رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

محمد الرميحى يكتب :مرسي.. أربكان أم أردوغان؟

جولة عربية

الثلاثاء, 19 يونيو 2012 09:17
محمد الرميحى يكتب :مرسي.. أربكان أم أردوغان؟

أكتب وصناديق الدورة الثانية من الانتخابات المصرية لم تفتح للفرز بعد، المتوقع أن يكون محمد مرسي مرشح «الإخوان» هو الرئيس المقبل لمصر، وإن كانت النتائج غير تلك، فإن المؤكد أن تأتي انتخابات مجلس الشعب المصري المقبلة بأغلبية مريحة لـ«الإخوان» ومناصريهم، المسار الذي اتخذته رياح الربيع العربي يشير إلى ذلك، كما أن الجو العام في الشرق الأوسط يتوجه إلى إحلال ذاك التيار في القيادة.

في جميع الحالات، سواء في مصر أو في تونس، وربما ليبيا أو غيرها من بلاد العرب، في المستقبل القريب سيكون لتيار الإسلام السياسي الغلبة أو الأكثرية في البرلمانات، وربما الرئاسات، وأمامنا أكثر من نموذج إسلامي في الحكم، بعضه ناجح وبعضه أصابه الفشل، لا يخطئ أحد في الفهم بأن المشكلة في الإسلام، بل المشكلة في المسلمين القابضين على السلطة وتصوراتهم لإدارة مجتمع حديث في مطلع القرن الحادي والعشرين، حيث خطت البشرية خطوات هائلة في التنظيم الاجتماعي والسياسي أثبتت نجاحها. لدينا السودان ولدينا إيران ولدينا تركيا، وأعتقد أن الأخيرة هي التجربة – للعقلاء - التي يتوجب القياس عليها.
لم يصل حزب العدالة والتنمية «التركي» إلى ما وصل إليه من نجاح بسهولة، أو دون تجارب فاشلة سابقة بل مريرة، فقد كان في تركيا مسيرة للإسلام السياسي منذ ثمانينات القرن الماضي، أي منذ بدأ الإصلاح السياسي الشامل، أولها كان فاشلا وبعدها استقام لها الرأي والعمل. تجربة نجم الدين أربكان في الحكم كرئيس وزراء عام 1996 كانت فاشلة إلى حد كبير بعد طول معاناة، لقد كان «مثاليا»، إن صح التعبير، في اقترابه من الحكم الذي كان بشراكة حزب الطريق القويم، لقد خيل لأربكان أن ما كان صالحا قبل مئات السنين يمكن أن يصلح اليوم، فدخل في صراع لم يخرج منه إلا مبعدا ومعزولا وحزبه مشطوبا من الحياة السياسية.
أول أعمال أربكان في الحكم أن اتجه شرقا، ذهب في أول زيارة للخارج إلى طهران، كان واضحا أن خياره على غير الصواب، ثم بعد فترة عقد مؤتمرا في إسطنبول استضاف فيه كل من ادعى، عن حقيقة أو غيرها، أنه ممثل لتيار إسلام سياسي في بلده، فاستفز الجيران وما بعد الجيران، ثم دخل في صدام مباشر مع مجتمعه في المعركة المعروفة بمعركة الحجاب، حيث أصر على إدخال سيدة محجبة إلى البرلمان التركي، هي نجحت في الدخول، ولكن على أثر ذلك اندلعت معركة سياسية انتهت بسحب الجنسية من النائبة وسقوط أربكان نفسه من سدة الحكم.
ذاك اجتهاد في الحكم لم يقرأ الخريطة السياسية والثقافية حوله،

