رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

حسين شبكشى يكتب :تمام يا أفندم!

جولة عربية

الثلاثاء, 14 أغسطس 2012 12:16
حسين شبكشى يكتب :تمام يا أفندم!

في حركة واحدة تمكن الرئيس المصري محمد مرسي من حسم الجدل الذي كان يدور في مصر منذ قيام ثورة يناير (كانون الثاني) عمن يحكم البلاد، وما هو دور المجلس العسكري في ذلك. قام الرئيس مرسي باتخاذ سلسلة من الإجراءات والقرارات الإدارية أهمها عزل كل من المشير محمد حسين طنطاوي وزير الدفاع المخضرم وسامي عنان رئيس الأركان المؤثر واللذين كانا سببا رئيسيا في تنحي الرئيس السابق محمد حسني مبارك والوصول بمصر إلى النقلة الجديدة من المشاركة الشعبية في الحكم والديمقراطية. وقام الرئيس المصري بإجراء غربلة مهمة في قيادات المؤسسة العسكرية وأتى بجيل جديد من القيادات الشابة إلى المناصب العليا، وألغى العمل بالإعلان الدستوري المكمل وهو القرار المنظم في علاقات الحكم بين المجلس العسكري الأعلى والمؤسسات الحاكمة في مصر، وعين نائبا للرئيس وهو شخصية قانونية محترمة ولها تاريخ مميز في مجال عملها.

الكرسي يمنح الشرعية، وكل ما هو غير ذلك هو نوع من التنظير. محمد مرسي نصب رئيسا لمصر حين إدلائه بالقسم بعد إقرار المجلس العسكري نتيجة الانتخابات التي أعلنتها اللجنة الانتخابية، وأدى المشير طنطاوي وسامي عنان وكبار الضباط التحية العسكرية في احتفال عسكري للرئيس الجديد، وكان ذلك إعلانا للعالم بأنهم الآن لديهم رئيس جديد يتلقون الأوامر منه، ولكن العلاقة استمرت في شد وجذب يصاحبها

تشكيك شعبي وإعلامي مستمر عمن يحكم البلد «حقيقة»، حتى كان الحدث الكبير المتمثل في اغتيال 16 جنديا مصريا في سيناء على أيدي مجاميع إرهابية، والحدث أدى إلى حدوث هزة عاطفية في الشارع المصري، حتى كانت واقعة «غياب» الرئيس المصري عن حضور الجنازة لتشييع الضحايا.
ولعل ما حدث في الجنازة هو الذي «سرع» في قرارات الرئيس بإجراء التغييرات في الشخصيات والمناصب، فبعد أن تم التأكيد له بأن حضوره آمن وكل التجهيزات قد تمت أتى الرئيس بموكبه على مقربة من مكان الجنازة ثم أعطى أوامره بالعودة للقصر ليعلم بعد ذلك عن الاعتداء الذي حصل بحق رئيس وزرائه وشخصيات مهمة أخرى، مما يعني أن الموقع لم يكن «مؤمنا» كما شُرح له وتم التأكيد له، وأنه بالتالي كان من الممكن أن يتعرض للأذى والإهانة وتهتز هيبة المنصب، فقرر ما قرر وحسم الأمر.
ولكن في نفس الوقت كان قادة المجلس العسكري الأعلى يرددون دوما أنهم حريصون على الخروج الآمن والمشرف، ولا يريدون أن يتعرض لهم أحد ويحملهم مسؤولية أي من الأحداث التي حصلت، وهو ما تم تأمينه للمشير طنطاوي والفريق عنان بتوظيفهما
مستشارين للرئيس (بعد إحالتهما إلى التقاعد من منصبيهما الرسميين) ومنح طنطاوي قلادة النيل، وهي أعلى وسام مصري، وبراءة هذا الوسام تمنع ملاحقة ممنوحيه قضائيا وهو نوع من الحصانة العليا.
محمد مرسي الآن بات رئيس مصر بلا شك ولا تنازع في الصلاحية، وأرسل رسالة مدوية للمشككين في ذلك، وهو يسترجع صفحات من تاريخ الحكم في مصر عندما قام السادات في وقت واحد بإزالة كل خصومه الذين كانوا يرونه غير جدير بالمنصب ولا يستحقه، وكانوا جميعهم يشكلون مراكز قوى استثنائية في الدولة، ولكنه كان يملك الشرعية، والشرعية دائما ما تكسب، وكذلك الأمر بالنسبة لحسني مبارك في أيامه الأولى، وهو الذي جاء للمنصب وسط أجواء تشكك في جدارته واستحقاقه، ولكنه مع الوقت وبأسلوب مختلف أزال كافة الشخصيات التي من الممكن أن تهدده حتى أحاط نفسه بشخصيات هشة وضعيفة فقط.
هذا النوع من الحسم سيكون لصالح استقرار الرؤية السياسية، ولكن التفاصيل والتحديات والمشاكل التنموية المهولة في مصر بحاجة للعمل ومعاقبة المقصرين وهم كثر، ولا ينحصرون فقط في المجلس العسكري الأعلى، ولكن قد يكون الرئيس مرسي يبعث برسالة دقيقة بأنه إذا كان «الكبار» غير مستثنين من العقاب فحتما من هم أدنى منهم أولى بنفس الطريقة في التعامل، وهي سياسة جديدة على مصر تحديدا والعالم العربي عموما الذي باتت حكمة «من أمن العقوبة أساء الأدب» شعارا حقيقيا يعيشه الجميع ويأسف عليه.
الفترة القادمة في مصر ستكون بمثابة رصد دقيق لسياسات الرئيس مرسي في الشأن الاقتصادي والتنموي مع عدم إغفال الجانب الدستوري والتشريعي، وقتها فقط سيتنفس المصريون الصعداء ويدركون أنهم باتوا على الطريق الصحيح، قبل ذلك سيظل القلق مستمرا.
نقلا عن صحيفة الشرق الاوسط