محمد إبراهيم خاطر يكتب:رئيس مصر.. نتاج الثورة أم الثورة المضادة؟

جولة عربية

السبت, 26 مايو 2012 12:38
محمد إبراهيم خاطر يكتب:رئيس مصر.. نتاج الثورة أم الثورة المضادة؟محمد إبراهيم خاطر
بقلم - محمد إبراهيم خاطر

الانتخابات التي جرت في مصر يومي 23 و 24 من شهر مايو الجاري تشكل علامة فارقة في تاريخ مصر وحدثاً في غاية الأهمية رافقته حالة من الترقب في الداخل والخارج.

حيث يتساءل الجميع عن هوية رئيس مصر القادم في ظل تنافس 12 مرشحاً على منصب الرئاسة واحتدام المنافسة بين خمسة مرشحين على وجه الخصوص وهم الدكتور محمد مرسي والدكتور عبدالمنعم أبوالفتوح والأستاذ حمدين صباحي واثنين من المحسوبين على النظام السابق وهما السيد عمرو موسى والفريق أحمد شفيق آخر رئيس وزراء في عهد الرئيس المخلوع.

والسؤال الذي ينتظر الجميع إجابته هو هل ستسفر انتخابات الرئاسة في مصر عن رئيس ثوري أم عن رئيس من الفلول؟!

معركة الفلول الأخيرة

الفترة التي سبقت إجراء الانتخابات الرئاسية شهدت جملة شعواء على جماعة الإخوان المسلمين وعلى مرشح حزب الحرية والعدالة الدكتور محمد مرسي وشهدت في المقابل عملية تلميع واسعة لفلول النظام السابق وقد بدا الانحياز لمرشحي الفلول واضحاً في وسائل الإعلام المختلفة وبخاصة المملوكة لرجال الأعمال المحسوبين على النظام السابق.

ووسائل الإعلام الحكومي والخاصة وبعض المراكز الحكومية والمستقلة قامت بعمل غير أخلاقي وغير مهني وغير علمي في محاولة للتأثير على قرار الناخبين وبخاصة الفئات التي لم تحسم أمرها ولم تحدد المرشح الذي ستصوت له في الانتخابات وهذا العمل تمثل في استطلاعات الرأي التي أجرتها هذه المراكز ومنها على سبيل المثال استطلاعات الرأي التي أجراها مركز الأهرام للدراسات السياسية ومركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء والمركز المصري لبحوث الرأي العام «بصيرة» والموقع الإلكتروني لصحيفة المصري اليوم وغيرها والتي وضعت أحمد شفيق وعمرو موسى في المركزين الأول والثاني بالتبادل ثم حمدين صباحي ووضعت الإسلاميين وبخاصة الدكتور محمد مرسي في مراكز متأخرة وذلك دليل واضح على الكذب والتدليس.

وقد جاء تصويت المصريين في الخارج الذي يعتبر مؤشراً على توجهات الناخب المصري على العكس تماماً من نتائج استطلاعات الرأي التي أجرتها هذه المراكز حيث حصل الدكتور محمد مرسي على أعلى نسبة تصويت للمصريين في الخارج تقترب من 40% من أصوات الناخبين وجاء الدكتور أبو الفتوح في المركز الثاني ثم حمدين صباحي بينما احتفظ الفلول لأنفسهم بالمراكز الأخيرة وهذه النتيجة حتماً سيكون لها تأثير على الانتخابات في الداخل.

والكذب والخداع من الأدوات التي يستخدمها الفلول في الدعاية لأنفسهم في الانتخابات الرئاسية فعمرو موسى يحدثنا عن خبرته السياسية التي لا تسمن ولا تغني من جوع وعن قدرته على النهوض بالاقتصاد المصري بمكالمات هاتفية!!!

والفريق أحمد شفيق الذي يفكر أو قرر البعض انتخابه لأنه رجل عسكري وقوي وسيعيد الأمن حسب زعمهم لن ينجح في ذلك بالتأكيد لأن المجلس العسكري بقادته مجتمعين والحكومة بقيادة الدكتور الجنزوري فشلوا جميعاً في تحقيق الأمن والاستقرار للمصريين!!!

ومن الأدوات التي يستخدمها الفلول في انتخابات الرئاسة التي تعتبر فرصتهم الأخيرة في العودة للمشهد السياسي المال السياسي مثل الرشوة وشراء الأصوات فهناك تقارير تتحدث عن دفع أموال تتراوح ما بين 50 -300 جنيه للناخب مقابل التصويت للفلول. والدعاية الانتخابية للفريق أحمد شفيق تخطت حاجز الـ 10 ملايين التي نص

عليها قانون الانتخابات بأضعاف مضاعفة منها على سبيل المثال لوحات الرئيس التي تعاقد عليه بمبلغ 40 مليون جنيه فمن أين حصل شفيق على هذه الملايين؟!!!