ولم يتعرف على التوقيت المناسب، وقد أوصل أربكان إلى طريق مسدود، ثار عليه أول من ثار تلاميذه، رجب طيب أردوغان وعبد الله غل، عندما انقسم حزبه إلى فرعين، بل تهور أربكان فنادى في قمة الصراع، بأن من يصوت للتنمية والعدالة يدخل النار، إلا أن مجموعة تيار الشباب في التجربة التركية المعاصرة وضعت نصب عينيها التعلم من أخطاء المعلم! فركبت سياستها على أربع شروط أساسية طلبا للنجاح، وهي فهم الواقع السياسي المحلي والإقليمي والدولي، والتسليم بشروط اللعبة السياسية، والحرص على وحدة الوطن، وعدم استفزاز الخصوم.
بتلك الشروط الأربعة حقق حزب العدالة والتنمية نجاحه في الحكم، فكانت أول زيارة خارجية لأردوغان إلى بروكسل، عاصمة الاتحاد الأوروبي، حيث كان الأتراك جميعهم يتطلعون إلى الانضمام إلى تلك القلعة الاقتصادية، السوق الأوروبية المشتركة، ثم جاء تصريح رئيس الجمهورية العلماني أحمد نجدت سيزر، في بدايات حكم التنمية والعدالة، الذي قال إن قصر الرئاسة ليس مكانا لوجود المحجبات، وكان يقصد أن الاستقبال التقليدي للوزراء الجدد لن يسمح فيه باصطحاب الزوجات المحجبات، فكان أن قرر الحزب أن يذهب وزراؤه إلى الاستقبال دون زوجاتهم، فمرروا معركة كان يراد لها أن تنشب.
أما المشروع الكبير الذي تراجع عنه الحزب فهو مشروع «قانون الزنا» الذي ووجه بمعارضة، فسحبه الحزب، بالطبع تحت احتجاج صارخ من مناصريه، ولكنه فعل حتى لا يدخل في معركة اعتبرها ثانوية على الرغم من قناعة أعضاء الحزب بها، ووجود أغلبية له في البرلمان. الشباب الإسلامي التركي (حزب العدالة والتنمية) لم يستحوذ على السلطة بالكامل له ولأعضائه، أشرك معه في الإدارة عقولا تركية كبيرة يعترف بها الشعب التركي قاطبة.
ولما أصبح أمام اختبار في العلاقات الدولية في عام 2003 عام تحرير العراق، وقف الحزب موقفا شبه حيادي من طلب الولايات المتحدة استخدام قواعد تركية جوية في عملية تحرير العراق، حتى لا يغضب حليف تركيا، أرجئ اتخاذ القرار إلى البرلمان التركي، دون إيعاز ما إلى أعضاء حزبه، فكان أن رفض البرلمان السماح للقوات الأميركية، وبهذا حقق الحزب ما يصبو إليه وخرج ليس بعداء مع الحليف بل فقط بامتعاض سرعان ما طواه النسيان.
لقد وضع حزب الحرية والعدالة رؤية كلية لما يريد
أن يحقق، الإنعاش الاقتصادي والدفاع عن الديمقراطية، وكلاهما عنوان يحقق من خلال نظرة وطنية لا حزبية. بهذا نجحت تجربة الأتراك الجدد؛ فقد تحقق نمو تاريخي في القطاع الاقتصادي، حتى كاد أن يمحو الدين الهائل على تركيا الذي تركته الإدارات السابقة، ويضعها في مصاف النمو في سلك الدول العشر الأولى، ويحقق أيضا تجربة ديمقراطية اعتمد فيها على إقناع المواطنين بمنجزاته لا شعاراته. ولقد استخدم أردوغان وحزبه سلبيات الجناح العلماني التركي دون أن يفرط بمنجزات ذلك الجناح، اعتمد في ذلك على إدارة حديثة كفؤة، فصار يحمل مشروعا وطنيا لا حزبيا، وجذب في مسيرته أنصارا من خارج التيار الإسلامي. السياسة الخارجية لأربكان كانت سببا أصيلا في فشله، والسياسية الخارجية لأردوغان كانت سببا في نجاحه، فقد حاول تمرير مصالح تركيا دون أن يستفز الآخرين، كما حول العلاقة بإسرائيل من علاقة تحالف إلى علاقة تنافس، لا عداء كما يعتقد البعض. وحتى الفن استخدمه العدالة والتنمية لصالح تركيا، كما حدث في انتشار مسلسلات العاطفة التي غزت تلفزيونات الجيران وروجت للسياحة.
عرضت بإيجاز ما سبق لكي أحاول أن أجيب على سؤال: هل يمكن أن يكرر إخوان مصر أو تونس أو ليبيا المثال التركي الناجح؟ يمكن ذلك ويستحيل في الوقت نفسه. يمكن ذلك من خلال وجود تفكير استراتيجي، يعتمد على فصل الدعوة عن إدارة الدولة، ومن ثم تقديم الخدمات للناس بطريقة شفافة وبإيمان حقيقي بالديمقراطية التبادلية، وبالاحتواء لا التهميش واستعداء الآخر المخالف. في الحالة المصرية دخلت على الموقع الرسمي للإخوان المسلمين فوجدت الموقع مليئا بعبارات الاستعداء للآخرين، كما وجدته يقلل كثيرا من أهمية الفروق بين الشباب والشيوخ، فالشباب يمكن أن يطوروا والشيوخ يستهويهم ما كان. كانت الخطوات الأولى لأردوغان هي اللقاء مع المعارضة، وكانت الخطوات الأولى للحرية والعدالة (المصري) الاستحواذ شبه الكامل على لجان البرلمان ولجنة صياغة الدستور الملقاة، كان أول مشاريع الأتراك وضع 300 مشروع اقتصادي كبير قيد التنفيذ، كما كان أول مشاريع البرلمان المصري التدخل في القضاء. الأتراك تجاوزوا الخطاب العاطفي في الاتصال بالناس إلى الخطاب الواقعي، ولا يزال الخطاب العاطفي الدعوي هو السائد في بلاد العرب، لقد أكد الأتراك أنهم ليسوا اللاعبين الوحيدين، هم من بين اللاعبين، وبقي البعض هنا يريد أن يلعب وحده.
في يقيني ومن معرفة بالبعض، أن في الإخوان المسلمين العرب من العقول من يعرف الفروق كما يعرف أهمية الخطوات التحديثية، ولكن هل يسمح لهم الشيوخ معطوفا على البيئة التنظيمية التقليدية والتراث الفكري، أن يقيموا بناء دولة حديثة واقتصاد بإدارة دينامكية، أم أن البيئة العامة وظروف التطور والثقافة السائدة سوف تقف حجر عثرة أمام رغبة ورؤية شباب «الإخوان» والتيار المجدد للوصول إلى أهداف تنموية؟ ذلك سؤال سوف تجيب عنه الأيام، أي هل مرسي - إن نجح - أو أحزاب الإسلام السياسي العربي هم أربكانيون أم أردوغانيون؟
آخر الكلام:
فقد أبناء الخليج والعرب يوم السبت الماضي رجلا من رجالات الدولة، الأمير نايف بن عبد العزيز، لمن عرفه كان رجل دولة بعيد النظر ومهموما بهموم أمته، قاد ميدانا صعبا في وقت صعب، رحم الله الفقيد وألهم آله وذويه الصبر، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
نقلا عن صحيفة الشرق الاوسط