محمدالرميحى يكتب:الكرسي لمرسي.. بين فقه التكفير وفقه التدبير!

جولة عربية

السبت, 26 مايو 2012 12:05
محمدالرميحى يكتب:الكرسي لمرسي.. بين فقه التكفير وفقه التدبير!محمدالرميحي
بقلم - محمدالرميحي

أكتب هذا المقال قبل قفل صناديق الانتخاب في مصر لاختيار فخامة الرئيس القادم، وتصافح أحرفه أنظار القراء. وشيء من توجهات النتائج قد تكون تباشيرها ظهرت. المحاولة هي استبصار تداعيات نتائج الانتخابات الرئاسية المصرية على الصعيدين المصري والعربي.

قبل ولوج صلب الموضوع لا بد من التوقف للنظر إلى بعض الثوابت المحيطة بالعملية الديمقراطية المصرية، التي لا يصح قراءة المشهد دون وضعها في الحسبان، وألمح أربعة ثوابت أساسية يجدر عرضها.
الثابت الأول أن ما يحدث في مصر لا يؤثر على التطورات المحتملة في مصر فقط، ولكن يفيض على الدول المجاورة، والعربية منها على وجه الخصوص، هكذا علمنا التاريخ الحديث. الثابت الثاني أن المصريين المؤثرين في نتائج الانتخابات الرئاسية القائمة ليسوا من يتحدث على الفضائيات، وهم بالتأكيد ليسوا من يقوم بالكتابة على وسائط الاتصال الحديثة أو حتى التظاهر. هناك عمق مصري في الأرياف والنجوع والبنادر والمدن الصغيرة، هم عمق الشعب المصري، وهؤلاء في الغالب لهم أهواء وتوجهات وتدفعهم أماني وتستهويهم مواصفات تختلف عن أهل المدن الكبرى، هم الأغلبية التي سوف ترجح الكفة. وثالث الثوابت هي طبيعة الدولة المصرية ذاتها ومن يحكمها (أو يتحكم فيها)، وأعني أنها دولة مركزية لها رأس الهرم الذي تسير وراءه كافة أجهزة الدولة - أيا كانت خياراته - يتبعها الجميع ولعل البعض يقترب من التدليل على سيطرة (الدولة المركزية تاريخيا) بالحديث أن النبي موسى أوحى إليه ربه في حالة مصر أن «اذهب إلى فرعون»، وليس كما أوحى إلى النبي محمد «أنذر عشيرتك» أو «أرسلنا فيكم رسولا منكم».. إنها علاقة الفرد بتسيير الجماعة، يد الدولة المصرية ثقيلة ولها أدوات إقناع ليس بالضرورة الهراوة أو الرصاص المطاطي! وبالتالي إن من يستولي على رأس الهرم يتحكم بالضرورة فيما تحته من وسائل ورجال، أي أن الأدوات التي تنفذ السياسات - حتى المتناقض منها - هي نفس الأدوات. الثابت الرابع أن مصر تنقسم اليوم إلى أغلبية معتمدة على قاعدة دينية منظمة، وأقلية معتمدة على خطاب حداثي ومبعثرة، والتنظيم في علم الاجتماع عادة يتفوق على التبعثر!
إذا كانت تلك الثوابت المرجعية هي قاعدة لا يستوي أي تحليل سياسي لفهم ما يدور في مصر دون أخذها بالحسبان، فإن أكثر التوقعات عقلا أن كرسي الرئاسة سوف يذهب إلى واحد من اثنين - إلا إذا فاجأنا الشعب المصري، وأعتقد أن المفاجآت قليلة - هما عبد المنعم أبو الفتوح أو محمد مرسي، والمرجح هو (الأخير)، حيث يستند الى قاعدتين، الأولى تيار واسع ومنظم اسمه «الإخوان المسلمون»، والثانية هي القاعدة الأوسع واسمها الإسلام الشعبي. (ده يخاف من ربنا)! تكفي تلك الجمل ومثيلاتها لإقناع القاعدة الشعبية الواسعة أن تضع (ثقتها) في مرسي، يردفها قول آخر خصص لإقناع المستنيرين بأن مرسي يحمل (مشروعا مؤسسيا) وليس (شخصيا)! حتى الآن لم يحصل الدكتور مرسي على لقب (فضيلة الشيخ) ولكني لن أستغرب أن يحصل على هذا اللقب بعد نتائج الانتخابات، ولعلي أضيف هنا مؤشرا آخر

