عطاء الله مهاجرانى يكتب مصر بعد الانتخابات

جولة عربية

الاثنين, 28 مايو 2012 16:57
عطاء الله مهاجرانى يكتب مصر بعد الانتخابات

هل نحن إزاء مصر جديدة؟ بعد خمسة عشر شهرا من الثورة وبعد ستين عاما من حكم العسكر للبلاد، هل يمكن أن نتخيل مصر جديدة مختلفة تمام الاختلاف؟ هل سنرى الجمهورية الثانية في مصر؟

1) نشر دكتور قدري حنفي خطابا مفتوحا موجها إلى رئيس مصر الجديد، وأشار فيه إلى الرئيس الجديد بـ«مؤسس الجمهورية الثانية».
وقال: «السيد الرئيس‏،‏ ما زلنا جميعا في انتظار معرفة اسمك‏،‏ ليس باعتبارك رئيسا للجمهورية فحسب‏،‏ بل مؤسسا لجمهوريتنا الثانية‏،‏ حيث سيكون عليك إرساء تقاليد جديدة لجمهورية تولد في عصر جديد‏؛‏ عصر لم يعد فيه مجال لإخفاء شيء عن الجماهير».
2) ويعتقد طلال سلمان، رئيس تحرير صحيفة «السفير» الذي ينظر إلى الموضوع من منظور مغاير، أن الرئيس الجديد لمصر ليس فقط رئيسا لمصر، بل أيضا رئيس لكل الدول العربية، وجاء على لسانه:
بوضوح قاطع نقول: «إن الأشقاء في مصر إنما ينتخبون، في هذه اللحظات، الرئيس العربي الأول، وليس فقط (رئيس) بلادهم التي غيبها نظام الطغيان عن دورها القيادي الذي لا بديل منها فيه» («بوابة الشروق» 23 مايو/ أيار).
3) وقال وائل غنيم، أيقونة ثورة 25 يناير (كانون الثاني)، في مقابلة مع قناة «سي إن إن»، إن الانتخابات ستلعب دورا هاما في مصر، وكذلك في الدول العربية الأخرى، وأوضح قائلا:
«لم تعد هذه لحظة تاريخية بالنسبة لمصر فقط، وإنما هي لحظة تاريخية للعالم العربي كله، فتلك هي المرة الأولى التي يقوم فيها المصريون بالتصويت من أجل اختيار رئيس لبلدهم»، مضيفا: «على الرغم من القلق الذي نشعر به، فإنني متفائل، وما تحتاجه مصر الآن هو أن يجتمع الناس على هدف واحد حتى نستطيع حل مشكلاتنا».
4) وكتب الرئيس التونسي، منصف المرزوقي، على صفحته على موقع «فيس بوك»: «الآن وبعد ساعات قليلة من الآن سيقرر المصريون مصير الأمة العربية».
توضح وجهات النظر الأربع التي تم ذكرها أننا نشهد في مصر انتخابات على قدر كبير جدا من الأهمية والحساسية. إنها تجربة جديدة بالنسبة للمصريين، فللمرة الأولى لم يتضح مسبقا من الذي سيفوز بالانتخابات. للمرة الأولى نعلم أن الرئيس سينتخب بأصوات المواطنين لا بقوات الأمن وقادة الجيش. يشبه النظام في كل دولة الهرم خاصة في مصر. كيف تظل الأهرام صامدة في مصر على الرغم من مرور ما يزيد على أربعة آلاف عام؟ على سبيل المثال هرم خوفو الأكبر في الجيزة هو أقدم وأكبر الأهرام، ومن عجائب الدنيا السبع القديمة. ويقوم الهرم على قاعدته لا قمته؛ لهذا لا يزال يحافظ على توازنه القوي الراسخ.
بمعنى آخر يمكن أن ننظر إلى استقرار النظام مثل استقرار الهرم الذي يعتمد على قاعدته. ما هي قاعدة النظام التي يشيد عليها؟ يعتقد الجميع أن الشعب هو المصدر الرئيسي للشرعية واستقرار النظام. للأسف ينسى من يظل في السلطة أن الشعب هو مصدر الاستقرار والشرعية لا هم. نتيجة لذلك، لم يعودوا بحاجة للثقة في الناس والتعويل عليهم، بل أصبحوا يثقون في قوات الأمن والشرطة والجيش. لقد كتب ديستوفسكي: «أول ما يستخدمه الرجل العسكري هو عضلاته وآخر ما يستخدمه هو مخه». النتيجة الأخرى لهذا الشكل من أشكال الحكم هو الفساد واتساع الهوة بين

النظام والشعب.
ثالثا الحاكم، فحسني مبارك كان يعيش منعزلا في برجه العاجي، وكان عصره هو العصر الذهبي للمحسوبية؛ حيث سمح لزوجته وابنيه بتعزيز نفوذهم والحصول على أموال هائلة. ولعب ولدا مبارك وزوجته دورا مؤثرا كصناع قرار في وضع سياسات الحكومة، فقد كان الوزراء يقبلون يد سوزان كما كتب علاء الأسواني في إحدى رواياته. لقد كانت هناك منافسة كبيرة على الإطراء.
قال النائب الأول لأحمدي نجاد ذات مرة إنه إذا أراد الله اختيار رسول آخر بعد سيدنا محمد، لكان اختار أحمدي نجاد. وألفت زوجة نائب آخر من نواب أحمدي نجاد كتابا عنه بعنوان «أحمدي نجاد: معجزة الألفية الثالثة». ويعد هذا مثالا على الهرم الذي يستند إلى قمته.
الانتخابات في تلك الأنظمة لا معنى لها وما هي إلا عرض سياسي؛ لأن الجميع يعلم من سيكون الرئيس، وأنه سيفوز بنسبة من الأصوات لا تقل عن 90 في المائة. وستظهر صور ومقاطع مصورة له في كل مكان. وكما كان يقال إنه سباق رئاسي لا يشارك فيه سوى جواد واحد. وكانت مصر وسوريا واليمن وتونس أمثلة واضحة على ذلك. وبعد مرور خمسة عشر شهرا على الثورة التي اندلعت في 25 يناير عام 2011، بعد ستين عاما من حكم العسكر، حانت الفرصة لكل المصريين لانتخاب رئيسهم. مما لا شك فيه أنه عندما تجرى انتخابات حرة ونزيهة من دون تدخلات من قوات الأمن، ستحظى البلاد والمجتمع بالاستقرار، وحينها يمكن أن نرى المواطنين في سعادة ورضا.
وكانت فرنسا المثال الجديد. لقد كان قرار الشعب الفرنسي هو تغيير ساركوزي وحكومته، وقد فعلوها. إذا أردنا أن تكون بلادنا آمنة، فلا توجد طريقة أخرى سوى إجراء انتخابات حرة وتقبل النتائج واحترام الشعب. أعتقد أنه سيكون لمصر والمصريين دور مهم في مستقبل المنطقة. وتحضرني قصيدة حافظ إبراهيم:
وقف الخلق ينظرون جميعا
كيف أبني قواعد المجد وحدي
وبناة الأهرام في سالف الدهر
كفوني الكلام عند التحدي
أنا تاج العلاء في مفرق الشرق
ودراته فرائد عقدي
من الجلي أننا إزاء أمة أكبر وأقوى من أهراماتها. ويبدو لي أن مصر ستحظى بالاستقرار والأمن من خلال انتخاباتها.
عطاء الله مهاجرانى