رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

عادل درويش يكتب:نكتة خيار إبليس

جولة عربية

السبت, 02 يونيو 2012 13:45
عادل درويش يكتب:نكتة خيار إبليسعادل درويش
بقلم - عادل درويش

النكات في مصر، ليست السياسية فقط بل في كل مجالات الحياة، هي معيار لقياس الرأي العام ورد فعل الشعب للأحداث.

قبل كتابة المقال، بحثت آخر النكات المصرية عن الانتخابات الرئاسية.
واخترت للقارئ نكتة الكاريكاتيرست سعيد الفرماوي: «ناس بتقول تنتخب إبليس ولا تنتخب شفيق، وناس بتقول تنتخب إبليس ولا تنتخبش مرسي.. طيب كلنا ننتخب إبليس ونوفر دوشة الجولة التانية». واكتملت النكتة بتعليق على «فيس بوك»: «ياريت.. على الأقل إبليس برنامجه معروف».
النكتة تحمل فلسفة عميقة من وجدان الشعب لم يدركها المثقفون ومعلقوا الفضائيات وثوار قادوا، بأدرينالين الاحتجاجات، العربة المصرية بسرعة جنونية إلى «حارة سد» لا يسمح ضيقها الشديد باستدارة العربة والعودة بها بحثا عن طريق مفتوح.
«إبليس برنامجه معروف».. تعكس حكمة آلاف السنين في جينات المصريين، مقابل الحكمة الإنجليزية: Better the devil you know than the angel you don’t شيطان تعرفه أفضل من ملاك مجهول النوايا، ويقابلها عند العرب «عدو عاقل أفضل من صديق أحمق»..
وهناك قول إنجليزي آخر «إذا قبلت دعوة العشاء مع إبليس فكل بملعقة بيد طويلة».. استمتع بالعشاء، لكن احتفظ بمسافة أمان تناسب برنامجه المعروف..
وليأذن الزميل طارق الحميد بالاقتباس من مقالته يوم الأربعاء الماضي؛ تنبيهه المصريين إلى تصحيح السؤال الخاطئ المطروح حتى لا يكررونه في انتخابات الجولة الثانية.
النكتة سخرت من سؤال المصريين الخاطئ: «أنتخب مين؟» اختيار أشخاص وليس البرنامج والاستراتيجية التي تحقق المصالح.
الشعب بحكمته التاريخية اكتشف فقدان المرشحين لبرامج بميزانيات وخطط محددة للاقتصاد وللإصلاح فكانت الإضافة للنكتة «على الأقل إبليس برنامجه معروف».
غياب البرامج كرس السؤال الخاطئ عن الأشخاص فكانت حماقة المناظرات السياسية التي تلقفتها شبكات التلفزيون للربح التجاري وليس لتنوير المتفرجين ديمقراطيا.
وكانت المناظرات لعنة على بريطانيا بغزو الموضة الأميركية الحمقاء انتخابات 2010، وأدى تلميع الشخصية على حساب برنامج الحزب إلى برلمان معلق وحكومة ائتلاف ضعيفة تتخبط فتخلق مشاكل جديدة بدلا من حل