أقنعني برجحان كفة مرسي، هي نتائج الانتخابات في خارج مصر، التي حصل مرسي فيها على أعلى الأصوات في منطقة الخليج، والمصريون في دول الخليج هم الأكثر تمثيلا لقماشة الشعب المصري والأجدر أن تلاحظ خياراتهم، يأتون من طبقات مختلفة من النسيج المصري، لقد اختار معظمهم محمد مرسي!
المشهد يحتمل مدرستين؛ الأولى متخوفة من اكتساح (لتيار إسلامي سياسي) قد لا تحمد عواقب سياساته، وثانية مستعدة أن تختبر هذا التيار وتسلفه شيئا من حسن الظن، وهو نقاش قد يأتي وقتا آخر للدخول في تفصيله، إلا أن صلبه لا يخرج من الموازنة بين (الطهارة والمهارة)!
الإشكالية الكبرى التي أراها الآن أن قوة «الإخوان» هي مكمن ضعفهم! فهم قادرون على الحشد وحتى على إقناع بعض القوى الحديثة بسبب ما تبنوه من مؤسسات، مثل مجلس الشورى الموسع والقبول برأي الأغلبية فيه عند الاختلاف، أي أن لديهم في الداخل مسحة ديمقراطية، إلا أن ضعفهم في أساس قواعدهم الفكرية التي ما زالت مبنية على كتابات المرحوم حسن البنا أو من جاء بعده. يعتبر حسن البنا بشكل عام من (المعتدلين) خاصة في كتاباته الدعوية الأولى، ولكنه - كأي سياسي - كانت كتاباته تخضع للظروف التي مرت بها سنوات التأسيس والنمو والصراع مع الآخر. البنا كان منظما فذا، ولكنه كان أيضا محدود الثقافة العامة والدينية على وجه الخصوص، لم يكن من تلاميذ محمد عبده فكريا، الذي كان إماما للانفتاح ولديه معرفة بالآخر المختلف وأهمية مد الجسور بين النص ومتطلبات العيش، البنا أيضا دخل في صراع سياسي ألجأه إلى تبني وسائل يمكن تصنيفها بأنها قريبة إلى (الفاشية) انسجاما مع تكتيكات الحركات التي كانت تبزغ في أوروبا وقت اشتداد عود «الإخوان» في مصر والأزمات الاقتصادية في سنوات بين الحربين (الثلاثينات والأربعينات) من القرن الماضي، لقد تقمص البنا في جزء من ردود فعله بسبب الضغوط على حركته، أثواب تلك الحركات في إنشائه أولا الكشافة ثم الجهاز الخاص، وهي تنظيمات شبه (ميليشياوية) يرهب بها أعداء الحركة، كما نلاحظ ذلك في طريقة أخذ البيعة، حيث يظهر للمراقب عمق ذلك التأثير، فالبيعة تتم في حجرة مظلمة ويبايع فيها العضو على (السمع والطاعة)، واضعا يده على نسخة من القرآن الكريم و(مسدس)! أما الشعار فهو في علم «الإخوان»، (سيفان متقاطعان وقرآن كريم). لم يكن تنظيم الإخوان دعويا فقط، بل كان يطمح إلى (دولة ودين)، إلى سلطان عن طريق السلطة، ولم يكن السيفان هما سيفي توما الإكويني سيف الله وسيف القيصر!
لا يجادل عاقل أن «الإخوان» أيضا تم اضطهادهم إبان حكم العسكر
كثيرا وطويلا هم وعائلاتهم وفي الكثير من الأوقات دون محاكمات عادلة ولا وجه حق قانوني، لم يكن رد الفعل من بعضهم إلا التشدد الأكثر (فقهيا)، فكان الاضطهاد يفجر (الغلو)، ولنا في كتابات سيد قطب شاهد، حيث انتقل من الاعتدال إلى التشدد، نتيجة الظلم الهائل الذي تعرض له كشخص وكجماعة. بيت القصيد هنا أن «الإخوان» تبنوا تكتيكات (المضطهد) فكانت مخاوفهم من الاختراق والتعسف، تارة بمد اليد مرتجفة إلى السلطة وتارة بتصفيات داخلية لم تخل من اضطهاد داخلي (يكفي قراءة كتاب ثروت الخرباوي: قلب «الإخوان» صدر 2010) وكتابات أخرى لمعرفة ذلك الصراع الداخلي الذي ينتفي فيه الحوار لتغليب الطاعة، حيث بأسهم بينهم شديد!).
