رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

ميشيل كيلو يكتب :فرار الرئيس!

جولة عربية

الأحد, 12 أغسطس 2012 09:02
ميشيل كيلو يكتب :فرار الرئيس!

انتشرت في سوريا نكتة تقول إن الرئيس بشار الأسد انشق عن نظامه. ونشرت الصحافة رسما كاريكاتيريا يظهر الرئيس وهو ينشطر إلى نصفين، مع تعليق يقول: «الرئيس ينشق».

كانت النكتة تعليقا على انشقاق رئيس وزراء سوريا الدكتور رياض حجاب، الذي أوحى لمن «نكتوا» أنه لم يبق هناك إلا انشقاق الرئيس، كي تستكمل سلسلة الانشقاقات التي بدأت بعد نشوب الانتفاضة الشعبية مباشرة، واستمرت عبر انسلاخ ملايين المواطنين عن النظام، وصولا إلى كبار الضباط والساسة المقربين من الرئاسة، الذين يعتبرون جزءا من نواة النظام الصلبة: الجهة التي تعيد إنتاج النظام، وتضمن انسجامه، وتنسق عمل أطرافه وأجهزته وتكفل توزيع الأرزاق على منتسبيها، كل حسب مكانته ودوره.
بانشقاق رئيس الوزراء رياض حجاب، تصدّع ركنان رئيسيان من أركان النظام الشمولي السوري هما: نظام الموالاة ونظام السيطرة.
1) أما نظام الموالاة، فهو يستند إلى وجود قائد يجلس على قمة هرم السلطة لا يجوز لأحد منها الخروج على قراراته أو مخالفته الرأي تحت أي ظرف، بما أن قوة السلطة والنظام تقوم على وقوفهما متحدين وراءه في السراء والضراء، مع ما يتطلبه الولاء له كرمز للنظام من تعظيم شخصه وتأليهه. يلزم نظام الولاء أهل السلطة أينما كان موقعهم منها، من الحاجب إلى نائب الرئيس، فلا تسامح مع أي شخص أو أي جهة لا يلتزم أي منهما بمبدأ الولاء، الذي هو إسمنت للنظام يربط أجزاءه بعضها ببعض، ويساعده على خوض معارك واجتياز أزمات يمكن أن يتصدع إن واجهها منقسما على نفسه أو متساهلا مع الاختلاف بين مكوناته. لا عجب أن عايش السوريون واقعا سياسيا كان الحاجب يتحدث فيه لغة الوزير، وكان هذا يتصرف كالحاجب حيال كل كبيرة وصغيرة، فمبدأ الولاء يتطلب الامتثال الأعمى لما يصدر عن فوق ويحتم تنفيذه دون نقاش أو اعتراض، لذلك كان أهل السلطة يبدون لمن يتابع مواقفهم ككتلة متراصة لا سبيل للنفاذ إليها.
2) نظام السيطرة، وهو الوجه الآخر لنظام الموالاة، الذي يقوم على الضبط والرقابة الصارمة والدائمة، استكمالا لنظام الموالاة الذي يقوم على الخضوع