والفريق أحمد شفيق صاحب «27 روح» كما يقول وليس 7 أرواح كما في الأمثال الشعبية كان الأجدر برفع شعار عمرو موسى «أد التحدي» لأن الرجل تحدى قانون «العزل السياسي» واستمر في سباق الرئاسة وتحدى قضايا الفساد وعشرات البلاغات المقدمة ضده للنائب العام وتحدى قرارات وقوانين اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية وقام بخرق «الصمت الانتخابي» بإعلانات في الصحف وبإقامة مؤتمر صحفي في اليوم الأول للانتخابات في تحد صارخ للقانون.

وإذا كان الفريق أحمد شفيق قد نجا حتى الآن من هذه الأمور مجتمعة إلا أنه لم ينج من الضرب بالأحذية في أسوان وفي التجمع الخامس عقب الإدلاء بصوته في الانتخابات الرئاسية وذلك مؤشر على مدى رفض وكراهية الجماهير لهذا الرجل الذي يعتبره الكثيرون ظلاً وبديلاً لمبارك.

والفريق أحمد شفيق قد يكون الأداة التي سيصفي بها المجلس العسكري حساباته مع المصريين بصفة عامة ومع الثوار وجماعة الإخوان المسلمين بصفة خاصة.

ومخطئ من يظن أن المجلس العسكري سيسلم السلطة لرئيس منتخب دون ثمن وهذا الثمن سيكون باهظاً بالطبع في حالة فوز مرشح غير الفريق شفيق المرشح المفضل لدى المجلس العسكري.

وعلى الرغم من تعهد المجلس العسكري وحكومة الدكتور الجنزوري بإجراء انتخابات حرة ونزيهة إلا أن تزوير نتائج الانتخابات أو التأثير في نتائجها لصالح مرشحي الفلول يظل وارداً في ظل وجود مجموعة من العوامل يأتي في مقدمتها اللجنة العليا المشرفة على الانتخابات وتحصين قرارتها ضد الطعون وتساهل هذه اللجنة في التعامل مع المخالفات الجسيمة والصريحة لقانون الانتخابات والتي قام بها الفريق أحمد شفيق الذي قبلت اللجنة تظلمه من قرار الاستبعاد عقب صدور قانون العزل السياسي بعد انتهاء المهلة المحددة لتقديم الطعون.

وهناك الجهاز الإداري للدولة الذي يضم حوالي 8 ملايين مصري وينتمي إليه القائمون على إجراء الانتخابات الرئاسية وهؤلاء يمكن توجيههم لانتخاب الفلول بالإضافة إلى ملايين المنتفعين من النظام السابق.

أدوات الثورة المضادة

أثناء الثورة وبعدها لم يكن يدور في خلد أحد من المصريين الذين شاركوا في الثورة أو لم يشاركوا فيها أنه سيأتي يوم يوجد فيه من بين المصريين من يفكر في العودة للنظام القديم الذي فعل بمصر والمصريين ما لم يفعله الغزاة والمحتلون ولكن الواقع يقول إن هناك مبررات قوية أدت إلى تفكير قطاع لا يستهان به من الشعب المصري في انتخاب فلول النظام السابق وتسليم السلطة لهم لكي يجهضوا الثورة ويجهزوا على ما تبقى منها ويعيدوا مصر قروناً إلى الوراء.

والوصول لهذه الحالة حدث نتيجة عدة عوامل يأتي في مقدمتها أن

السلطة لم تنتقل لأيدي الثوار والشعب وما زالت الثروة ومقاليد الحكم والسلطة عملياً في أيدي رجال النظام السابق حتى في ظل وجود مجالس نيابية منتخبة.

ومن هذه العوامل الدعم المفتوح والتمويل الداخلي والخارجي لحملات الفلول الانتخابية وإسهامها في حجب جرائمهم وتلميع صورتهم أمام الرأي العام وإظهارهم بمظهر المنقذ القادر على انتشال مصر من الفوضى والانفلات والعبور بها لبر الأمان. ووسائل الإعلام الرسمي والخاص التي تمارس الكذب والتضليل والخداع كانت من العوامل الرئيسية التي ساهمت في هذا التوجه الخاطئ والذي يرقى لدرجة خيانة الوطن وخيانة دماء الشهداء الذي ضحوا بأرواحهم حتى يأتي اليوم الذي يختار فيه المواطن المصري بحرية كاملة ودون وصاية من أحد من يتولى الحكم وإدارة شؤون البلاد. والانفلات الأمني المتعمد والأزمات الاقتصادية المصطنعة وزيادة معاناة المواطنين البسطاء وعدم قدرتهم على تحمل المزيد من الضغوط وتحميل الثوار والثورة المسؤولية عن ذلك كان من الأسباب التي جعلت فئات من الشعب المصري تلعن الثورة والثوار وتحن للعهد البائد.