باختصار.. لم تستطع الحركة الإخوانية تطوير فقه سياسي يستطيع أن يقدم برنامجا لحكم دولة حديثة مع التشابك المعقد اليوم بين الداخل والخارج وبين العدو والصديق وبين الشعار وحاجات الناس، هذا الفكر لم يتبلور بعد، صحيح أنهم في الحملة الانتخابية الرئاسية الأخيرة تخلوا طوعا بحذاقة عن شعار (الإسلام هو الحل) الذي لازمهم إبان وجودهم في التيه السياسي، إلا أن هناك دائما من سيكون على يمينهم يتحداهم كمثل السلف يتعيش على قاعدتهم (الإسلام) باللجوء إلى نصوص للإحراج والمناكفة السياسية.
ودون قاعدة فقهية مجددة سيكون «الإخوان» ضحية لمنجزاتهم. لعل المتابع يلحظ هذا الارتباك في تناولهم الآن لبعض القوانين في مجلس الشعب، وهي قوانين يرى الخبراء أنها لا تتناقض مع الشريعة، ولكن واضح أنهم بسبب هذا الارتباك يستدعون القوانين الخاصة بالمرأة وغيرها ويميلون إلى التشدد فيها، والفقه الإسلامي حامل للكثير من الاجتهادات وبعضها متناقض، وناتج من ظروف سياسية واجتماعية كانت سائدة وقت تدبيج تلك التفسيرات الفقهية، وبالتالي سيجد «الإخوان» من يعارضهم على قاعدتهم دائما ويزايد عليهم فيقفون أمام خيارين؛ إما إلى الذهاب إلى التشدد أو خسران بعض القطاعات الشعبية.
ذلك في إطار الفهم العام للسياسة، إلا أن السياسة سوف تأخذهم إلى أماكن تحد أخرى، فوجود محمد مرسي كرئيس وفي نفس الوقت رئيس لحزب الأغلبية، يعيد للناس حكاية مبارك ورئاسته لحزب الأغلبية التي كان بعض السياسيين المصريين قد سئموا منها. الأبعد هو توفير العيش بمعنى الخبز الذي هو أحد ثلاثة شعارات معترف بها لثورة «25 يناير»، وأريد هنا أن أستعير سطرا مما كتبه حسنين هيكل في كتابه الثاني عن مبارك «المصريون لا يعرفون السياسة إلا عن طريق بطونهم»!، وهو قول مختصر على لسان قامة ما زال بعض المصريين يؤمنون ببصيرتها! المصريون يريدون حلا سريعا للحصول على (الخبز) بالمعنى المعنوي للكلمة. ولا يستطيعون أن يعتمدوا على الشعارات لفترة طويلة، والخبز يعني التنظيم الجيد للإدارة، ويعني سياحة فاعلة وهي نشاط اقتصادي مهم للدورة المالية المصرية ويعني إنعاشا للقوة المصرية الناعمة وهي الفن السابع والثقافة والإبداع بمعناه العام، كما ويعني تمكين المرأة ويعني أشياء كثيرة لا تغيب عن المستنيرين في صفوف الجماعة مما يسمى (جلب المصلحة)، والفشل فيها يعني الركض إلى المطلقات والأساطير، وقد تنزلق لغة الحوار - من جديد - للغة العنف. باختصار التحدي أمام «الإخوان» هو القدرة على تحويل فقه (التكفير) إلى فقه (التدبير) والابتعاد عن النصوص لاستخدام المقاصد، وهي معركة بحد ذاتها قاسية وطويلة وتناقض العمل السياسي المعتمد على المراوغة والمداهنة!
آخر الكلام:
في مثل هذه الأيام منذ نصف قرن أصدر عبد الناصر الميثاق وقال «النهارده بنبتدي مرحلة هامة وشاقة في كفاحنا من أجل تحقيق الأماني التي نتمناها، وأنتم بالذات نيابة عن القوى الشعبية التي انتخبتكم؛ أمامكم مسئوولية كبيرة في هذه المناقشة الكبيرة، والتي تبدأ اليوم، مشروع الميثاق طويل لسبب؛ وهو أني أردت أن أضع فيه حصيلة التجربة الوطنية، من الماضي اللي عشناه إلى المستقبل الذي نريده». هل تشبه الليلة البارحة!!
نقلا عن صحيفة الشرق الاوسط