الموجودة.
في القاهرة اجتهد كل متناظر في نزع أوراق التوت عن الخصم. الأغلبية الصامتة (حزب الكنبة) التي لم تتظاهر، أو تلتحق بأحزاب وتريد الأمن والاستقرار وإصلاح الاقتصاد، اكتشفت أن المرشحين الكبيرين جدا اشتريا ملابسهما السياسية من ترزي الإمبراطور، وليس هناك برامج إصلاح اقتصادي أو سياسي ولا يحزنون.
الثوار يقيسون قامة الأشخاص بمسطرة شعارات الستينات (معاداة هستيرية لمعاهدة السلام، ولأميركا، لدرجة التصفيق لـ«القاعدة»)، لم يسألوا عن برنامج المرشح بل تاريخه «النضالي» كطالب في السبعينات يتظاهر ضد معاهدة السلام، وضد تحرير الاقتصاد من القطاع العام. ومع غياب البرنامج فضل حزب الكنبة طمأنينة «إللي تعرفه أحسن من اللي ماتعرفوش».
التظاهر ضد شفيق لأنه من «الفلول»، أو احتجاجات العنف والحرق (والجهاز السري للجماعة جاهز بخبرته الطويلة منذ قنابل دور السينما واغتيال القاضي الخازندار وحرق القاهرة في يناير/ كانون الثاني 1952) لن يبدل الواقع: انتخابات الجولة الثانية لن تتغير مضمونا، فهي بين الفائزين بأكبر عدد من الأصوات. ولذا فالمنطق العملي هو تصحيح السؤال الخاطئ (تختار شفيق أم مرسي) إلى السؤال الأكثر صوابا: المفاضلة بين برنامجين، واستراتيجيتين ومستقبلين لمصر وللمنطقة..
هل تختار ثيوقراطية الدولة الدينية التي لا تترك للفرد حرية الاختيار، بمحاكم تفتيش القرون الوسطى وقوانين من نوع شطحات الحاكم بأمر الله (قارن مثلا تحريمه أكل الملوخية وأوقات فتح المتاجر قبل عشرة قرون، بمناقشات تحريم أو إباحة مأكولات ومشروبات، وقانونية مضاجعة الموتى). أم تختار الدولة المدنية الحديثة؟
الأولى جربتها الإنسانية منذ اتهام جاليليو بالكفر لطرحه حقيقة أثبتها العلم حتى جمهورية ولاية الفقيه ورجم من تعرضن للاغتصاب دون ذنب اقترفنه.
والثانية أوصلت الإنسان للقمر، وقضت على
الأوبئة والأمراض ونشرت التعليم في كل بقاع الأرض.
هل تختار إمارة الكراهية والفقر ودعم الإرهاب وشن الحروب، أم دولة السلام والاستثمار والبناء والرفاهية؟
الخيار ليس بين أشخاص، بل بين مؤسستين. الأولى بذلت الدماء دفاعا عن مصر، ثم العرق بالعمل الشاق في بناء السلام؛ والثانية ظاهرة «تابع» المرشد. كما يتجاوز السؤال مجرد الخيار بين دولة مدنية أو ثيوقراطية.
فتصريحات التيار الإسلاموي والجماعة، وحتى المرشح المستقل الذي ادعى الانفصال عنهم (ولحسن الحظ رفضه الناخب في الجولة الأولى) المعادية للسلام مستفزة لإسرائيل.
تصريحات تتراوح ما بين وصفها بالعدو الاستراتيجي، وتهديدات ماركة أحمدي نجاد والوعيد بتحرير «كل» شبر من أرض فلسطين.
الخطورة أن هاجس مواجهة الدمار الشامل مكون أساسي من التفكير الأمني الإسرائيلي لأسباب تاريخية معقدة (الهولوكوست، وتعرض الدولة اليهودية للحرب بمجرد إعلان استقلالها، التشكيك في شرعية وجودها، وعقلية الحصار إلخ). وكلما تعرضت إسرائيل لتهديد أمني، تستبق الحرب pre-emptive strike بضربة إجهاضية (طرد عبد الناصر مراقبي الهدنة وإغلاق المضايق مايو/ أيار 1967 أدى لضربة استباقية دمرت الطيران المصري، محاولات السوريين تحويل مصادر المياه، أدت لضربة استباقية انتهت باحتلال الجولان، ثم المفاعل النووي العراقي 1981، والمفاعل النووي السوري، قبل ثلاثة أعوام). ولذا فانتخاب تابع المرشد بآيديولوجيا ترفض فكرة وجود الدولة اليهودية أصلا، وفتح الحدود لأعمال عنف من سيناء، سيبعث أكثر الإشارات خطورة إلى إسرائيل، مما قد يدفعها إلى القيام بضربة إجهاضية، ويضطر الجيش المصري للرد، وتخسر مصر والمنطقة ثمار أربعة عقود سلام وتسيل الدماء، وتتحول الميزانية من الاستثمار إلى التسليح. وقد يضيق الإسرائيليون ذرعا بالتهديدات عندما تصبح سيناء، بأمر المرشد، عمقا لحماس، فيقومون بعملية واسعة (ولا حيلة لمصر إذ تتم خارج حدودها) باستراتيجية «تطهير» قطاع غزة، وتدفع بحماس غيرها من المنظمات والمقاتلين إلى سيناء، وتبني سورا عازلا محصنا كجدار الضفة الغربية، داخل حدودها، وتتحمل مصر أعباء «الأشقاء» الحماسيين وأعمالهم «الجهادية» التي يعرفها بقية العالم باسم آخر تعاقب عليه كل القوانين.
على ورقة الاقتراع اسمان: مسؤول، له خبرة، في الوزارة وجرب الحرب وأهوالها (والعسكر المتقاعدون دائما أكثر حكمة وتريثا في اتخاذ قرار الحرب من ساسة لم يختبروها بل يستجيبون لمشاعر حماس غوغائية)، ومرشح آيديولوجي يحرك المرشد خيوطه ويطيع أوامر أصحاب القول المأثور «طز في مصر». ولعل الحكمة تهدي يد الناخب المصري إلى المربع الأكثر صوابا في ورقة الاقتراع.
نقلا عن صحيفة الشرق الاوسط