلالها استعادة هيبة الدولة الغائبة أصلاً عن هذه المنطقة، والوصول إلى أوكار الجماعات الإرهابية التي ارتكبت الجريمة .

فالقوات المصرية في مطلع مهمتها وخلال الأيام الخمسة الأولى استطاعت أن تحرز تقدماً ملموساً لجهة السيطرة على الوضع في مساحة غير قليلة من سيناء، وحسب المعلومات نفذ الجيش المصري بالتعاون مع أجهزة الأمن منذ الأربعاء قبل الماضي، حملة أمنية واسعة بهدف تطهير شمال وجنوب سيناء من البؤر الإجرامية والعناصر الإرهابية، وبخاصة تلك التي نفذت الهجوم الغادر على أحد نقاط الحراسة في رفح وراح ضحيته 16 جندياً .

وتيرة هذه العملية مازالت متواصلة، ولسنا هنا بصدد إحصاء المكاسب والخسائر في المواجهة العسكرية، لأن المهم هو النتائج، وهو أمر مفروع منه بالنسبة إلى طبيعة وأهداف أي عملية .

ومن الواضح أن القوات المصرية اندفعت إثر “صدمة المفاجأة”، لمواجهة الإرهاب في عمق سيناء، غير أن الخشية أن يكون هذا الاندفاع غير مخطط للوصول إلى أوكار الجماعات المستهدفة، لأن من شأن أي عمل عشوائي مهما كانت قوته، أن يؤدي إلى نتائج عكسية، ومن

ذلك خسران الجماعات الأهلية التي بمقدورها أن تساعد القوات المسلحة والأمن على إحلال الأمن والاستقرار والسكينة في هذه المنطقة، هذا من جهة، ومن جهة ثانية غدت سيناء حالة بذاتها تقتضي من الحكومة المصرية خطة شاملة وليست أمنية فقط، لاستعادتها وتطهيرها من جماعات التطرف والتهريب والتخريب، وتحصينها من الاختراقات وبخاصة “الإسرائيلية” .

من المؤكد أن الوضع الأقرب إلى الفلتان كان إلى وقت قريب يعدّ مناخاً ملائماً ل”إسرائيل” للعب في الجسم المصري وفي مجالات عديدة، والآن صار هذا الوضع الذي يعود في ما يعود إلى غير سبب، والأبرز محدودية وجود الدولة بمسؤولياتها قبل قواتها التي قيدت باتفاقات “كامب ديفيد”، وبات هذا الوضع الآن حقل ألغام لا يمكن البدء بتعطيله ومن ثم الخلاص منه، إلا من خلال حسم فتائل التغذية، وهي من جهات خارجية عديدة وأبرزها “إسرائيلية” .

المسألة الثانية: هي ما وصف “ببحث القاهرة في واشنطن عن أمن سيناء الضائع”، والعنوان هكذا يتناسب وما أوردته صحيفة “نيويورك تايمز” على موقعها الإلكتروني، ونقلت عن مسؤولين في الإدارة الأمريكية قولهم “إنه بعد الهجوم الذي استهدف نقطة قرب الحدود المصرية  “الإسرائيلية” وراح ضحيته 16 جندياً مصرياً، فإن مصر تغلبت، على ما يبدو، على ما لديها من حساسيات عن سيادتها وعجلت إجراء محادثات في تفاصيل المساعدات الأمريكية الجديدة التي تتضمن معدات عسكرية وتدريباً شرطياً ومراقبة إلكترونية وجوية”، وذكرت الصحيفة أن “البنتاغون يبحث عدة خيارات لتبادل المعلومات الاستخباراتية مع قوات الجيش والشرطة المصرية” .

نعم التعاون بين الدول مفتوح طالما كان قائماً على توازن المصالح وعلى الاحترام المتبادل، غير أن التجارب الشاخصة مما جرى في شأن مصر، والماثلة في غير مكان، تشير إلى أن الأمريكيين أصيبوا بنزعة الهيمنة وعدم التعاون ليصير التدخل هو النتيجة، وهذا ما يفترض الحذر الشديد من أن تبدأ وقيعة السقوط الأمني المصري شيئاً فشيئاً بدءاً من سيناء وإلى ما لا نهاية . القول هكذا يصير أكثر وضوحاً مما نقلته الصحيفة الأمريكية إن “المسؤولين الأمريكيين و”الإسرائيليين” يرون الرد المصري على الهجوم اختباراً مهماً لرئاسة مرسي والتزام بلاده بالأمن بعد إطاحة مبارك” . السؤال الآن: أليس الوصول إلى هذا الاختبار كان وراء تدبير الجريمة؟