استقرار أم ثورة ثانية؟!

بعد مرور أكثر من عام على انطلاق الثورة في مصر أصبحت هذه الثورة على المحك في ظل العودة القوية للفلول ومنافستهم على منصب رئاسة الجمهورية.

والسعي الحثيث من جانب المجلس العسكري وفلول النظام السابق لكي يفوز الفريق أحمد شفيق بانتخابات الرئاسة ليس الهدف منه تحقيق الاستقرار كما يزعم البعض ويحلم الآخرون وإنما نشر الفوضى وإحراق مصر.

ونجاح أحمد شفيق أو عمرو موسى يعني عملياً أن الثورة قد أجهضت وأن المجلس العسكري استطاع أن يفرض رؤيته على الجميع واستطاع أن يأتي برئيس سيعيد الأمور إلى ما كانت عليه قبل تنحي مبارك بل وأسوأ مما كانت عليه كما يتوقع الكثيرون.

والتحديات التي تواجه الثورة المصرية وتواجه الثوار تتطلب توحيد الصفوف في مواجهة الفلول وبخاصة في حالة تخطي أي منهم للدور الأول ومنافسته على منصب الرئاسة في الجولة الثانية من الانتخابات.

وهنا يأتي دور شباب الثورة ودور النخبة والمثقفين في الدفاع عن الثورة ومواجهة الثورة المضادة ومنع فلول النظام السابق الذين يسعون جاهدين لإجهاض الثورة وإعادة إنتاج النظام القديم من تحقيق أهدافهم.

الرئيس القادم والمهام الصعبة

المرحلة التي تمر بها مصر مرحلة صعبة ودقيقة والرئيس القادم أياً كان ليس بطبيعة الحال رئيساً خارقاً حتى يستطيع بمفرده حمل تركة مثقلة بالمشكلات الداخلية والخارجية ولذلك فإن الرئيس القادم بحاجة إلى طاقم رئاسي ومساعدين على درجة عالية من الكفاءة والمهنية وبحاجة إلى ترتيب الأولويات في مواجهة المشكلات والتحديات التي تواجهها مصر.

والرئيس القادم لا بد أن يكون لديه مشروع جاهز للنهوض بمصر ولديه الامكانات اللازمة لتطبيق هذا المشروع وحزب الحرية والعدالة لديه «مشروع النهضة» وهو مشروع متكامل للنهوض بمصر في جميع المجالات.

والرئيس القادم بحاجة إلى دعم ومساندة من جميع المؤسسات الرسمية في الدولة وفي مقدمتها مؤسسة البرلمان بغرفتيه وعلى الرغم من إعلان الدكتور سعد الكتاني رئيس مجلس الشعب أن المجلس سيتعاون مع الرئيس القادم أياً كان إلا أن ذلك غير وارد في حال فوز الفلول بمنصب الرئيس نظراً لاختلاف الموقف من الثورة واختلاف السياسات التي يتبناها كل طرف.

والرئيس القادم بحاجة إلى دعم من القوى السياسية وبدعم من الشارع حتى يتمكن من تنفيذ البرنامج الذي قدمه للناخبين.

والرئيس القادم ينبغي أن يكون منحازاً للثورة وساعياً من أجل تحقيق أهدافها حتى لا تحدث فتنة في مصر وحتى لا يحدث صدام بين الرئيس القادم والبرلمان المنتخب بعد الثورة وحتى يتم إبعاد العسكر عن التدخل في الشؤون السياسية.

ومصر في المرحلة الحالية بحاجة إلى تيار سياسي أساسي يجمع القوى السياسية ويسعى للاستفادة من جميع الطاقات الموجودة في المجتمع.

والتيار السياسي الأساسي كما يقول المستشار طارق البشري هو الإطار الجامع لقوى المجتمع والحاضن لهذه القوى وهو الذي يجمعها ويحافظ على تعددها وتنوعها في الوقت ذاته ويعبر عن القاسم المشترك لجماعات الأمة وطوائفها ومكوناتها السياسية والاجتماعية.
نقلا عن صحيفة الوطن القطرية