رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

أسامة الغزولى يكتب :في مصر الآن: جمهورية ثانية أم شعبوية جديدة؟

جولة عربية

الأحد, 08 يوليو 2012 11:42
أسامة الغزولى يكتب :في مصر الآن: جمهورية ثانية أم شعبوية جديدة؟

أطلق السياسي المصري البارز عمرو موسى، وكرر الكثيرون بعده، عبارة «الجمهورية الثانية» على النظام السياسي الجديد الذي لا يزال المصريون يحاولون إنشاءه على أنقاض «نظام مبارك»، لكن كثرة من المعلقين السياسيين، داخل مصر وخارجها، يجادلون بأن «الجمهورية الثانية» لا تقوم على أنقاض «نظام مبارك» الذي لم يكن سوى مرحلة من مراحل «جمهورية تموز/ يوليو». بل تقوم على أنقاض تلك الجمهورية. فهل انهارت «جمهورية تموز/ يوليو» حتى يقوم على أنقاضها نظام اجتماعي – سياسي تمكن الإشارة إليه بأنه «الجمهورية الثانية»؟

اعتبر الادعاء في القضية المعروفة في التاريخ المصري باسم «قضية مراكز القوى» في عام 1971، أن نظام الرئيس الثاني أنور السادات، الذي وضع رموز مرحلة سابقة من جمهورية تموز/يوليو في قفص الاتهام، ليس مرحلة جديدة في النظام الجمهوري ذاته بل جمهورية ثانية. وعندما حكم حسني مبارك، في مرحلة تالية من الجمهورية ذاتها، زعم بعض الداعين له أن المصالحة الوطنية التي انخرط فيها والخطاب الإعلامي الجديد، نسبياً، الذي اعتمدته أجهزته يؤسسان لجمهورية ثانية. لكن هذه المزاعم بقيت خافتة وهامشية، ولم يعرف أحد، على وجه اليقين، حتى الآن، ما إذا كانت جمهورية تموز/ يوليو انتهت مع تخلص السادات من رموز مرحلة سبقته، أم أنها سقطت بسقوط السادات فوق منصة العرض العسكري برصاص عسكريين أصوليين، أم انتهت بنهاية حكم مبارك، أم أن المؤسسة العسكرية المصرية قد تمد في عمرها بتوسيع الأطر المفهومية التي تحكم الحياة السياسية في مصر، لتتوافق مع دور أوسع للإسلام السياسي، في الجمهورية التي يقال، في روايات لا يستهان بها، إن مؤسسيها كانوا ضباطاً قادهم اثنان من الكوادر العسكرية لجماعة «الإخوان المسلمين» هما الصاغ (الرائد) محمود لبيب واليوزباشي (النقيب) عبدالمنعم عبدالرؤوف.
لكن النهج البراغماتي لجمهورية تموز/ يوليو، المغلف، دائماً، بغلاف شعبوي كثيف، لا يساعدنا على فهم ما يجري. فماذا عن النهج البراغماتي والشعبوي لـ «الإخوان المسلمين»؟ وماذا عن خطابهم الراهن؟ لقد وجَّه الرئيس المنتخب محمد مرسي كلمة افتتاحية،

بعد ساعات قليلة من إعلان فوزه بمنصب الرئاسة، لا بد من قراءتها بكل عناية. خاطب الرئيس المنتخب مواطنيه خطاباً عاطفياً، عشائرياً، دينياً. لم يخاطبهم باعتبارهم مواطنين لهم حقوق مقررة، بقدر ما خاطبهم باعتبارهم أحباء الرئيس، وأهله، وعشيرته الذين يربطه بهم رباط المحبة. ونسف الرئيس المنتخب الأرضية القانونية التي يقف فوقها أمام مواطنيه. عندما قال: «ليست لي حقوق». وكررها أكثر من مرة. وكان واضحاً أن هذه عبارة نطق بها عفو الخاطر ولم يقرأها من نص أمامه. ثم أكد، أكثر من مرة، على أنه وصل إلى منصبه بفضل الله أولاً ثم بفضل المواطنين. وطمأن مواطنيه إلى أنه «لن يخون الله» فيهم، فمسؤوليته هي مسؤولية تتعلق بضمير مؤمن يبتغي رضا ربه، قبل أن يحسب حساباً لمؤسسات دستورية تحاسبه باسم الشعب، أو لقوى الشعب الذي يخاطبه مباشرة، ربما لأن المؤسسات التمثيلية لم تنشأ بعد، ولم يقع توافق عليها.

