رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

أسامة غريب يكتب:مُنيتي..عزّ اصطباري (2)

جولة عربية

الأحد, 17 يونيو 2012 11:01
أسامة غريب يكتب:مُنيتي..عزّ اصطباري (2)أسامة غريب
بقلم - أسامة غريب

أصابته دهشة شديدة من ان الأشاوس أصحاب الصمود والتصدي الذين قطعوا علاقتهم بمصر التي باعت القضية الفلسطينية هم الذين يحتجزون الفلسطينيين ويمنعونهم من دخول بلادهم!. ولمح فتاة وشاباً مصريين يتسليان بلعب الورق.

جالسهما فأخبراه بأنهما أتيا لقضاء شهر العسل وسددا قيمة الرحلة كاملة ولا يدريان من يعوضهما الآن! ثم أبصر ركناً لليمنيين به بعض الرجال الذين افترشوا الأرض وأسندوا ظهورهم للحائط وكان واضحاً أنهم في حالة «تخزين» وهي حالة تطلق على متعاطي القات. ورأى سودانيين وأردنيين وسوريين وعراقيين ولبنانيين، لكن بين كل هؤلاء لفتت نظره فتاة تجلس وحيدة في اَخر الصالة، جميلة الوجه لكن حزينة. عندما اقترب منها بدا له من شكل عينيها أنها كانت تبكي. استأذنها في الجلوس معها فلم تمانع. قدم لها نفسه فأخبرته ان اسمها سعاد وأنها فنانة تغني بفرقة أم كلثوم للموسيقى العربية التي يقودها الأستاذ حسين جنيد. عرف منها انها قدمت للعمل بالمغرب التي يعشق أهلها الغناء والطرب بعد ان تعاقد معها متعهد مغربي ينتظرها الآن بالخارج. قالت: هل تصدق أنني اقترضت ثمن تذكرة السفر ولا أعرف الآن كيف أسدده، ثم أضافت في حنق: ما شأني أنا بالسياسة أو بكامب دافيد.. أنا مغنية تقدم فناً يحبه العرب على اختلاف بلدانهم. قال لها في تردد: اسمحي لي ان أسألك هل تحتاج المطربة في مصر الى ان تسافر من أجل المال، وهل يصل الأمر لدرجة اقتراض ثمن التذكرة؟. ضحكت في أسى لكن بدا أنها أنست اليه فقالت له: يا عزيزي هذا ينطبق على مطربي الاذاعة والتلفزيون

الذين تقام من أجلهم الحفلات، كما ينطبق على المغنين بشارع الهرم في الكباريهات، أما نحن.. وطفرت من عينيها دمعة... نحن الذين نغني في فرقة الموسيقى العربية وفرقة أم كلثوم فلا نصيب لنا من الشهرة أو الفلوس، مكتوب علينا ان نقضي العمر نغني لأنفسنا أو لجمهور محدود، أو ان نقف كورس وراء مغنية دلوعة لا تعرف شيئاً عن الغناء. قال لها محاولاً تخفيف توترها: من الواضح ان الليلة ستطول ولا أمل لنا في طائرة تعود بنا لمصر قبل الصباح، ما رأيك ان تغني وتسمعيني صوتك. ردت في دهشة: هل هذا وقته؟ انني في شدة الكدر من سوء بختي. قال مهدداً: لو لم تغني سأقوم أنا بالغناء ولتتحملي النتائج. ضحكت وقالت: ماذا تريد ان تسمع؟ قال: أي شيء من الموشحات القديمة. قالت: لأجلك سأغني منيتي عز اصطباري لسيد درويش، هل تعرفها؟ قال: أعرفها وأعشقها. انطلقت تشدو بصوت عذب شديد البهاء فجذب صوتها الرفاق العرب المتناثرين في الصالة هنا وهناك فأخذوا يقتربون ويتلاقون ويتحلقون حول سعاد وصوتها يتألق منشدة: (منيتي عز اصطباري.. زاد وجدي والهيام. من لحاظكم كم بدا لي.. من سيوف وسهام. يا اَل ودي ساعدوني.. واشرعوا لي في الغرام. اني مغرم حبي هاجر.. ناري تضرم قلبي صابر. كم بيوعد لم باخالف.. هو يخلف وانت عارف. وللا أقول لك
ما علينا.. كن في حالك والسلام). ما كادت تفرغ من الغناء حتى انطلقت عاصفة من التصفيق من زملائها المحتجزين ومن ضباط وجنود المطار الذين جذبهم أيضاً

صوت الكروان المصري الجميل

دمعت عيناها من التأثر وسط الجمهور العربي وقالت: هذه هي مأساتي، حب عشاق الطرب وتشجيعهم يجعلنا نتحمل مهنة لا تجلب مالاً ولا تقدم ستراً، مشكلتنا أننا نحب الغناء بجد ونشعر بالحسرة لأننا ندرك أنه لن يصل بنا لشيء، انني أنفق على أمي وأختي الصغيرة، وعندي خطيب لا نفع منه ارتبطنا منذ خمس سنوات، يغني معي بالفرقة ويعمل جرسوناً بكازينو النيل وفلوسه كلها تضيع في المخدرات، وأضافت: لقد كانت هذه السفرية بمثابة ملاذ ينقذني من الفقر ويحل لي مشاكلي مع الدنيا، لكن يبدو ان للسياسيين العرب السخفاء رأيا اَخر، انهم لا يتركوننا في حالنا ويطاردوننا في لقمة العيش أينما حللنا.. ما علاقتي بوزراء الخارجية الأغبياء الذين سيكررون كلاماً فارغاً قالوه مئات المرات، وهل دخولي الى المغرب سيفسد عليهم اجتماعاتهم؟ وما شأني بكامب دافيد والذين وقعوها.. ان أحداً منهم لم يأخذ رأيي فيها فلماذا يصيبني رزازها؟. قال في نفسه: لقد حرمتني السياسة العربية الرعناء من فسحة منّيت نفسي بها بالدار البيضاء لكن هذا يهون الى جوار مشكلة هذه الفتاة.
فوجئ بوفد من الضباط والعساكر يقتربون ومعهم صندوق من المرطبات قدموه لهم، وأدهشه أنهم تلطفوا فقدم بعضهم اعتذاراً بأنهم ينفذون الأوامر ولم يقصدوا أبداً ان يسببوا الكدر لأحد. شعر بالعجب مما يستطيع الغناء ان يفعله بالنفوس، هؤلاء الناس كانوا منذ قليل ينظرون لهم بازدراء ويعاملونهم بخشونة، لكن الغناء أعادهم الى انسانيتهم وطبيعتهم السمحة التي حجبتها أوامر الطغاة.
فجأة انبرى أحد العساكر قائلاً: لعن الله كامب دافيد! فانفجروا جميعاً في الضحك، وقال شاب فلسطيني: ولعن حاملها وشاربها وساقيها، وأضاف رجل يمني: ولعن متعاطيها في القيلولة، وتبعه شاب لبناني أنيق: ولعن ساحب أنفاسها على الأرجيلة، وعقب مصري ابن بلد: خاصة اذا شربها وحده!.
نقلا عن صحيفة الوطن الكويتية