رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

أمجد عرار يكتب: تحالف الفتنة والتخلف

جولة عربية

الأربعاء, 11 يوليو 2012 10:19
أمجد عرار يكتب: تحالف الفتنة والتخلفأمجد عرار
بقلم - أمجد عرار

في السنوات الأولى بعد استكمال اغتصاب فلسطين سنة ،1967 كان هناك أسرى في سجون الاحتلال، لكن لم تكن هناك حركة أسيرة، أي أن الأسرى كانوا فرادى وكانت إدارات سجون الاحتلال تستعبدهم وتستخدم معهم أنواعاً شتى من أساليب القهر والإذلال.

كانت تتعمّد تشغيلهم في تصليح مستلزمات تستخدم لدى جيش الاحتلال مثل أغطية الدبابات، وذلك لتحطيم معنوياتهم وتحويلهم إلى مجرد كم لا حول له ولا قوة .

عندما بدأت النواة الأكثر وعياً من الأسرى تنظيم الصفوف والتحوّل إلى جسد تنظيمي مهيكل، أصبحت في السجون امتدادات لفصائل الثورة الفلسطينية، بحيث يلتزم كل أسير جديد حال انتهاء التحقيق معه في الفصيل الذي ينتمي إليه داخل السجن أيضاً، وتشكّلت هيئات قيادية لكل فصيل، وهيئات قيادية وطنية تمثّل جميع الأسرى . لم يأت هذا التحول انقلابياً بل أخذ مدى زمنياً وواجه تحديات وهجوماً قمعياً مضاداً من إدارات السجون .

لم يكن الاحتلال وحده هو التحدي أمام وحدة الحركة الأسيرة، فقد ظهرت تحديات داخلية على صلة بالخلفية القبلية والجهوية المتخلّفة لدى بعض الأسرى . هؤلاء أنشأوا حالة من التمرّد على الوحدة على أساس

وطني واتخذوا منحى جهوياً أو بلدياً، حيث أوجد عناصر من مختلف الفصائل قاسماً مشتركاً بينهم هو “أولاد البلد” ضد الحركة القائمة على الأساس الوطني النضالي . ولم تكن أصابع الاحتلال بمنأى عن تلك الظاهرة من خلال تحريض المعتقلين على التوجه التنظيمي الوطني لمصلحة الحالة البلدية . ونحمد الله أن المجتمع الفلسطيني متجانس طائفياً على نحو كبير، وإلا لكانت الطائفية سلاحاً جارحاً، بل قاتلاً بيد إدارات الاحتلال، وربما أحدث حالة دموية بين الأسرى .

المنهج الفتنوي الذي ما زال الاحتلال يتبعه في السجون، لكن مع نجاح طفيف، يستخدمه في أوساط المجتمع الفلسطيني في سجنه الأكبر . بعض أساليب الاحتلال تأخذ منحى محكماً في خبثه، لدرجة أنه ينجح في خلق بؤر للفتنة، وخاصة في المناطق الريفية حيث النفس العشائري مرتفع، وفي بعض الحالات استغل خلافات قديمة وموروثة وأعاد إحياءها لدى الجيل الجديد . ومع ذلك كانت بعض الأساليب مكشوفة ومفضوحة، وإن أخذت

بعض الوقت للتنبّه لها . خلال الانتفاضة الأولى، حدّث أهالي بلدة فلسطينية عن سلوك مخابرات الاحتلال وقواته ذات يوم عندما اقتحمت البلدة التي يتشكل سكانها من عائلتين كبريين . وإذ سبق الاقتحام توتّر بين العائلتين لم يخل بالتأكيد من خفافيش ظلام افتعلوه، استفاد الاحتلال من ذلك الخلاف وحوّله إلى وتر عزف عليه . عندما جمع الجنود المئات من الشباب والمسنين، أجرى ضباط المخابرات عملية فرز، كانوا ينظرون في بطاقات الهوية ويخلون سبيل من ينتمي إلى عائلة “سين”، ويعتقلون من ينتمي إلى عائلة “صاد” . وبعد مغادرة جيش الاحتلال كادت تحصل مذبحة بين العائلتين لولا تدخّل وجهاء من بلدات مجاورة . لم يمر وقت طويل ليكتشف أبناء العائلتين طبيعة الفخ الذي حاول الاحتلال إيقاعهم فيه .

ما يجري على الساحات الصغيرة هو ذاته الذي يجري على الساحة الأكبر . ومن الغريب أن الأمة التي خبرت على جلود أبنائها وعلى دمائهم التطبيق الاستعماري لسياسة “فرّق تسد”، لا تتعلّم من تجاربها الخاصة قبل أن تستفيد من تجارب غيرها . لذلك رأى الشعب الفلسطيني كيف تسببت الفتنة، مع أسباب أخرى مهمة، في إجهاض ثورة 1936-،1939 ورأى كيف تتكرر الفتنة ذاتها بعناوين جديدة في الساحة الفلسطينية اليوم . ولا يختلف الوضع عربياً إذ يراد لهذه الأمة أن تبقى مفككة متناحرة متشرذمة حتى تفقد أوراق القوة القليلة التي تملكها .
نقلا عن صحيفة الخليج