«الثورة مستمرة»
لكن العبارة الأغرب هي تلك التي قال فيها الرئيس المنتخب إن «الثورة مستمرة». هذا رجل دولة صعد إلى منصبه عبر مبادئ principles، وتدابير procedures، وسياقات processes نظامية. والشارع السياسي الذي صنع ما يسميه هو وغيره، ثورة، منقسم الآن على نفسه، فنصف هذا الشارع صوَّت لمحمد مرسي ونصفه صوت لمنافسه. والأهم أن هذا الشارع قبل بالمبادئ، والتدابير، والسياقات النظامية. وقرر، بتفضيله المشاركة على المقاطعة، أن الوقت وقت ممارسات نظامية. فعن أي ثورة يتحدث؟ وهل يتحدث عن «الثورة» سياسي ينتمي لأقوى تنظيم محافظ في العالم الإسلامي؟
هل يقصد محمد مرسي بـ «الثورة» حشد أنصاره؟
وهل يضغط بهذا الحشد على القضاء وعلى البيروقراطية، حتى بعد أن أصبح رئيساً يقف على قمة المؤسسات؟
هل ينوي أن يقود أجهزة الدولة من
الشارع وبالتظاهر؟
هل يضغط بالحشود، التي تقول نتائج الانتخابات إنها نصف الشارع السياسي، على شركائه، على المجلس العسكري، أم على من صوَّتوا لمنافسه في الانتخابات الرئاسية والذين هم، في ما يبدو، دعاة العودة إلى العمل النظامي والكف عن التظاهرات والاعتصامات؟
بتعبير آخر: هل قوله إن الثورة مستمرة يشف عن نية للضغط بنصف الدولة الذي سيخضع له على نصف الدولة الآخر؟ أم هي نية للضغط بنصف الشارع السياسي على النصف الآخر؟ أم على الاثنين معاً؟ وهل الضغط السلمي، الذي يقف عند حدود التظاهر والاعتصام ثورة، أم أن هناك تكتيكات واستراتيجيات أخرى، أقرب إلى العمل الثوري، لم يعلن عنها بعد؟
الأرجح أن خطاب discourse محمد مرسي، سواء حصرناه في النص الافتتاحي أو وسعناه ليشمل كل ما بدر عنه، منذ خاض الانتخابات البرلمانية في عام 1995، لن يعطي إجابات شافية على تساؤلات كهذه.
والجدير بالذكر أنه، في كلمته الافتتاحية، كان يترك النص المكتوب ثم يسترسل في ارتجالات تأتي عفو الخاطر، حتى أنه قال، مخاطباً مواطنيه: «أرجو أن لا أكون نسيت أحداً منكم». وهذا أمر عجيب في نص افتتاحي، يفترض أن فريقاً من المسؤولين الأكفاء عكفوا على إعداده. وإذا أضفنا لهذه العفوية ما سبق أن أشرنا إليه من مفردات، وتعابير، وتلميحات عاطفية، وعشائرية، ودينية فسوف نجد أن أمامنا نصاً سائلاً مرتجلاً، بل أكثر سيولة، وعفوية، وعاطفية من نصوص أنور السادات، الذي يقال، في روايات لا يستهان بها، إنه كان أقرب أعضاء المجلس العسكري الأول لجمهورية تموز/يوليو إلى مؤسس جماعة الإخوان حسن البنا.
فهل تقف حدود التحول عند استعادة الرئاسة المصرية ملامح الخطاب الساداتي، وعند تخليص هذا الخطاب من تعديلات وإضافات محدودة أدخلها عليه حسني مبارك؟ بالقطع لا. فهناك إشارات إلى تحولات أعمق. لكن كل إشارة منها تحتمل التأويل ونقيضه.
نعم، نحن بصدد شعبوية كثيفة جديدة يغلف بها «الإخوان المسلمون» وحلفاؤهم السلفيون والمجلس العسكري حقائق المشهد السياسي في مصر، وهذه الشعبوية قد تختلف عما سبقها، بأكثر مما اختلف خطاب مبارك عن خطاب السادات، وخطاب السادات عن خطاب عبدالناصر. فهل تخفي تحتها عملاً لتأسيس جمهورية ثانية؟ هل تنجح الأحزاب والتيارات غير المنخرطة، حتى الآن، في الائتلاف الحاكم، في اختراق غشاوات الخطاب الشعبوي، ليفهم المصريون ما هم صائرون إليه، أم تزيد الرطانات «الثورية» المشهد غموضاً على غموضه؟ لا نعرف.
الأرجح أن الخطاب الشعبوي الجديد سيقودنا كالعميان لنصحو، كل صباح، على واقع لم يجهزنا لاستقباله ما سمعناه، مساء اليوم السابق.

نقلا عن صحيفة الحياة