رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

رغيد الصلح يكتب:من روسو إلى ميدان التحرير

جولة عربية

الجمعة, 22 يونيو 2012 12:32
رغيد الصلح يكتب:من روسو إلى ميدان التحرير رغيد الصلح
بقلم - رغيد الصلح

كان تزامن الذكرى الثلاثمئة لولادة الفيلسوف الأوروبي جان جاك روسو، والانتخابات الرئاسية المصرية، ولكنها كانت مصادفات يتداخل فيها تطور الفكر السياسي العالمي، مع انتفاضات الشعوب والتحولات التي تمر بها بأمل أن تحقق أهداف الحرية والعدل (ميدان التحرير نموذجاً).

كان روسو مفكراً لم يتوقف عن إثارة المناقشات الواسعة التي تتردد أصداؤها في كل حدث تغييري في العالم . وانتقلت أفكار روسو مع الذين درسوا الفكر السياسي الغربي، ومن الفرنكوفونيين بصورة خاصة، إلى المنطقة العربية . ولم تثر هذه الأفكار النقاش بين المتعاطفين مع أفكار روسو ومناهضيها فحسب، بل حتى بين متبني هذه الأفكار أنفسهم . بدت أفكار روسو كأنها مكتظة بالتناقضات، بحيث إنه كان لمن تأثر ب”الروسوية” أن ينتقي منها ما يراه مناسباً من الأفكار والنظريات، وأن يروج لما يتوافق مع نظرته الأصلية إلى الواقع وإلى عالم السياسة، حتى ولو تضاربت مع رزمة أخرى من نظريات الفيلسوف السويسري المنبت . ووقع خيار القسم الأكبر من المتأثرين بروسو خلال الأربعينات والخمسينات على نظرياته في المسألة القومية .

كانت لروسو في المسألة القومية مساهمات بالغة الأهمية، إلى درجة أنه كان من الصعب أن يبالغ المرء في تقدير أهميتها من حيث أثرها في تطور الفكر القومي، وبحيث إنها “شكلت الأساس الفكري للقومية التي تطورت خلال القرن التاسع عشر”، كما كتب إدوارد كار، وهو واحد من أبرز المؤرخين البريطانيين، ومن أكثرهم إلماماً بالتطور التاريخي للفكرة القومية . ولقد ركز المتعاطفون مع أفكار روسو على نجاح تلك الأسس في ترسيخ ونشر نموذج الدولة القومية في أوروبا ومن

بعدها في العالم .

ومن المؤكد أن هذا النموذج حقق انتشاراً واسعاً في المنطقة العربية، حيث إن الفكرة القومية تحولت إلى قاسم مشترك لأغلبية الحركات السياسية العربية لعدة عقود خلال القرن العشرين . ورغم أن أكثر الذين يتحدثون عن القومية خلال تلك الفترة يقصدون بها القومية العربية، إلا أن الحقيقة هي أن السمة القومية لم تطبع فحسب الحركات والأحزاب التي شددت على الانتماء العربي وبنت مشروعها السياسي على أساسه، ودعت في هذا السياق إلى تحقيق الوحدة العربية، بل إنها طبعت أيضاً، أغلبية الحركات في المنطقة . استطراداً، كان الكثيرون من المحللين والكتاب الأجانب يضعون بعض الحركات، مثل جبهة التحرير الوطني في الجزائر وفتح في فلسطين وقسم من الحركات الإسلامية، في سلة واحدة مع الحركات والأحزاب القومية العربية . من ناحية أخرى بدت بعض الحركات القومية غير العربية كأنها “بريئة من مساوئ الفكر القومي” التي بدت محصورة في الأحزاب والحركات القومية العربية تحديداً .

بصرف النظر عن هذا الالتباس وعن تداعياته الفكرية والسياسية، فإن انتشار الفكرة القومية، عربية كانت أو غير عربية، وكذلك المبادئ الاشتراكية ومبادئ التحرر الوطني وغير ذلك من العقائد والقيم، رافقها انتشار نظرة إلى الدولة تعتبرها بمثابة “المخلوق الطبيعي”، وأنها في حد ذاتها معبرة عن الخير ومحققة له . وحتى تكتمل هذه الصورة وترتقي الدولة إلى هذه المكانة

السامية، كان مفروضاً فيها أن تكتسب مشروعية من خلال التزامها بالقيم الصالحة والأخلاقية . فإذا اكتسبت الدولة هذه المشروعية يصبح بإمكان الحاكم أن ينوب عن المواطنين في وضع السياسات وسن القرارات وانتقاء الخيارات المناسبة باعتباره المؤتمن على المبادئ النبيلة والمشرقة التي جاءت به إلى السلطة .

استمر الأساس القيمي والعقائدي للمشروعية السياسية والحكومية حتى نهاية العقد الماضي تقريباً، حتى بدأت النخب الحاكمة العربية تجنح إلى التحلل منها . وما يلفت النظر على هذا الصعيد، أن النظام المصري كان يعتبر نفسه المؤتمن على مبادئ 23 يوليو/تموز بحيث إن قانون الأحزاب كان يشترط الالتزام بهذه المبادئ إتماماً لموجبات تأسيسه، إلا أنه تم التخلي عن هذا الشرط على أساس أن الدولة المصرية أخذت تكتسب شرعيتها من معين آخر، فما هو؟

خلال العقود الأخيرة أخذت الشرعية الديمقراطية والدستورية تحل محل الشرعية العقائدية والثورية . وفي هذا السياق وضعت فكرة الميثاق الوطني أو العقد الاجتماعي التي بلورها روسو في قلب مشروع الدولة، مصرية كانت أو جزائرية أو لبنانية . ومع أن الكثيرين من النقاد كانوا يعتبرون جان جاك روسو من الذين شرعنوا الأنظمة الشمولية في العالم، وفتحوا الطريق الفكري أمام أنظمة الإرهاب، فإن روسو كان واضحاً في تشديده على الحرية الفردية وليس الجماعية فحسب . فهو الذي قال في كتاب العقد الاجتماعي، “بما أن كل فرد ولد حراً وسيد نفسه، فما من مرء قادر، مهما كان السبب، على إجباره على ما لا يقبله أو يختاره” .

الانتقال إلى الشرعية الديمقراطية لا يعني التخلي عن القيم . بالعكس، إنه يعني حق المواطنين والمواطنات من دون غيرهم في اختيار هذه القيم وفي التفتيش عن أفضل الناس وأكثرهم تمتعاً بالمؤهلات الخلقية والفكرية المناسبة لتمثيل أولئك المواطنين وللتعبير عن مصالحهم وعن خياراتهم ورغباتهم . إن ما يدعى بالربيع العربي وضع العرب على الطريق إلى استبدال الأنظمة التي لم تعد تملك حتى مشروعية الشعارات بالأنظمة التي تخدم الشعوب بدلاً من أن تسترقها .