الطوعي والرضوخ الاختياري. لئن كانت الموالاة تعيد إنتاج ما تريده قمة الهرم في جسدية النظام السياسية والتنظيمية، فإن نظام السيطرة يتكفل ببقائها ناظما أي سلوك وموقف لدى من ينتمون إلى هذه الجسدية، باستخدام وسائل رادعة تنقلب إلى وسائل ملموسة عند الضرورة، تتراوح مفرداتها بين التمليح والتنبيه والتحذير وبين الاعتقال والتغييب والتعذيب والقتل. يتكفل نظام السيطرة بفاعلية نظام الموالاة، وبجعل أي موقف يقع داخلهما كنظامين يضمنان دوام النظام العام، يؤمن تفوقهما الغلبة على أي معارضة أو اعتراض يواجهانه، فالموالاة تعني الاقتناع، والسيطرة تعني الإكراه والفرض، والموالاة حالة معنوية تنتجها مؤسسات السلطة، تتكفل وسائل زجرية وقهرية باستمرارها وبتكامل فعلها مع وظيفة الموالاة بالنسبة إلى وحدة النظام.
ما الذي حدث كي يحدث انشقاق رئيس وزراء؟ وكيف نقرأ هذا الانشقاق؟ بغض النظر عن أن النظام يستطيع دوما إيجاد بدائل لمن ينشقون، بسبب ضخامة أجهزة السلطة، فإن انشقاقا على هذا المستوى يشير إلى تصدع نظامي الموالاة والسيطرة، وبالتالي إلى عطل أصاب قدرة رأس السلطة على إعادة إنتاجها عبر ضمان فاعلية هذين النظامين وقبولهما من مكونات السلطة دون قيد أو شرط، علما بأن استمرارها يتوقف عليهما. وبما أن الانشقاقات لم تعد تقتصر على مراتب دنيا في النظام لها تماس مباشر مع قطاعات شعبية واسعة تمارس عليها تأثيرا يدفع بها إلى الانشقاق، الصامت أو المعلن، عن نظام الموالاة، فإن وقوعها بحد ذاته يعد خطيرا بكل المعاني، بعد أن طالت أشخاصا من دائرة القيادة العليا، في ظاهرة تحدث لأول مرة في سوريا، منذ انشق حافظ الأسد عن حزبه وانقلب عليه عام 1970.
ما هي دلالات الانشقاقات كظاهرة؟ وأين تكمن خطورتها؟ هذا السؤال مهم لأن الجواب عليه يفسر حدثا غير مسبوق، تأخر وقوعه سياسيا وعسكريا، مما جعل
خبراء في الشأن السوري يتوقعون بقاء السلطة متماسكة، ويصرون على مقارنة ما يحدث في سوريا بما حدث في تونس ومصر، حيث أسهم العسكر في انتصار الثورة هناك، بينما هم يخمدونها هنا، ويستنتجون أن السلطة ستبقى موحدة على الرغم من فرار قرابة مائة ألف جندي وصف ضابط وضابط من أجهزتها العسكرية والأمنية، وتشكيلهم جيشا مقابلا لجيش النظام هو الجيش السوري الحر، الذي يعتبر دليلا على وجود طريق سوري خاص إلى الحرية يختلف عن طريق تونس ومصر، لا يصح تطبيق معاييرهما عليه لأن له معايير خاصة أنتجتها حرب النظام السوري ضد شعبه.
لماذا ينشق الناس اليوم ولم يكونوا ينشقون من قبل على الرغم من دور النظام في لبنان وقتاله ضد منظمة التحرير ومساعدته إيران ضد العراق وتخليه عن الجولان؟ أعتقد أن السبب يرجع إلى أن سياسات النظام، القائمة على تدمير سوريا وقتل شعبها، تضع لأول مرة مسؤوليه أمام حالة ترغمهم على الاختيار بين الولاء له والولاء للوطن، بما أن سياساته تحدث خارج أي وطنية. في الماضي، كانت سياسات السلطة تعادل الوطنية السورية، أما اليوم، فهي تعني القضاء على سوريا وطنا ودولة ومجتمعا. لذلك، لم يعد هناك أي مسوغ يبرر استمرار نظام الموالاة لقيادة تدمر بلادها، وصار أي حزبي مخيرا بين الولاء للنظام والقبول بتدمير الوطن، أو الولاء للوطن والخروج من النظام. بما أن أغلبية شعبية وحزبية رأت بالأمس في النظام تعبيرا عن الوطنية وترى فيه اليوم نقيضها، فإنها تنشق عنه وتخرج على نظام الموالاة، يشجعها على ذلك تهالك نظام السيطرة تحت ضربات الشعب، الذي يبدع وطنية جديدة يقبلها السوريون، ركيزتها الحرية والعدالة والمساواة: تلك القيم التي أدى قضاء النظام عليها إلى جعله عدوا لوطنه، وجعل مناصرين سابقين له لا يجدون لهم مكانا داخله، وأجبرهم على القفز من سفينته مع ما يؤدي إليه ذلك من تسريع انهياره، وهو الذي بدأ يتفكك من تحت، وشرع يتصدع بوتيرة متصاعدة من فوق، في سيرورة تؤكد لكل من له عينان يرى بهما أن سوريا الحرة آتية، وأن فيها مكانا لجميع بناتها وأبنائها، بمن فيهم من ينشقون عن نظام ثار عليه الشعب ولم يعد لديه من حماية غير الدبابات والطائرات، لكنه يتهاوى تحت ضربات يتلقاها من داخله أيضا، يسددها إليه رؤساء وزرائه وجنرالاته وجنوده وضباطه وقطاعات واسعة من مواطنيه، الصامدون منذ عام ونصف العام في وجه آلته الحربية، دون أن يصيبهم كلل أو ملل، حتى صار نضالهم أسطوريا، بما قدموه من شهداء وتعرضوا له من عنف وقتل!
نقلا عن صحيفة الشرق الاوسط